مرثية العقل في موسم الترشيحات

-د.نور الهدى قرباز.كلكم رؤساء… فمن سيجمع الأصوات؟
مرثية العقل في موسم الترشحات
في بعض البلديات لا تكاد تنتهي من قراءة اسم مترشح حتى يفاجئك مترشح آخر، ثم ثالث، ثم رابع، حتى يخيل إليك أن البلدية تحولت فجأة إلى مصنع للرؤساء، أو أن الكرسي قد أصبح يتسع للجميع.
المشهد لم يعد يثير الإعجاب، بل يثير الشفقة.
عشرات المترشحين من العائلة نفسها، ومن الحي نفسه، ومن الخزان الانتخابي نفسه، يتقاتلون على الأصوات نفسها، وكل واحد منهم مقتنع أنه المنقذ المنتظر، وأن الجماهير لا تنتظر إلا ظهوره ليبدأ عصر الازدهار.
يا سادة… الصوت الواحد لا يُنتج صوتين. والناخب الواحد لا يملك ورقتي اقتراع. والصندوق لا يجامل أحدًا.
هذه ليست بطولة سياسية، بل درس مجاني في تبديد القوة.
لقد فهم أعداؤكم ما لم تفهموه أنتم؛ أن الوحدة تصنع الفوز، وأن التشتت يصنع الهزيمة. بينما لا يزال بعضكم يتصرف وكأن الانتخابات قصيدة نرجسية طويلة عنوانها: “أنا أولًا… وأنا أخيرًا… وأنا دائمًا”.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
ولم يقل: تنازعوا حتى يصفق لكم الناس.
المشكلة ليست في كثرة المترشحين، بل في قلة الرجال الذين يعرفون متى يتراجعون من أجل فكرة أكبر منهم. فالتاريخ لم يخلد الذين تشبثوا بالكراسي، بل خلد الذين ضحوا بها من أجل أوطانهم ومجتمعاتهم.
أين أهل الحل والربط؟
أين الذين كانوا إذا رأوا السفينة مثقوبة سدوا الثقب بدل أن يتشاجروا على مقاعدها؟
أين الحكماء الذين كانوا يدركون أن نصف انتصار السياسة تنازلٌ ذكي، وأن نصف الهزيمة عنادٌ أحمق؟
لقد أصبح بعض المترشحين يشبهون ذلك الرجل الذي رأى البيت يحترق، فانشغل بالمطالبة بغرفته الخاصة.
البلدية تحتاج مشروعًا، وهم يتصارعون على العنوان. الناس تبحث عن حلول، وهم يبحثون عن صور. المواطن يسأل عن التنمية، وهم يسألون عن ترتيب الأسماء في القوائم.
ويقول المثل الشعبي: “الطاحونة اللي فيها بزاف الموالين ما تطحنش.”
وهذا ما يحدث بالضبط.
ضجيج كثير… وحكمة قليلة.
شعارات كثيرة… وحسابات معدومة.
وطموحات شاهقة… لكنها مبنية على رمال الأنانية المتحركة.
المواطن اليوم لا يخاف من خصومكم بقدر ما يخاف منكم أنتم. لأن الخصم يحاول هزيمتكم مرة واحدة، أما أنتم فتتكفلون بهزيمة أنفسكم عشر مرات قبل يوم الاقتراع.
أي عقل سياسي هذا الذي يجزئ ألف صوت إلى عشر قطع ثم يحلم بالانتصار؟
وأي عبقرية انتخابية هذه التي تفتت القوة ثم تبكي على النتائج؟
إن البلدية لا تحتاج هذا العدد من الرؤساء المحتملين، بل تحتاج رجلًا واحدًا يجمعهم، أو امرأة واحدة تملك من الحكمة ما يكفي لإقناعهم بأن الوطن الصغير أكبر من أحلامهم الشخصية.
وفي النهاية، سيأتي يوم الفرز.
سيصمت الضجيج.
وستنطق الأرقام.
وحينها سيكتشف كثيرون حقيقة موجعة:
لم يهزمهم المنافسون…
بل هزمتهم مراياهم.
ولم يخسروا بسبب قوة الآخرين…
بل بسبب عجزهم عن الجلوس حول طاولة واحدة.
فيا أصحاب القوائم المتكاثرة…
قبل أن تسألوا: من سيفوز؟
اسألوا أولًا:
من قتل فرصة الفوز؟؟؟ في مذبحة الأصوات: كيف يقتل المترشحون فرصهم بأيديهم قبل يوم الاقتراع؟.أين انتم شيوخ وكبار الوطن عهدناكم ناصحين وللوطن آمنيين وللسلم جانحين .