
اللغة العربية بين التحضير والتمكين الحضاري قراءة لمقال يسري عبد الغني|طه دخل الله عبد الرحمن ناقد فلسطيني
قراءة لمقال – اللغة العربية بين التحضر والتمكين الحضاري – للأستاذ يسري عبد الغني 24-6-2026
المقال:

### اللغة العربية بين التحضر والتمكين الحضاري
#### مقدمة
تدُّ اللغة العربية إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها الحضارة العربية الإسلامية عبر قرون طويلة، وهي ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الأفراد، بل وعاء للمعرفة، وحافظة للهوية، وأداة لإنتاج الفكر والثقافة. وفي عصر تتسارع فيه التحولات الرقمية والعلمية، يبرز التساؤل حول موقع اللغة العربية في مشروع التحضر المعاصر، وقدرتها على الإسهام في التمكين الحضاري للأفراد والمجتمعات. فاللغة ليست مجرد انعكاس للحضارة، بل هي أحد أهم أدوات بنائها واستمرارها. وقد أكدت الدراسات اللغوية والحضارية أن الأمم التي حافظت على لغاتها الوطنية وطورتها استطاعت أن تحقق مستويات متقدمة من التنمية والابتكار.
—## أولًا: مفهوم التحضر وعلاقته باللغة
التحضر في معناه الواسع لا يقتصر على التقدم العمراني أو التقني، وإنما يشمل الارتقاء بمنظومة القيم والمعارف والمؤسسات والقدرات الإنسانية. ومن ثم فإن اللغة تمثل أحد أهم عناصر هذا التحضر؛ لأنها الأداة التي تنتقل بها المعرفة، وتتشكل من خلالها الرؤى الفكرية والثقافية.
وقد أثبت التاريخ أن الحضارات الكبرى ارتبطت بلغات قوية استطاعت استيعاب العلوم والفلسفات والآداب وإعادة إنتاجها. فاللغة اليونانية كانت وعاء الحضارة الإغريقية، واللاتينية حملت التراث الروماني، بينما أدت العربية دورًا محوريًا في نقل علوم الأمم السابقة وتطويرها خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
ومن هنا فإن التحضر الحقيقي لا يتحقق بإقصاء اللغة الوطنية أو تهميشها، بل بتطويرها وتمكينها من مواكبة مستجدات العصر.
## ثانيًا: اللغة العربية ودورها التاريخي في البناء الحضاري
عرفت اللغة العربية أوج ازدهارها مع اتساع الدولة الإسلامية، فغدت لغة العلم والإدارة والفلسفة والطب والرياضيات والفلك. ومن خلالها تُرجمت المعارف اليونانية والفارسية والهندية، ثم أعيد إنتاجها وإثراؤها قبل انتقالها إلى أوروبا في العصور الوسطى.
ولم تكن العربية مجرد لغة نقل، بل أصبحت لغة إبداع وإنتاج معرفي. فقد كتب بها العلماء والمؤرخون والفلاسفة، وأسهمت في تكوين منظومة حضارية متكاملة امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
كما أن اللغة العربية أسهمت في التواصل الحضاري بين الشعوب المختلفة، إذ تحولت إلى لغة مشتركة للعلم والتجارة والثقافة في مناطق واسعة من آسيا وإفريقيا وأوروبا. وقد أشارت منظمة UNESCO إلى أن العربية اضطلعت عبر قرون بدور رئيسي في الربط بين المجتمعات وتعزيز النمو الثقافي والعلمي والفكري.
—## ثالثًا: اللغة العربية والتمكين الحضاري
يقصد بالتمكين الحضاري تعزيز قدرة الإنسان والمجتمع على الإسهام الفاعل في صناعة المستقبل اعتمادًا على المعرفة والوعي والهوية. وفي هذا السياق تؤدي اللغة العربية عدة وظائف جوهرية:
### 1- تعزيز الهوية والانتماء
تشكل اللغة العربية أحد أهم مقومات الهوية الثقافية العربية والإسلامية. فمن خلالها تنتقل القيم والتقاليد والذاكرة التاريخية والخبرات المتراكمة بين الأجيال. ولذلك فإن الحفاظ على اللغة يعد حفاظًا على الذات الحضارية للأمة.
### 2- إنتاج المعرفة ونقلها
لا يمكن تحقيق نهضة علمية حقيقية دون لغة قادرة على استيعاب العلوم الحديثة ونشرها. فكلما ازدادت قدرة العربية على احتضان المعرفة العلمية والتقنية، ازدادت فرص المجتمعات العربية في بناء اقتصاد المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة. وقد أكدت اليونسكو أهمية العربية في إنتاج المعارف ونشرها وتعزيز الحوار الثقافي.
