
المرأة من الموضوع إلى الذات ومن الوجداني إلى الوجودي وحين حدثتها للشاعر كمال الدريدي|جليلة المازني ناقدة تونسية
قراءة نقدية: “المرأة من الموضوع الى الذات ومن الوجداني الى الوجودي”
(الشاعر يخلع جلباب السائد ويرتدي رداء جديدا)
القصيدة : مطلع القصيدة: “وحين حدثتها..”
الشاعر التونسي : كمال الدريدي
الناقدة التونسية : جليلة المازني
القراءة النقدية: “المرأة من الموضوع الى الذات ومن الوجداني الى الوجودي”:
ان الشاعر كمال الدريدي لم يسند عنوانا لقصيدته وقد يكون ذلك ايمانا منه بعدم حصر تأويل القارئ في زاوية نظر معينة باعتبار ان العنوان هو محتوى مصغّر لمتن القصيدة
والشاعر اعتمادا على نظرية التلقي الحديثة لياوس و لآيزر جعل قصيدته بلا عنوان ليمنح القارئ حقه في ممارسة التأويل.
وفي هذا الاطار استهل الشاعر قصيدته بمقطع غزلي يقول فيه:
وحين حدثتها بالذي أهمّني
وقلتُ انّ بي صبابةً
وأنّ الشوقَ لا محالة قاتلِي
إهتزّ القلب خفقًا
ومن ثِقَلِ الوجد صار مائلا
وناحت من حزني الحمائم
. وبلّلتْ بالدمع أوراق الخمائلِ
من خلال هذا المقطع يبوح الشاعر الى هذه المخاطبة بمشاعره التي توزعت بين الصبابة والشوق والوجد لتتحول هذه المشاعر الى حزن وبكاء بدموع غزيرة.
ان الشاعر كان جريئا بإقدامه على التحدث معها للبوح بمشاعره المزدوجة بين الوجد والحزن.
ولئن كان الوجد يشي بالوجداني فالحزن يشي بالوجودي.
وبالتالي فالشاعر بين الوجداني والوجودي يعيش صراعا في انتظار ردها ومدى استجابتها اليه.
والقارئ مع هذا الحبيب ينتظر ردّ الحبيبة .
وبالتالي فان القارئ بفضوله المعهود قد يمارس حقه في التأويل متسائلا:
– هل ان هذه الحبيبة ستستجيب لبوح الحبيب والصبابة تنهشه والشوق يهزّ قلبه والوجد يثقل كيانه والحزن يستبدّ به والبكاء يغمره؟
– هل ان هذه الحبيبة ستهتمّ لمشاعر الحب لهذا الحبيب الذي يبدو متيّما بعشقها؟
وفي هذا الاطار يتحوّل الشاعر (الحبيب) الى الجانب الآخر من هذه المرأة فيقول:
ايا صاحبة البعد كفّي..
ولا تزيدي
فماعاد العقلُ يَعقلُ
ولا الفؤاد عارفا بالسّبلِ
لك عقل مجيبٌ مذهل
لكل سؤال حقٌّ وفيصلُ
ضاع فيك عقلي فهو حابسٌ
معقولّ كما تُعقلُ الإبلِ .
يتوجه الحبيب الى هذه الحبيبة بخطاب مختلف عن المقطع الأول وكأني بالشاعر قد جعل من المقطع الأول يتعلق بما يصطلح عليه عند الشعراء القدامى ب”النسيب” الذي يسبق المدح .
والممدوحة هي نفسها الحبيبة التي باح لها بصبابته وشوقه ووجده وحزنه.
كأني به يستجدي كرمها الإنساني بمدحها.
ان الشاعر الحبيب يترفع عن الوجداني ليمتدح العقلاني والفكري.
باستخدام أسلوب انزياحي تركيبي قائم على النداء(أيا صاحبة البعد..) وأسلوب انزياحي دلالي قائم على الكناية فكنّى عنها بصاحبة البعد وكأن البعد يتماهى مع اسمها ويتحدان معا ولا مجال للقرب معها.
ان الشاعر أمام استحالة القرب وباستخدام أسلوب انزياحي تركيبي قائم على الامر والنهي(كفي/ لا تزيدي) يلتمس لديها الرحمة ليتحول البعد قرْبا لأن عقلها قد سلبه عقله.
وفي هذا الاطار فان الشاعر قد لعب على المعجمية من مادة ع-ق-ل العقل يعقل/ لها عقل مجيب ومذهل/ ضاع فيك عقلي/ معقول كما تُعقل الابل).
ان هذه المرأة عاقلة وهو المعقول .انها عقلتْ عقله..انها الفاعلة وهو المفعول به…انها الهازمة وهو المهزوم ..انها المنتصرة وهو المنتصر عليه..
انه يعترف بانه انهزم امام رجاحة عقلها (عقل مجيب ومذهل/ لكل سؤال حق وفيصل ).
ان عقلها أذهله وأدهشه الى درجة ان عقله لا يعقله ولا يكبح مدى اعجابه بعقلها.
