
الجالية الجزائرية بالخارج تجسد نظرية الرياضة وجغرافيا الانتماء| أحمد بوسكرة
الجالية الجزائرية بالخارج..
تجسد نظرية “الرياضة وجغرافيا الانتماء”
بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة | كاتب جزائري|
في مقالنا السابق، تناولنا الأبعاد الخارجية للدبلوماسية الرياضية، وكيف استطاعت الجماهير الجزائرية كسب قلوب المجتمع المحلي في مدينة لورانس الأمريكية خلال منافسات كأس العالم، كاشفين عن آليات القوة الناعمة في صناعة السمعة الدولية للدول. واليوم، نرى من الضروري استكمال هذه القراءة الاستراتيجية، ولكن بالانتقال من دراسة أثر الرياضة على “الآخر” (المجتمعات المستضيفة) إلى دراسة أثرها العميق على “الذات الوطنية”، وتحديدًا على صعيد الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج.
لقد أثبتت هذه الأحداث الرياضية الدولية أن الرياضة تمتلك قدرة فائقة على تذويب المسافات الجغرافية، وتجاوز الحدود السياسية، وإعادة إنتاج مفهوم المواطنة العابرة للحدود في أبهى صوره الإنسانية والوطنية، بما يجعلها نموذجًا يُحتذى به في تعزيز الروابط بين الأوطان وأبنائها عبر العالم.
وقد قدّم أبناء الجالية الجزائرية المقيمة في مختلف بقاع العالم، من أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وآسيا، إلى جانب الجماهير القادمة من الجزائر، مشهدًا وطنيًا ملحميًا استثنائيًا أدهش سكان مدينة لورانس الأمريكية ووسائل الإعلام المختلفة.
فقد توافد عشرات الآلاف منهم إلى الملاعب والساحات العامة، قاطعين آلاف الكيلومترات، ومتحملين مشاق السفر وتكاليفه الباهظة، مدفوعين بنداء وجداني واحد هو مساندة المنتخب الوطني.
إن هذا التدفق الجماهيري الغفير يمثل، في عمقه الاستراتيجي، تجسيدًا حقيقيًا لما يمكن أن نسميه “جغرافيا الانتماء”؛ حيث تفقد الحدود الدولية والمسافات المكانية قيمتها أمام قوة الهوية الوطنية ووحدة الانتماء.
ولم يكن هؤلاء مجرد مشجعين يبحثون عن متعة كرة القدم، بل كانوا يمارسون سلوكًا جماعيًا يعبر عن تجديد الولاء للوطن الأم، والتشبث بالهوية الوطنية، والتأكيد على أن الانتماء إلى الجزائر لا يتأثر بالبعد الجغرافي ولا بطول سنوات الاغتراب، بل يزداد رسوخًا كلما سنحت الفرصة للتعبير عنه. وقد جسد هذا المشهد أسمى معاني الفخر والوحدة الوطنية والتلاحم بين أبناء الوطن داخل الجزائر وخارجها.
ومن منظور استراتيجي، يكشف هذا النموذج عن الإمكانات الهائلة التي تتيحها الرياضة للدول في تعزيز ارتباط جالياتها بأوطانها.
فالأحداث الرياضية الكبرى ليست مجرد منافسات، بل تتحول إلى فضاءات مجتمعية جامعة تعيد بناء جسور الثقة والانتماء، وتوفر فرصة ثمينة لتعبئة الطاقات الوطنية المنتشرة عبر العالم.
ومن هنا، فإن الجالية الجزائرية لا تمثل فقط امتدادًا ديموغرافيًا للوطن، بل تشكل رصيدًا استراتيجيًا بما تمتلكه من كفاءات علمية، وخبرات مهنية، ومهارات تكنولوجية، وشبكات علاقات دولية واسعة. وإذا ما أُحسن استثمار هذا الرصيد من خلال سياسات وطنية متكاملة، فإن الرياضة يمكن أن تصبح مدخلًا لتعزيز مساهمة الجالية في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتشجيع الاستثمار، ودعم التنمية الوطنية، وتعزيز صورة الجزائر ومكانتها على الساحة الدولية.
إن الدرس الذي تقدمه الجالية الجزائرية في هذه المناسبة يتجاوز حدود الرياضة؛ فهو يؤكد أن الانتماء الحقيقي لا تقيده الجغرافيا، وأن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات الدبلوماسية الشعبية والقوة الناعمة، ووسيلة استراتيجية للحفاظ على الهوية الوطنية، وربط أبناء الوطن أينما كانوا بمسيرة التنمية وبناء مستقبل الجزائر.







