الوطن ليس جائزة لمن أخفق في كل شيء|نور الهدى قرباز

كاتبة |جامعة بسكرة  الجزائر
الوطن ليس جائزةً لمن أخفق في كل شيء
هناك من لم ينجح في مهنة، ولم يترك أثرًا في علم، ولم يُعرف بإنجاز، ثم يستيقظ فجأة ليبني على عرش الأوهام حلمًا اسمه “المنصب”. يظن أن السياسة بابٌ يُعوِّض به كل إخفاق، وأن البرلمان محطةٌ أخيرة لمن ضاقت به السبل. كأن الوطن لعبة، وكأن مؤسسات الدولة جائزة تُمنح لكل من اشتهى كرسيًا.
أي منطق هذا؟ وأي عدالة تُقنع شعبًا بأن صناعة القوانين، ورسم السياسات، والدفاع عن مصالح الملايين، يمكن أن تُترك للمصادفة؟
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. إنها قاعدة خالدة؛ الكفاءة والأمانة قبل كل شيء. فلا قيمة لأمانة بلا قدرة، ولا لقوة بلا نزاهة.
ويصدق المثل العربي: “فاقد الشيء لا يعطيه.” فمن عجز عن إدارة شأنه، كيف يُؤتمن على شؤون وطن؟
إن الجزائر أكبر من الطموحات الفردية، وأسمى من أن تتحول مؤسساتها إلى ملاذٍ لمن لم يجد لنفسه مكانًا في أي مجال آخر. الوطن لا يحتاج إلى هواة المناصب، وإنما إلى صُنّاع الإنجاز، وإلى أصحاب الفكر والخبرة والرؤية.
وجب أن تُراجع قوانين الترشح، وأن تُضبط العهدات في البرلمان والمجالس المنتخبة والبلديات، وأن تُرفع معايير المسؤولية إلى مستوى الدولة التي نحلم بها. ليس تضييقًا على أحد، وإنما صونٌ لهيبة المؤسسات، وحمايةٌ لمستقبل الأجيال.
كفى عبثًا بمصير الجزائر. ليس كل حلم مشروعًا، وليس كل طامح مؤهلًا، وليس كل راغب مستحقًا. بعض الأحلام يحققها أصحابها بالاجتهاد والعلم، وبعضها يبقى مجرد أمنيات لأن أصحابها لم يهيئوا أنفسهم لتحمل المسؤولية.
قال الشاعر:
إذا كانت النفوسُ كبارًا
تعبت في مرادِها الأجسامُ.
أما النفوس التي تبحث عن الكرسي دون إعداد، وعن الوجاهة دون استحقاق، فإنها لا تبني وطنًا، وإنما تثقل كاهله.
جزائر الشهداء تستحق رجال دولة، لا عشاق ألقاب. تستحق أصحاب الكفاءة، لا أصحاب الضجيج. وتستحق أن يُقال للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أخطأت، دون مجاملة، ودون تصفيق أعمى.
فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات، وإنما بالعلم، والعمل، والأمانة، والكفاءة.