### 3- تحقيق التماسك المجتمعي
تؤدي اللغة المشتركة دورًا مهمًا في بناء الوعي الجمعي وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع. فاللغة الموحدة تسهم في تقوية الروابط الثقافية والاجتماعية وتدعم الشعور بالمصير المشترك.
### 4- دعم الإبداع الثقافي
الأدب والفنون والإعلام والمعرفة الإنسانية جميعها تعتمد على اللغة بوصفها أداة للتعبير والإبداع. وكلما كانت اللغة حية ومتطورة ازدادت قدرتها على إنتاج أشكال جديدة من الثقافة والفكر.
## رابعًا: تحديات اللغة العربية في عصر التحضر الرقمي
رغم ما تمتلكه العربية من رصيد حضاري هائل، فإنها تواجه عدة تحديات معاصرة، من أبرزها:
1. **هيمنة اللغات الأجنبية** في كثير من مجالات التعليم والبحث العلمي.
2. **ضعف المحتوى الرقمي العربي** مقارنة بالمحتوى المتوافر بلغات عالمية أخرى.
3. **تراجع مهارات الكتابة والقراءة بالفصحى** لدى بعض الأجيال الجديدة.
4. **اتساع الفجوة بين الفصحى والعاميات** في بعض البيئات الثقافية.
5. **الحاجة إلى مزيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية** بما يواكب التطورات التقنية الحديثة. وقد أكدت الدراسات الحديثة في مجال المعالجة الآلية للغات أن تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالعربية يمثل ضرورة استراتيجية لمستقبلها الرقمي.
—## خامسًا: آفاق تمكين العربية حضاريًا
إن تمكين اللغة العربية حضاريًا يتطلب رؤية شاملة تقوم على:
* تطوير مناهج تعليم اللغة العربية وربطها بمهارات التفكير والإبداع.
* توسيع حركة الترجمة والتعريب في العلوم والتقنيات الحديثة.
* دعم المحتوى الرقمي العربي وإثراؤه معرفيًا.
* تشجيع البحث العلمي باللغة العربية إلى جانب الانفتاح على اللغات العالمية.
* الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية العربية.
* تعزيز حضور العربية في الإعلام والثقافة والفضاءات الرقمية.
* دعم المبادرات الدولية التي تبرز دور العربية في الحوار بين الحضارات والتنوع الثقافي.
—## خاتمة
إن اللغة العربية ليست مجرد تراث ماضٍ نفتخر به، بل مشروع مستقبل ينبغي أن نستثمر فيه. فالتحضر الحقيقي لا يعني الذوبان في الآخر أو التخلي عن مقومات الهوية، وإنما يعني امتلاك أدوات العصر مع الحفاظ على الذات الثقافية. ومن ثم فإن تمكين اللغة العربية هو في جوهره تمكين حضاري للأمة بأسرها؛ لأنه يربط بين الهوية والمعرفة والتنمية والإبداع. وإذا كانت الحضارات تُبنى بالإنسان، فإن الإنسان يُبنى باللغة التي يفكر بها ويعبر من خلالها عن رؤيته للعالم. ولذلك ستظل العربية، متى أُحسن توظيفها وتطويرها، إحدى أهم أدوات النهضة الحضارية في الحاضر والمستقبل.
—
## المراجع
1. UNESCO، برنامج دعم اللغة العربية، 2025. ([اليونسكو]
. اليونسكو، “اللغة العربية والتواصل الحضاري”، 2021. ([اليونسكو]
3. اليونسكو، “اللغة العربية على طرق الحرير”.
4. اليونسكو، “اللغة العربية ما وراء الموروث”، 2022. ([اليونسكو]
5. وزارة الأوقاف المصرية، “اليوم العالمي للغة العربية: اللغة العربية مسار حضاري ووعاء معرفي”. ([المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف]
6. وزارة الأوقاف المصرية، “نشأة اللغة العربية وتطورها من الأصول السامية إلى لغة التنزيل”. ([المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف]
