عندما كنت في تونس قبل ما يقارب الثلاثين عاما كنت التقط بفخر مما تهديه لنا القناة الوطنية التونسية من مشاهد تبين مختلف المراحل التي مرت بها المرأة في تونس. محطات هامة ولا شك ولعل أهمها هي أن يكون للتونسية كيان مستقل، فتتعلم وتتخرج وتعمل وتسير إدارات وتبني أسرا وتسهم في بناء مجتمع ووطن يسير إلى الأمام بثقة. عندما غادرت تونس بقي في ذهني أن المراة التونسية هي امرأة استثنائية. وللحقيقة ما زلت أعتقد ذلك. ولكنني مع مرور السنوات والتجارب وجدت أن التونسية من أقدر النساء على تحمل الأذى.
المرأة التونسية التي تتباهى بعيدها الوطني بين نساء العالم هي ذاتها التي تتفوق في دراستها ثم تنسى كل ما درست وتنسى تعب الليالي والتضحيات حالما تجد ذكرا يرضى أن يكون لها زوجا، لانها استبطنت خوف المجتمع من امرأة تفكر.
المرأة التونسية التي تحتفل بعيدها كل عام هي ذاتها التي تعمل بأجر زهيد من أجل إعاشة رجل يرفض أن يعمل نفس العمل ويتقاضى نفس الأجر لأنه يراه ضئيلا ولكنه لا يجد أي حرج في الاستيلاء عليه متى تحصلت زوجته أو أمه أو أخته أو ابنته عليه، لأنها استبطنت فكرة وجوب التضحية على الأنثى.
المرأة التونسية التي تحتفل بعيدها كل عام هي نفسها التي تربي أطفالها على فكرة فوقية الذكر على الأنثى لأنها استبطنت أن العنف تعبير عن الحب. المرأة التونسية التي تحتفل بعيدها هي نفسها التي اليوم وتحت ضغط مجتمعي تؤمن هي الأخرى بأن المساواة في الميراث وتجريم تعدد الزوجات زندقة وأن النساء لا شان لهن بالمواقف والنضال…
ورغم ذلك فالمرأة التونسية ليست هذه وحسب. بل هي نساء مؤمنات بحقوقهن قائمات بواجباتهن واقفات في وجه الريح… نساء تونس المختلفات المؤمنات بحقوقهن في الوجود والمواطنة يدفعن دوما ضرائب عدة ليس من أجل أن يبقى هذا اليوم عيدا لهن بل من أجل ألا يقال : رأت نساء تونس الحيف ولم يحركن ساكنا!