الضحك الذي يفضح أكثر مما يفضحه الغضب | د نور الهدى قرباز|كاتبة جزائرية

-د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة-الضحك الذي يفضح أكثر مما يفضحه الغضب
ليست كل القصائد غناءً، فبعضها صفعة. وليست كل السخرية لهوًا، فبعضها محكمة كاملة تنعقد في بيت شعر. وهذا ما فعله الشاعر الشعبي الأزهر عجيري، الملقب بالفيروزي، في ديوانه «ديوان المعدمين»، حين جعل من الكلمة الشعبية مرآةً عارية للمشهد الاجتماعي والسياسي، فلا جامل صاحب منصب، ولا طلى الصدأ بلون الذهب، ولا وضع على الجرح ضماد المجاملة.
لقد فهم الفيروزي أن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر في الجيوب، بل الفقر في الوعي. لذلك جاءت قصائده ساخرة كابتسامة حكيم يرى النار تشتعل في البيت بينما أهل الدار يتجادلون حول لون الستائر.
في «ديوان المعدمين» والمير لا يظهر “المير” بوصفه خادمًا للجماعة كما ينبغي أن يكون، بل بوصفه رمزًا لذلك الحلم الذي يطارد الكثيرين حتى يتحول المنصب إلى غاية في ذاته. هناك يصبح الكرسي أكبر من المشروع، واللقب أهم من الخدمة، والصورة المعلقة على الجدار أغلى من تعب المواطن الذي ينتظر طريقًا أو مدرسة أو مستشفى.
وكانت جرأة الفيروزي تكمن في أنه لم يهاجم أشخاصًا بقدر ما هاجم ظاهرة. ظاهرة أولئك الذين يركضون نحو الانتخابات كما يركض الباحث عن كنز، لا كما يتقدم صاحب رسالة نحو مسؤولية ثقيلة. فالسخرية عنده لم تكن ضحكًا مجانيًا، بل كانت مشرطًا أدبيًا يفتح الجرح ليكشف ما تحته.
وإذا كان الشعر الشعبي قد اعتاد الغناء للحب والبطولة والكرم، فإن الفيروزي اختار أن يغني للوجع الاجتماعي، وأن يكتب عن المعدمين والمنسيين والبسطاء الذين لا يجدون لأنفسهم مكانًا في خطابات المترشحين إلا أيام الحملات الانتخابية. يومها يصبح المواطن سيدًا، وما إن تُغلق الصناديق حتى يعود إلى هامش المشهد.
إن أكثر ما يثير الأسى في واقعنا أن الانتخابات تتحول أحيانًا من منافسة بين الأفكار إلى منافسة بين العروش. فلا يُسأل المرشح: ماذا تعرف؟ وماذا ستقدم؟ بل يُسأل: من أي عائلة أنت؟ ومن أي جهة جئت؟ وكأن الوطن سجل أنساب لا مشروع حضارة.
وهنا تكتسب سخرية الفيروزي معناها العميق. فهو يدرك أن الجماعة التي تنتخب القرابة بدل الكفاءة لا تنتخب ممثلًا لها، بل تنتخب استمرار أزماتها. وأن المجتمع الذي يرفع راية العروشية فوق راية المصلحة العامة يكتب بيده فصول تعثره القادم.
ولعل أجمل ما في السخرية أنها تقول الحقيقة دون أن ترفع صوتها. ولذلك بقيت قصائد «ديوان المعدمين» أقرب إلى الناس من كثير من الخطب الرنانة، لأنها لم تتحدث من أبراج عالية، بل خرجت من الشارع ومن المقاهي ومن أحاديث البسطاء الذين يعرفون أن الوطن لا يحتاج إلى كثرة المترشحين، بل إلى ندرة الرجال.
فما أشبه الأمس باليوم؛ تتغير الأسماء وتبقى الحكاية نفسها: مواسم انتخابية صاخبة، ووعود تتكاثر كأوراق الخريف، وعروش تتنازع، وكفاءات تُقصى، ومواطن ينتظر. أما الشعر، ذلك الشاهد العنيد، فيظل يضحك من المشهد كله… ضحكة موجوعة يعرف أصحاب البصائر أنها ليست ضحكة فرح، بل صرخة وطن.