7. Belinkov, Y. et al. *Studying the History of the Arabic Language*, 2018. ([arXiv][8])
8. Guellil, I. et al. *Arabic Natural Language Processing: An Overview*, 2019. ([arXiv][5])
9. Belinkov, Y. et al. *Shamela: A Large-Scale Historical Arabic Corpus*, 2016. ([arXiv][9]).
*******************
القراءة:
إنّ المتأمّل في مقال الأستاذ يسري عبد الغني يجد نفسه أمام بناءٍ فكريّ رصين، يُحسنُ صاحبهُ اختيارَ المدخلِ لموضوعِهِ، ويُحكِمُ ترتيبَ حُجَجِه، ويُجيدُ صياغةَ خاتمتِه، بحيثُ يخرجُ القارئُ من مطالعتِه وقد تبلورَتْ في ذهنِهِ رؤيةٌ متكاملةٌ عن مكانةِ اللغةِ العربيّةِ في مشروعِ النهضةِ الحضاريّةِ المُعاصرة. غيرَ أنّ القراءةَ المُعمّقةَ لمثلِ هذا النصّ النظريّ، الذي يستشرفُ آفاقَ المستقبلِ من رَحِمِ الماضي، تَفرضُ على المُنصِفِ أن يُبصِرَ ما في ثناياهُ من عَبقريّةِ الطرحِ، وأنْ يُنصِتَ لِمَا بينَ سُطورِهِ من دلالاتٍ، وأنْ يَتَوقّفَ عندَ ما يَحتاجُ إلى مَزيدِ تأمّلٍ واستيفاءٍ، لا من بابِ النقدِ الهَدّام، بل من بابِ الاشتغالِ الفكريِّ الذي يَصقلُ الأفكارَ ويُعمّقُ الرؤى، ويَجعَلُ من أيّ عملٍ علميٍّ بَذرةً صالحةً للحوارِ والإثراء.
لعلّ أوّلَ ما يَلفِتُ الناظرَ في هذا المقالِ هو ذلكَ التمهيدُ البليغُ الذي يَفتتحُ به كاتبهُ مقالَهُ، حيثُ يُقرّرُ في إيجازٍ عبقريّ أنَّ اللغةَ ليست وسيلةً فحسب، بل هي “وعاءٌ للمعرفة، وحافظةٌ للهوية، وأداةٌ لإنتاجِ الفكرِ والثقافة”. وهذا التحديدُ الدقيقُ لطبيعةِ اللغةِ هو أصلُ المسألةِ وأساسُها، لأنّه يُخرِجُ اللغةَ من الإطارِ الآليِّ الضيّقِ الذي قد يَحصرُها في وظيفةِ التواصلِ المباشر، إلى الفضاءِ الرحبِ حيثُ تكونُ فاعلةً في تشكيلِ الوعي الجمعيّ، وصياغةِ الرؤى الكونيّة، وتخليقِ المعنى وإعادةِ إنتاجه. وعلى هذا النحو، يكونُ الأستاذُ قد ضربَ في مُستهلّ مقالِهِ على الوَتَرِ الحسّاسِ في قضيّةِ اللغةِ العربيّةِ المُعاصرة، وهو العلاقةُ الجدليّةُ بينَ اللغةِ والوجودِ الحضاريّ، تلكَ العلاقةُ التي يُخطئُ فيها الكثيرون حينَ يَظنّونَ أنّ اللغةَ مجرّدُ أداةٍ يمكنُ استبدالُها كما تُستبدلُ الأدواتُ التقنيّةُ، دونَ أنْ يَشعُروا بأنهم بذلكَ يَقتلعونَ جُذورَ الكيانِ الحضاريِّ من مَغارِسِه.