وهنا قد يتدخل القارئ مندهشا من ناحية ليخلع عن الشاعر جبة الشاعر التقليدي الذي يتغزّل بجسد المرأة ليلبسه رداء الشاعر المفكر ومتسائلا من ناحية اخرى:
– هل ان الشاعر قد شذّ في تغزله بالحبيبة عن بقية شعراء الغزل؟
– هل ان الشاعر يرى في هذه المرأة الحبيبة مالم يره بقية الشعراء (العقل المذهل)؟
– هل ان الشاعر يُمجّد الحبيبة التي عقلتْ عقله ويمتدحها كانسان وكوجود؟
– هل ان هذا الحب هو ما يصطلح عليه بالحب الوجودي للمرأة من طرف الرجل؟
– هل ان الشاعر الحبيب يتحول من شاعر وجداني الى مفكر وجودي؟
لعل القارئ هنا يستحضر ما قاله النقاد في الحب الوجودي لدعم صفة المفكر على الشاعر الذي خلع جبة القديم السائد لينظّر للجديد في الحب:
فالحب الوجودي للرجل حسب بعض النقاد هو “ارتباط يتجاوز المشاعر العابرة ليصبح فيه وجود المرأة ملازما لمعنى الحياة نفسها.. يرى الرجل في حبيبته مرآة تعكس ذاته ويسعى معها لتحقيق الكمال الإنساني والنفسي مما يجعلها امتدادا لوجوده ووطنا يلجأ اليه..”
*المظاهر العميقة للحب الوجودي:
– الاندماج النفسي: يتجاوز الاعجاب بالشكل وبالجسد الى التقاء العقول حيث يجد الرجل في المرأة راحته المطلوبة واكتماله الفكري والعاطفي معها.
– الأولوية المطلقة: تصبح المرأة المحور الأساسي في تخطيطه لمستقبله واحلامه.
– الأمان والاستقرار: يمثل هذا الحب الوجودي ترياقا للقلق والضغوط فهو يعود اليها لتهدأ نفسه وتطمئن روحه.(الجزيرة نت) .
وفي هذا الاطار هل ان الشاعرباعتباره مفكرا يتقاطع مع الحب الوجودي الذي نادت به المفكرة الفيلسوفة سيمون دي بوفوار؟
ان في فلسفة سيمون دي بوفوار الوجودية وخاصة في كتابها الشهير “الجنس الآخر” المبادئ التالية:
* المبادئ التي يقوم عليها الحب الوجودي عند سيمون دي بوفوار:
– رفض الحب التبعي: تنتقد دي بوفوار الاعتقاد التقليدي الذي يجعل الرجل هو “الذات ” الأساسية والمرأة مجرد “موضوع” تابع حيث تحصر المرأة نفسها في دائرة التبعية العاطفية وتنتظر خلاصها من الرجل.
– اللقاء بين كائنين حُرّيْن: تؤمن بان الحب الوجودي يجب ان يكون احتفالا بالحرية فالعلاقة السليمة هي التقاء” ذات ” حرة “بذات” حرة أخرى مما يمنح الحبيبين القدرة على تجاوز ذواتهم نحو العالم.
– نقد الحب الشغوف او العاطفي (المرأة العاشقة) تحذر سيمون من الحب المفرط الذي يُلغي ذات المرأة وحياتها لتتمحور حول الرجل .
وتعتبر ان هذا النوع من الحب “غير أصيل” لأنه يحول المرأة الى كائن سلبي يعتمد وجوده على الآخر.
– المشروع الإنساني المشترك: ترى أن الحب يجب أن يكون دافعا للابداع والتطور ويتعاون الرجل والمرأة في مشاريع وجودية تخدم حرية كل منهما بدلا من أن يسيطر أحدهما على الاخر.
ولعل دي بوفوار تدعم رأي المحلل النفسي “فرويد” في ان الشعوب العربية لن تتطور لان مشكلتها الجنس.
وفي هذا الاطار من تقاطع الشاعر كمال الدريدي مع الحب الوجودي البوفواري يقف القارئ على ان الشاعر كمال الدريدي باعتباره مفكرا:
+ ينفي ان تكون هذه المرأة عاشقة لتتحول الى كائن سلبي يعتمد وجوده على الاخر فخاطبها بلغة العقل واضعا امامها فرضيتين ولغة العقل والفرضيات تدعم ارتقاءه من مجرد الشاعر الى المفكر والمنظّر:
– فرضية القبول به :” فان شئت فاقبلي..”
– فرضية الرفض: “وان أبيت فاقتلي..
+ يرفض الحب التبعي حين يُخيّرها بين أمرين وفي الاختيار حرية بين القبول والرفض.
+ حرية كل ذات منهما:
وكل فرضية تقتضي مشروعا إنسانيا :
-ان هي قبلت فالقلب سَكنُها ومسكنها
– ان هي رفضت فهو يحمّلها مسؤولية قتله بسبب الهجر والفراق وهو أعزل.
