
قراءة في القصة القصيرة جدًا شاشات للقاصة الهام عيسى|طه دخل الله عبد الرحمن ناقد فلسطيني
شاشات ق ق ج
===========
الهام عيسى
=========
اصطفت الجموع تطالع السماء،بعد ان جزر خطاب الشاشات،
فخبرة الناس بالفطرة وسوسة الشياطين.
****************
التعليق
طه عبد الرحمن
ها هو ذا النص الذي كتبته الأستاذة إلهام عيسى، وقد قام في سطور قليلة كأنه ومضة برق، فاختزل العالم في مشهد واحد، وكأنها قبضت على الحقيقة الهاربة بين ضجيج العصر وصمت السماء. إنها ق.ق.ج. لم تكتمل بالكلمات، بل اكتملت بالصمت الذي تركته في أعقابها، صمت يشبه ذهول الجموع وقد رفعت أبصارها إلى حيث لا شاشات تشوّه البديهة.
لقد أدهشتني عبارتها “خبرة الناس بالفطرة وسوسة الشياطين”، فهي مفتاح النص وذروة البلاغة فيه. إنها جملة تنهض على بديع الطباق الخفي؛ حيث تتقابل الفطرة النقية، تلك النجوى الإلهية في ضمير الإنسان، مع الوسوسة التي تتسلل من الشاشات كأنها هوام الليل. لم تقل الأديبة إن الشاشات سيئة، بل جعلتها مرادفًا لـ”وسوسة الشياطين” في مقابل “خبرة الناس بالفطرة”، وكأنها تعيد تعريف المعرفة: فالمعرفة الحق ما نبت في تربة الفطرة وسقته السماء، وما عدا ذلك ضجيج يفسد السلام الداخلي. وهذا عين البلاغة؛ أن تقول الشيء الكثير في كلمات قليلة، وأن تحفر في الذهن سؤالاً لا يمحى.
والنص ينهض على استعارة مكنية عظيمة: “جزر خطاب الشاشات”. إنه جزر بالمعنى الكوني، انحسار للماء الزائف، ولما انحسر الماء الزائف، لجأ الناس إلى السماء. إنها حركة درامية صامتة: الجموع كانت غارقة في طوفان الصور، ثم فجأة، حدث الانحسار، فعاد الإنسان إلى رشده، رافعًا رأسه إلى فوق حيث لا أكاذيب. إنه مشهد يشبه يوم القيامة في اختلاساته البصرية، حين تنكشف الغطاءات ويبصر الإنسان حقيقته. وهنا يتجلى سؤال النص العميق: هل كان هذا الجزر تحررًا أم حسرة على أفيون قديم؟
وقد بلغت الكاتبة ذروة الإيجاز حين جمعت بين الحسي والمعنوي في “تطالع السماء”. إن النظر إلى السماء هنا ليس مجرد فعل جسدي، بل هو استعارة عن تطلع الروح إلى الخلاص، بحثًا عن يقين لا توفره الشاشات، واستنجاد بفطرة ظلت مدفونة تحت ركام المؤثرات. ولعل “وسوسة الشياطين” في ختام النص هي القفلة اللافتة التي تهبط بالقارئ من علياء السماء إلى جحيم الصورة، ليبقى معلقًا بين المد والجزر، متسائلاً: أترانا نجونا من الوسوسة، أم أن السماء ذاتها صارت شاشة أخرى ننتظر منها خطابًا جديدًا؟
أيتها الأستاذة إلهام، لقد كتبتِ نصًا لا يُقرأ بالعينين فقط، بل يُسمع بالأذن التي تجيد الإنصات للصدى. نصك يذكرني بأن البلاغة ليست زخرفة، بل اقتصاد لغوي يفتح أبواب التأويل، ويجعل من القارئ شريكًا في الكتابة. إن نصك “شاشات” ليس قصة قصيرة جدًا فقط، بل هو فلسفة موجزة في طبيعة العصر، ومرثية صامتة للفطرة التي تصارع وسوسة الشياطين، في زمن صارت فيه الحقيقة أغرب من الخيال، وصار الجزر نجاة لا خسارة.