ثمّ يَمضي الكاتبُ في مبحثِه الأوّلِ عن “التحضر وعلاقتِه باللغة”، فيُقدّمُ رؤيةً مُوسّعةً لهذا المفهوم، لا تَقتصرُ على البُعدِ الماديِّ العُمرانيّ والتقنيّ، بل تتسعُ لتشملَ منظومةَ القيمِ والمؤسساتِ والقدراتِ الإنسانيّة. وهذه المقاربةُ الموسوعيّةُ للتحضرِ هي التي تَمنحُ اللغةَ مكانتَها الحقيقيّةَ في مُعادلةِ النهضة، لأنّ أيَّ تطوّرٍ تقنيٍّ أو عُمرانيّ، إنْ لم يُصاحِبْهُ تطوّرٌ في مَضامينِ الفكرِ وأدواتِ التعبيرِ وأُطرِ القيم، يَبقى تطوّراً ناقصاً، بل قد يَتحوّلُ إلى أداةٍ للاغترابِ والتفكّك. فالإنسانُ لا يَسكُنُ العُمرانَ بجسدهِ فقط، بل يَسكُنُهُ بعقلهِ وروحِه، وهذانِ لا يَجدانِ مَأوىً حقيقيّاً إلا في لغةٍ تُحسنُ التعبيرَ عنهما، وتَستوعبُ تعقيداتِهما، وتُفسِحُ لهما مجالاً للإبداعِ والتجديد. والمُطالِعُ لتاريخِ الحضاراتِ الكبرى، كما أشارَ الكاتبُ بذكاء، يَجدُ أنّ ازدهارَها ارتبطَ دوماً بلُغاتٍ قويّةٍ استطاعتْ أنْ تكونَ أوعيةً للعلومِ والفلسفاتِ والآداب، وأنّ أفولَها كانَ مقترناً بذبولِ لغاتِها أو تهميشِها، وكأنّ اللغةَ هي النبضُ الذي يَدلُّ على حياةِ الحضارةِ أو موتِها. وإنَّ ذِكرَ الكاتبِ للغةِ اليونانيّةِ واللاتينيّةِ والعربيّةِ في هذا السياقِ ليسَ مجرّدَ سردٍ تاريخيّ، بل هو استحضارٌ لدرسٍ بليغٍ مفادهُ أنّ اللغةَ ليست تابعةً للحضارةِ بقدرِ ما هي شريكةٌ في بنائها، بل هي في كثيرٍ من الأحيانِ الرحمُ الذي تَنبثقُ منه، والنافذةُ التي تَطلُّ على العالمِ من خلالِه.
أمّا المبحثُ الثاني، حولَ “الدورِ التاريخيِّ للغةِ العربيّةِ في البناءِ الحضاريّ”، فيُمثّلُ قمّةَ المقالِ في توثيقِ البُعدِ التأريخيّ للقضيّة. يَستعرضُ الكاتبُ العصرَ الذهبيَّ للحضارةِ الإسلاميّة، حيثُ غدَتِ العربيّةُ لغةَ العلمِ والإدارةِ والفلسفةِ والطبِّ والرياضياتِ والفلك، ولم تَقفْ عندَ حدِّ النقلِ والترجمة، بل تجاوزتْهُ إلى الإبداعِ والإنتاجِ المعرفيّ. وهذه النقطةُ في غايةِ الأهميّة، لأنّها تُفنِدُ أسطورةً شائعةً تُردِّدُ أنّ اللغةَ العربيّةَ كانتْ لغةَ نقلٍ فحسب، وأنّ إنجازاتِها كانتْ مجرّدَ وساطةٍ بينَ الحضاراتِ السابقةِ واللاحقة. فالواقعُ التاريخيُّ يُشهِدُ بأنّ العلماءَ العربَ لم يَكتفوا بترجمةِ ما وُجِدَ عندَ غيرِهم، بل أضافوا إضافاتٍ جوهريةً في جميعِ الميادين، وأسّسوا مدارسَ فكريّةً ومناهجَ بحثيّةً كانَ لها الأثرُ العميقُ في تشكيلِ العقلِ الأوروبيِّ الحديث. كما أنَّ الإشارةَ إلى دورِ العربيّةِ في “التواصلِ الحضاريِّ بينَ الشعوبِ المختلفة”، وتحوّلها إلى “لغةٍ مشتركةٍ للعلمِ والتجارةِ والثقافةِ في مناطقَ واسعةٍ من آسيا وإفريقيا وأوروبا”، تُذكِّرُنا بأنّ اللغةَ العربيّةَ كانتْ في يومٍ من الأيامِ لغةَ عالميّةٍ بامتياز، وأنّ عودتَها إلى تلكَ المكانةِ ليستْ حلماً بعيدَ المنال، بل هي مشروعٌ ممكنٌ إذا توفّرتْ له العزائمُ والإراداتُ والاستراتيجيّاتُ الصحيحة. وإنَّ الاستشهادَ بمنظّمةِ اليونسكو في هذا السياقِ يُضفي على الطرحِ صبغةً موضوعيّةً، ويُذكّرُ بأنّ الاعترافَ بالقيمةِ الحضاريّةِ للعربيّةِ ليسَ مجرّدَ انحيازٍ عاطفيّ، بل هو حقيقةٌ مُثبتةٌ في أروقةِ المؤسّساتِ الدوليّةِ المُختصّة.