وهي في المقابل ترتع حرّة وقد كنىّ عنها ب “ريم” كناية عن جمالها ورشاقتها وحقها ان تعيش حرّة سعيدة فيقول:
ماطيب الحياة وانت
بالصحراء ريمٌ طيفك يرتع
كلما قفزت اهتزّ الفؤاد هزًّا
فهو موجعي
باللهِ
ارحمي قلبا بلا عتاد
دونك ياريمُ واقفا
أعزلِ
وبالتالي فالحب الوجودي حرية ومسؤولية وهي ثنائية يدعمها الشاعر كمال الدريدي باعتباره مفكرا.
ولعل الشاعر أيضا يلتقي مع المفكرة نوال السعداوي التي ترى أن الحب الحقيقي الوجودي:
– مرتبط بالحرية ووثيق الارتباط بين تحرر الذات الإنسانية والقدرة على منح العطاء الخالص .
– لا يمكن للحب الحقيقي ان ينشأ في ظل الخوف أو القمع
– يزدهر في بيئة يسودها التحرر الفكري والاجتماعي.
– هو مشروع انساني يتطلب الوعي والنقاش والإرادة.
ولعل هذا التقاطع مع د. نوال السعداوي هوما جعل الشاعر الحبيب يتيح للحبيبة الحرية في اختيارها بين قبوله ورفضه وهو راض بذلك دون قمع لها (وهو أعزل) إيمانا منه بان هذا الحب الوجودي هو مشروع انساني يتطلب منهما وعيا ونقاشا وإرادة.
ان الشاعر كمال الدريدي قد طالعنا بثقافة في الغزل بالمرأة مختلفة وبعقلية متمردة عن السائد الذي يعتبر المرأة جسدا واذا به يرتقي من الحب الوجداني الجسدي الى الحب الوجودي المتغزل بعقلها والى المرأة الانسان.
ان تقاطع الشاعر مع المفكرة دي بوفوار والمفكرة نوال السعداوي قد جعله كمفكر يرتقي بالمرأة المهمشة بجسدها ليجعلها في مركز العقل والفكر.
ولدعم ذلك استخدم أسلوبا انزياحيا تركيبيا ودلاليا يتناغم وهذا الحب غير المألوف.
كما التجأ الشاعر الى استخدام البحر الكامل باعتباره من أكثر بحور الشعر مرونة حيث يوحي ايقاعه المتدفق بالحيوية والحماس والفخر.
انها حيوية الحبيب المفكرالذي خلع جلباب السائد وحماس الحبيب الواعي والمتمرد على الحب الجسدي التقليدي للمرأة وفخر الحبيب المفكر الذي يُمجّد عقل هذه المرأة “المجيب المذهل” والذي عقَل عقله وسلبه إياه.
ان تمجيد الشاعر لعقل المرأة هو ضمنيا تمجيد لتفكيره الذي قاده الى الترفع عن السائد المبتذل في التغزل بجسد المرأة الذي كان موضوع الغزل من الجاهلية الى عصر نزار قباني شاعر المرأة.
سلم قلم الشاعر كمال الدريدي الذي ارتقى بجمال المرأة نحو الجمال الفكري ومن الموضوع الى الذات وارتقى بنفسه من الشاعر الوجداني الى المفكر الوجودي..
بتاريخ 25/ 06/ 2026
================= القصيدة ======================
وحين حدثتها بالذي اهمّني
وقلتُ انّ بي صبابةً
وأنّ الشوقَ لا محالة قاتلِي
إهتزّ القلب خفقًا
ومن ثِقَلِ الوجد صار مائلًا
وناحت من حزني الحمائم
. وبلّلتْ بالدمع أوراق الخمائلِ
أيا صاحبة البعد كفّي…
ولا تزيدي
فماعاد العقلُ يَعقلُ
ولا الفؤاد عارفا بالسّبلِ
لك عقل مجيبٌ مذهل
لكل سؤال حقٌّ وفيصلِ
ضاع فيك عقلي فهو حابسٌ
معقولّ كما تُعقلُ الإبلِ
وزاد فى النفس لوعة
كلّما قليتُ ذكراك هام بالي
ودقّ باب الفؤادَ
طوارقُ الأملِ
فإن شئت أقْبِلي
فداك روحي واسلكي
مجرى العروق ولا تبخلي
بالقلب سكنُكِ فٱنزلي
هو لك مسكن من قبلُ ومنزلِ
وإن أبيْتِ فٱقتُلي
بالهجر شهيد الأطلال
لم يبرح ولم يزلِ
سقيم الهوى زاده الفراق
علّة فوق العللِ
ماطيب الحياة وانت
بالصحراء ريمٌ طيفك يرتع
كلما قفزت اهتزّ الفؤاد هزًّا
فهو موجعي
باللهِ
ارحمي قلبا بلا عتاد
دونك ياريمُ واقفا
أعزلَ







