
المنتخب الوطني بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل|احمد بوسكرة
المنتخب الوطني
بين
إدارة الأزمة وصناعة المستقبل
مقال رقم (1)
هل يعيش المنتخب الوطني أزمة نتائج، أم أزمة منظومة رياضية متكاملة؟
بقلم الاستاذ الدكتور أحمد بوسكرة
أستاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة -الجزائر
أثار خروج المنتخب الوطني الجزائري من كأس العالم 2026، بالطريقة التي حدث بها، موجة واسعة من النقاش داخل الأوساط الرياضية والإعلامية الجزائرية، بل امتدت إلى وسائل الإعلام العربية والدولية، وطرحت العديد من التساؤلات حول واقع كرة القدم الجزائرية ومستقبلها. فقد رأى كثير من المتابعين أن ما حدث في هذه البطولة لم يكن مجرد خسارة رياضية، باعتبار أن كرة القدم تقوم بطبيعتها على الفوز والخسارة، وإنما كشف عن مؤشرات تستحق الوقوف عندها وتحليلها بموضوعية، سواء تعلق الأمر بإدارة المباراة، أو رد فعل اللاعبين داخل الميدان، أو الجوانب التنظيمية والإدارية المصاحبة للمنافسة.
كما أثارت بعض السلوكيات والتصرفات التي رافقت البطولة، داخل الملعب وخارجه، نقاشًا واسعًا بين الجماهير ووسائل الإعلام، ودفعت إلى طرح تساؤلات حول مدى الانسجام بين مختلف مكونات المنتخب، وطبيعة العلاقة بين الجهاز الفني واللاعبين، ومدى انعكاس ذلك على الأداء الجماعي للفريق. وفي المقابل، وُجهت انتقادات أيضًا إلى طريقة إدارة الاتحاد الجزائري لكرة القدم لهذه المرحلة الحساسة، خاصة فيما يتعلق بالاتصال، وصناعة القرار، وإدارة الأزمة، وآليات تسيير المنتخب خلال المنافسة.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري:
هل يعيش المنتخب الوطني أزمة نتائج ظرفية، أم أنه يعاني من أزمة منظومة رياضية متكاملة؟
تؤكد الدراسات الحديثة في الإدارة الرياضية أن الأداء التنافسي للمنتخبات الوطنية لا يُقاس فقط بما تحققه داخل أرضية الملعب، وإنما يعكس مستوى كفاءة المنظومة الرياضية بأكملها التي تقف وراءها.
فالمنتخب الوطني يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بمنظومة التكوين، وتمر بالأندية، والبطولات الوطنية، والحوكمة، والإدارة، والطب الرياضي، وعلوم الأداء، وصولًا إلى المنافسة الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يعيشه المنتخب الوطني لا يمكن اختزاله في أزمة نتائج فقط، بل يحمل مؤشرات على وجود اختلالات هيكلية وتنظيمية تستدعي قراءة علمية شاملة.
فمنذ تولي المدرب فلاديمير بيتكوفيتش المسؤولية، شهد المنتخب تغييرات متكررة في التشكيلة من مباراة إلى أخرى. وقد يكون ذلك مبررًا في مرحلة إعادة البناء، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى استقرار المشروع الفني ووضوح الرؤية.
كما أن التعامل مع الإخفاقات ظل، في كثير من الأحيان، محصورًا في ردود أفعال آنية، دون الإعلان عن تقييم علمي شامل أو تدقيق موضوعي يحدد الأسباب الحقيقية للإخفاق ويقترح الحلول المناسبة.
إن بناء منتخب قادر على المنافسة العالمية لا يتحقق بتغيير المدرب أو اللاعبين فقط، بل يتطلب مشروعًا وطنيًا متكاملًا يقوم على التخطيط الاستراتيجي الاستباقي، وتطوير منظومة التكوين، وتحسين مستوى المنافسة المحلية، والاستثمار في الكفاءات الوطنية، والاستفادة من علوم الرياضة، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار ورفع مستوى الأداء.
إن الأزمات، مهما كانت صعوبتها، قد تتحول إلى فرص حقيقية للإصلاح إذا أُديرت بعقلية علمية واستراتيجية. ولذلك فإن المطلوب اليوم لا يتمثل في الاستعجال في تغيير الأشخاص أو البحث عن متهم، وإنما في إنجاز دراسة ميدانية علمية مستقلة، تعتمد على مؤشرات موضوعية، لتشخيص الواقع والكشف عن الأسباب الحقيقية للإخفاق، ثم بناء مشروع وطني يعالج جذور المشكلة بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من المسؤول عن الخروج من كأس العالم؟ بل أصبح: كيف نكشف الأسباب الحقيقية للإخفاق؟ وكيف نبني منظومة رياضية تجعل التأهل والمنافسة على أعلى المستويات نتيجة طبيعية لعمل مؤسساتي مستدام، وليس مجرد إنجاز ظرفي؟
إن قوة المنتخب الوطني تبدأ من قوة المنظومة الرياضية بأكملها، والاستثمار في الحوكمة، والتخطيط الاستراتيجي، والكفاءات الوطنية، والبحث العلمي، هو الطريق الأقصر لاستعادة المكانة القارية والدولية لكرة القدم الجزائرية.
وفي المقال القادم سنناقش:
كيف تُدار الأزمات في المنتخبات الكبرى؟ وما الذي يمكن أن تستفيد منه كرة القدم الجزائرية من التجارب الدولية الناجحة؟