وحينَ يَنتقلُ الكاتبُ إلى المبحثِ الثالثِ عن “اللغةِ العربيّةِ والتمكينِ الحضاريّ”، نَجِدُهُ يُقدّمُ واحدةً من أنضجِ الرؤى في المقال، حيثُ يُحدّدُ أربعَ وظائفَ جوهريّةٍ تؤدّيها اللغةُ في هذا السياق: تعزيزُ الهويّةِ والانتماء، وإنتاجُ المعرفةِ ونقلُها، وتحقيقُ التماسكِ المجتمعيّ، ودعمُ الإبداعِ الثقافيّ. وهذه الوظائفُ الأربعُ تُشكّلُ معاً إطاراً متكاملاً لفهمِ كيفيّةِ اشتغالِ اللغةِ كعاملِ تمكينٍ في المجتمعِ المعاصر. وتَبرزُ هنا عبقريّةُ الصياغةِ حينَ يَربطُ الكاتبُ بينَ الهويّةِ والمعرفةِ والتماسكِ والإبداع، وكأنّه يَرسمُ خريطةً للمراحلِ التي تَمرُّ بها الأممُ في رحلتِها النهضويّة: تبدأُ بتعزيزِ الهويّةِ وحمايةِ الذاتِ من الذوبان، ثمّ تَنتقلُ إلى إنتاجِ المعرفةِ ونقلِها لبناءِ اقتصادِ المعرفة، ثمّ تَضْمُرُ إلى تحقيقِ التماسكِ المجتمعيِّ الذي يَحمي المجتمعَ من التصدّع، وأخيراً تَنفتحُ على الإبداعِ الثقافيِّ الذي هو أسمى مراتبِ التعبيرِ عن حيويّةِ الأمّةِ وخصوبتِها. ويَصِحُّ هنا القولُ بأنّ الكاتبَ قد أَلمّ بلُبابِ المسألة، وأحسنَ في ترتيبِ أولويّاتِها، وجَعَلَ من اللغةِ محوراً جامعاً لكلِّ هذه الأبعاد، ممّا يَجعَلُ مقالَهُ أشبهَ بخريطةِ طريقٍ لأيِّ مشروعٍ نهضويّ يُعنى باللغةِ العربيّة.
أمّا المبحثُ الرابعُ، الذي يتناولُ “تحدياتِ اللغةِ العربيّةِ في عصرِ التحضرِ الرقميّ”، فيُمثّلُ انتقالاً نوعيّاً من التأصيلِ النظريِّ إلى المعالجةِ الواقعيّةِ المُعاصرة. لا يُغفلُ الكاتبُ التحدياتِ الجسامَ التي تواجهُ العربيّةَ اليوم، وخاصةً فيما يتعلّقُ بضعفِ المحتوى الرقميّ، وهيمنةِ اللغاتِ الأجنبيّة، وتراجعِ مهاراتِ الفصحى، والفجوةِ بينَ الفصحى والعاميّات، والحاجةِ إلى تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيّ. وهذه التحدياتُ ليستْ مجرّدَ عوائقَ عابرة، بل هي قضايا استراتيجيّةٌ تَهدّدُ مستقبلَ اللغةِ في عصرِ الرقمنةِ والمعرفةِ المفتوحة. ومن المهمِّ هنا التنويهُ بأنّ الكاتبَ لم يَقتصرْ على سردِ هذه التحديات، بل أشارَ إلى الحلولِ الممكنةِ في المبحثِ الخامس، ممّا يُضفي على المقالِ طابعاً عمليّاً وتطبيقيّاً، لا يَكتفي بالتشخيصِ والتحليل، بل يَمضي إلى طرحِ رؤيةٍ مستقبليّةٍ قابلةٍ للتنفيذ. ولا يَخفى ما في ذِكرِ الذكاءِ الاصطناعيِّ ومعالجةِ اللغةِ العربيّةِ من بُعدٍ رؤيويٍّ متقدّمٍ، يُدركُ أنّ مستقبلَ اللغةِ لنْ يَكونَ فقط في الحفاظِ على تراثِها، بل في قدرَتِها على التواجُدِ في الفضاءاتِ الرقميّةِ الجديدة، والتفاعلِ مع التقنياتِ الحديثة، وأنّ هذا التفاعلَ ليسَ ترفاً فكريّاً، بل هو ضرورةٌ وجوديّةٌ تَفرضُها طبيعةُ العصر. فاللغةُ التي لا تَجدُ لها مكاناً في الخوارزميّاتِ والتطبيقاتِ الذكيّةِ والبياناتِ الضخمة، ستَكونُ مَعرّضةً للتهميشِ والاندثار، مهما كانَ تاريخُها عريقاً وماضيها زاخراً.
