
حين يشيخ المنهج وتتحجر الخطى|ماجد القيسي
حين يشيخُ المنهج وتتحجرُ الخطى
بقلم : ماجد القيسي
لا أعرف متى بدأت تحديداً تلك اللحظة التي يتحول فيها الحلم الذي أسس له رجلٌ ما، إلى قفصٍ يغلق أبوابه على أتباعه. كنت أتأمل في هذه الظاهرة مؤخراً، وأنا أقلب أوراقاً قديمة عن حكايات الرعيل الأول في مختلف المذاهب والأفكار. ثمة خيطٌ رفيع، بل غير مرئي، يربط بين نبل البدايات وبين ما ينتهي إليه الأمر من خصومات مريرة، وكأن لعنة ما تطارد “التأسيس” بمجرد أن يغادر مؤسسه مسرح الحياة.
في البدء، تكون الفكرة طرية كعجين، تحمل في طياتها رؤية المؤسس وصدقه. ثم يأتي الأتباع، ويدخل الخوف. الخوف من ضياع الأثر، الخوف من فقدان الهوية. وهنا تبدأ “عملية التحنيط”. نحن لا نحمي الفكرة حين نقدس رجالها، بل نحن غالباً نغتالها. أذكر كيف كانت النقاشات في أروقة الجامعة، حينما يرتفع صوت أحدهم متمسكاً بنصٍّ لشيخ أو مفكر، وكأن هذا النص كُتب ليُحرس لا ليُقرأ. أليس من المفارقة أن نعتنق فكراً يقوم في جوهره على التحرر، ثم نصبح نحن أنفسنا حراساً لسجنه؟
تأملوا ما يحدث في الأدب العالمي؛ دوستويفسكي في “الأخوة كارامازوف” لم يكن يكتب رواية، كان يصرخ في وجه الكنيسة والمؤسسة، يخبرنا أن “المفتش العظيم” سيظل يطاردنا دائماً، ليس لأنه شرير، بل لأنه يخشى حرية الإنسان. أو خذوا “اسم الوردة” لأمبرتو إيكو، حيث تتحول المكتبة – رمز المعرفة – إلى ساحة جريمة لأن أحداً ما قرر أن يمنع الحقيقة باسم “حماية المنهج”. هؤلاء الكتاب لم يقدموا لنا حلولاً، بل وضعوا مرايا أمام وجوهنا؛ نحن الذين نتناحر اليوم على تفاصيل، ربما لو رأى أصحابها الأوائل ما فعلناه بها، لتبرأوا منا ومن حروبنا الصغيرة.
أشعر أحياناً بعبء هذه التراكمات. أحياناً أتردد قبل أن أكتب رأياً، ليس خوفاً من النقد، بل لأنني أخشى أن أتحول إلى جزء من هذا التكرار الرتيب. هل نحن قادرون حقاً على العودة إلى “البياض” الأول؟ هل يمكننا أن نرى النص، ونرى الرجل، دون أن نحملهما أوزار تعصبنا الشخصي؟
ربما الحل ليس في التخلي عن المنهج، بل في التواضع أمام بشريته. أن نعترف أنهم كانوا رجالاً، أصابوا وأخطأوا، وأن “صدقهم” لم يكن يعني بالضرورة عصمة فهمهم. لا أريد أن أكون جزءاً من جيل يورث لأحفاده “متحفاً” من الأفكار الجامدة، بل أريد أن أمنحهم “بذرة”. البذرة التي تنمو في أرضهم هم، لا في أرضِ أجدادهم الميتة.
إنها دعوة، ربما تكون ساذجة في نظر البعض، لننفض الغبار عن أرواحنا أولاً، قبل أن نبحث عن نقاء المناهج. فما نفع أن يكون المنهج دقيقاً، والقلب الذي يحمله ممتلئاً بضجيج الصراع؟