ولا يفوتُ القارئَ اللبيبَ أن يُلاحظَ التوثيقَ العلميَّ المُتقنَ الذي صاحَبَ المقال، عبرَ الإحالاتِ إلى منشوراتِ اليونسكو ووزارةِ الأوقافِ المصريّةِ والأبحاثِ الأكاديميّةِ المُحكمة، ممّا يُعطي المقالَ مَصداقيّةً أكاديميّةً ويُبعِدُهُ عنِ الاجترارِ الإنشائيِّ أوِ الخطابيِّ المجرّد. وكأنّ الكاتبَ يَقولُ لنا: إنَّ ما أطرحُهُ ليسَ مجرّدَ آراءٍ شخصيّةٍ أو انطباعاتٍ عاطفيّة، بل هو نتيجةُ اطّلاعٍ على ما كَتَبَهُ الخبراءُ والباحثونَ والمؤسّساتُ الدوليّةُ في هذا الشأن. وهذه الروحُ الأكاديميّةُ تَجعَلُ من المقالِ مرجعاً يُعتدُّ به، وليسَ مجرّدَ مقالٍ افتتاحيٍّ يُقرَأُ ويُنسى. كما أنّ التنويعَ في المصادرِ بينَ المؤسّساتِ الدوليّةِ والوطنيّةِ والأبحاثِ المُتخصّصةِ يُثري المقالَ ويُعطيهِ بُعداً مُتعدّدَ الأوجه.
ومعَ كلِّ ما تقدّمَ من إشادةٍ بمتانةِ الطرحِ ووضوحِ الرؤيةِ وعمقِ التحليل، فإنَّ الإنصافَ يقتضي أنْ نَتَوقّفَ عندَ بعضِ النقاطِ التي كانَ من الممكنِ توسيعُها أو تعميقُها، ليسَ انتقاصاً من قيمةِ المقال، بل إثراءً للحوارِ وتطويراً للفكرة. فمثلاً، قد يكونُ من المُفيدِ أنْ يُخصّصَ الكاتبُ مبحثاً مُستقلاًّ للحديثِ عن “تجاربِ الأممِ الأخرى في تمكينِ لغاتِها الوطنيّةِ في عصرِ العولمة”، كالتجربةِ الصينيّةِ أو اليابانيّةِ أو الألمانيّة، فهذه الأممُ استطاعتْ أن تُحقّقَ نهضاتٍ علميّةً وتقنيّةً هائلةً مع الحفاظِ على لغاتِها الوطنيّةِ واستخدامِها في أعلى مستوياتِ التعليمِ والبحثِ العلميّ. ومثلُ هذا الاستئناسِ بالتجاربِ المُقارنةِ كانَ سيُعزّزُ الجانبَ العمليَّ في المقال، ويُقدّمُ نماذجَ تطبيقيّةً يُمكنُ الاقتداءُ بها، ويُبعدُ الطرحَ عن النظريّةِ المجرّدةِ إلى أرضِ الواقعِ المُعاش. فالحديثُ عن التحدياتِ والحلولِ يَزدادُ قوّةً عندما يُسندُ بشواهدَ تاريخيّةٍ مُعاصرةٍ تَثبتُ أنّ النهضةَ باللغةِ الوطنيّةِ ليستْ ضرباً منَ الخيالِ أو أسطورةً من أساطيرِ الماضي، بل هي حقيقةٌ مُعاشةٌ في أكثرِ من مُجتمع.
كذلك، كانَ بإمكانِ الكاتبِ أنْ يُولِيَ اهتماماً أكبرَ لمسألةِ “العاميّةِ والفصحى”، فهي من أخطرِ القضايا التي تواجهُ اللغةَ العربيّةَ اليوم، وتَحتاجُ إلى معالجةٍ أعمقَ من مجرّدِ الإشارةِ إليها في عِدادِ التحديات. فالفجوةُ بينَ الفصحى والعاميّاتِ ليستْ مجرّدَ ظاهرةٍ لغويّةٍ طبيعيّة، بل هي قضيّةٌ تربويّةٌ وثقافيّةٌ وسياسيّةٌ أيضاً، لها امتداداتٌ في مناهجِ التعليمِ ووسائلِ الإعلامِ والإنتاجِ الثقافيّ. فهل المطلوبُ هو فرضُ الفصحى على حسابِ العاميّات، أم التوفيقُ بينهما في إطارٍ من التكاملِ الوظيفيّ؟ وهل يُمكنُ للعربيّةِ الفصحى أنْ تَستوعبَ بعضَ مفرداتِ العاميّاتِ وأساليبِها لتَزدادَ حيويّةً وقُرباً من الناس، أم أنّ ذلكَ سيُؤدّي إلى إضعافِها وذوبانِها؟ هذه الأسئلةُ وغيرُها تَستحقُّ مزيداً من التمحيصِ والبحث، لأنّ الإجابةَ عنها ستُحدّدُ إلى حدٍّ كبيرٍ مستقبلَ اللغةِ في المجتمعاتِ العربيّة، ومدى نجاحِ أيِّ مشروعٍ لتمكينِها حضاريّاً.
ويُمكنُ أنْ نُضيفَ هنا مُلاحظةً حولَ غيابِ البُعدِ الاقتصاديِّ للغةِ العربيّةِ في المقال. فاللغةُ ليستْ مجرّدَ أداةٍ ثقافيّةٍ أو هويّةٍ فحسب، بل هي أيضاً سلعةٌ اقتصاديّةٌ لها قيمةٌ سوقيّةٌ وتأثيرٌ في الناتجِ القوميّ. ففي عصرِ اقتصادِ المعرفةِ والعولمةِ الرقميّة، تُصبِحُ اللغةُ عاملاً من عواملِ الإنتاجِ والتنافسِ الدوليّ. فالبلدانُ التي تمتلكُ لغاتٍ قويّةً ومنتَجةً تكونُ أكثرَ قدرةً على جذبِ الاستثماراتِ وتصديرِ الخدماتِ المعرفيّةِ والثقافيّة. وإنَّ إغفالَ هذا البُعدِ في مقالٍ يتحدّثُ عن التمكينِ الحضاريِّ للغةِ العربيّةِ يُعدُّ فجوةً مَلحوظة، كانَ يُمكنُ سَدُّها بالإشارةِ إلى دورِ اللغةِ في صناعةِ المحتوى، وصناعةِ البرمجيّات، والتجارةِ الإلكترونيّة، والترجمةِ التحريريّةِ والسمعيّة، وغيرِها من المجالاتِ التي تُولّدُ قيمةً اقتصاديّةً مُباشرةً وتُسهمُ في الناتجِ القوميّ. فالتنميةُ اللغويّةُ ليستْ قضيّةً ثقافيّةً فحسب، بل هي أيضاً استثمارٌ اقتصاديٌّ طويلُ الأمد، وحجرُ زاويةٍ في أيِّ اقتصادِ معرفةٍ عصريّ.
كما أنَّ المقالَ كانَ بالإمكانِ أنْ يَتَطرّقَ بشكلٍ أكثرَ تفصيلاً إلى “دورِ المؤسّساتِ التعليميّةِ والإعلاميّةِ في تمكينِ اللغةِ العربيّةِ”، فهاتانِ المؤسّستانِ هما الأكثرُ تأثيراً في تشكيلِ الوعيِ اللغويِّ للأفرادِ والمجتمعات. فالمناهجُ التعليميّةُ، إذا لم تُراعِ المهاراتِ اللغويّةَ التواصليّةَ والإبداعيّةَ، ستُخَرِّجُ أجيالاً تَقرأُ وتَكتبُ دونَ أنْ تَتَقَنَّ استخدامَ اللغةِ في مواقفَ حياتيّةٍ مُتنوّعة، وهذا هو الواقعُ المُريرُ الذي نُعانيهِ في كثيرٍ من البلادِ العربيّة. والإعلامُ، إذا لم يُولِ اللغةَ العربيّةَ الفصحى عنايةً خاصّةً في برامجِه ونشراتِه ومُحتواهُ الرقميّ، سيُسهمُ في تهميشِها وتَرسيخِ هيمنةِ العاميّاتِ واللغاتِ الأجنبيّة. وهذه النقطةُ تَحتاجُ إلى توسيعٍ وتفصيل، لأنّها جوهرُ أيِّ استراتيجيّةٍ لتمكينِ اللغةِ في المجتمعِ المُعاصر.
ومعَ كلِّ هذهِ المُلاحظاتِ البنّاءة، التي تَهدفُ إلى تطويرِ الفكرةِ وليسَ نقدَ الكاتب، فإنّنا نُؤكّدُ على أنّ مقالَ الأستاذِ يسري عبد الغني يَبقى عملاً فكريّاً رفيعاً، ومُساهمةً نوعيّةً في حقلِ الدراساتِ اللغويّةِ الحضاريّة. فهو يُحسِنُ تشخيصَ الداء، ويُقدّمُ وصفةً مُتكاملةً للدواء، ويَصوغُ رؤيتَهُ بلغةٍ أدبيّةٍ بليغةٍ تَليقُ بموضوعِها، وتَمنحُ القارئَ متعةً فكريّةً وجمالاً بيانيّاً في آنٍ معاً. والخاتمةُ التي اختتمَ بها مقالَهُ، حيثُ قالَ: “إذا كانت الحضاراتُ تُبنى بالإنسان، فإنّ الإنسانَ يُبنى باللغةِ التي يُفكّرُ بها ويُعَبِّرُ من خلالِها عن رؤيتِه للعالم”، هي خاتمةٌ تُلخِّصُ جوهرَ الرسالةِ في عبارةٍ موجزةٍ بليغة، وتَجعَلُ القارئَ يُدرِكُ عمقَ الصلةِ بينَ اللغةِ والوجودِ الإنسانيّ. ولعلَّ هذهِ الجُملةَ وحدَها كافيةٌ لأنْ تُجيبَ عن كلِّ التساؤلاتِ التي قدْ تَثورُ حولَ أهميّةِ اللغةِ العربيّةِ في عصرِ العولمةِ والرقمنة: الإنسانُ هو غايةُ التحضرِ ووسيلتُه، واللغةُ هي أداةُ الإنسانِ في التفكيرِ والتعبيرِ والإبداع، فمتى أُحسِنَ استخدامُها كانتْ مفتاحاً للنهضة، ومتى أُهمِلَتْ كانتْ باباً للتخلّفِ والتبعيّة.
ولعلّ أجملَ ما في هذا المقالِ أنّه يَزرعُ في نفوسِ قرّائِهِ بذرةَ الأملِ والثقةِ بمستقبلِ اللغةِ العربيّة، رغمَ كلِّ التحدياتِ التي تواجهُها. فهو لا يَكتفي باستعراضِ الماضي المجيدِ ولا بالتوجّعِ من الحاضرِ المُرّ، بل يَمضي قُدُماً نحوَ المستقبلِ برؤيةٍ واضحةٍ وأهدافٍ محدّدة، يدعو فيها إلى تطويرِ المناهجِ، وتوسيعِ الترجمةِ، ودعمِ المحتوى الرقميّ، والاستثمارِ في الذكاءِ الاصطناعيّ، وتَعزيزِ حضورِ العربيّةِ في الإعلامِ والثقافة. وهذه الدعوةُ، وإنْ بدَتْ طموحةً، فهي ليستْ مستحيلةً إذا توفّرَتِ الإرادةُ السياسيّةُ والمواردُ الماديّةُ والكفاءاتُ البشريّةُ اللازمةُ لتحقيقِها. فاللغةُ العربيّةُ، بتاريخِها العريقِ وثرائِها اللغويّ ومرونتِها الصرفيّةِ والنحويّة، تمتلكُ من الإمكاناتِ ما يُؤهِّلُها لأنْ تكونَ لغةً عصريّةً بامتياز، قادرةً على استيعابِ كلِّ مُستجدّاتِ العصرِ والتعبيرِ عن كلِّ دقائقِ المعرفةِ الإنسانيّة.
وفي الختام، نُكرّرُ الإشادةَ بهذا الجهدِ الفكريِّ المُميّز، ونُقدّرُ للكاتبِ جرأتِه في الخوضِ في قضيّةٍ مصيريّةٍ للأمّةِ العربيّة، ونُثمّنُ قدرتَه على صياغةِ رؤيةٍ متكاملةٍ تجمعُ بينَ التأصيلِ التاريخيِّ والواقعيّةِ المُعاصرةِ والاستشرافِ المستقبليّ. ونأملُ أنْ يَجدَ هذا المقالُ ما يستحقُّه من انتشارٍ وتداولٍ ونقاشٍ، وأنْ يُلهمَ الباحثينَ والمهتمّينَ لتقديمِ مزيدٍ من الدراساتِ والأبحاثِ التي تُعمّقُ النظرَ في قضايا اللغةِ العربيّة، وتَفتحُ آفاقاً جديدةً لتمكينِها في عصرِ المعرفةِ والرقمنة. وإنَّ ما كَتَبْناهُ هنا من مُلاحظاتٍ وتعقيباتٍ، إنّما هو مِن بابِ الوفاءِ للفكرةِ التي أثارَها الكاتبُ، ورَغبةٍ في أنْ تَبقى هذه القضيّةُ مَطروحةً على مائدةِ النقاشِ العامّ، لأنّ مستقبلَ اللغةِ العربيّةِ هو مستقبلُ الأمةِ العربيّةِ بِرُمّتِها، ولا غِنى لأمّةٍ عن لُغَتِها كما لا غِنى للجسدِ عن رُوحِه.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
24/06/2026






