
مابين العزلة والجموح|العامرية سعد الله
كاتبة |تونسية
ما بين العزلةوالجموح
لا أرض تحت قدميَّ لأقيمَ عليها صرحي،
أنا التي أبني بيتي من ريحِ الممرّات،
وأزرع شجرة التين في الهواء.
الناس يعبرونني كمن يمرّ بمحطة قطارٍ قديمة،
يتركون حقائبهم المنسية على عتبة روحي،
ويمضون خفافاً،
بينما أبقى وحدي،
أفرزُ أسرارهم الكئيبة كخيّاطةٍ عجوز
ترتّق ثقوب الأيام بخرقٍ من دموعها.
يقولون لي: خفّفي من هذا العبء،
لماذا تحملين خراب العالم على عاتقكِ كقميصٍ مبلّل؟”
أقول لهم:
أنّ هذا الخرابَ هو طينتي الوحيدة،
وأنني اذا نزعتهُ عن جلدي،
تهاويتُ كتمثالٍ من ملحٍ أصابه المطر.
أنا لا أملكُ إرثاً أورثه للريح؛
لا اسمٌ مقدّسٌ يحرس بابي،
ولا رصيدٌ من الكلمات تدافع عني إن ضللتُ الطريق.
أنا ابنةُ الفراغِ الجميل،
أمشي وفي صدري غابةٌ من العصافير الصامتة،
كلّما اشتدّ الصقيع،
أشعلتُ لها أصابعي،
وفتحتُ نافذةَ صدري للعالم،
لعلّ طوارد الخوف تجد عندي مأوىً أخيراً،
أو لعلَّ غريباً مثلي
يعثر في ضبابِ حرفي على وطنه.
* * *
لا أطلبُ من الريحِ أن تهدأ،
ولا من العاصفةِ أن تذعنَ لطقوسِ البيوت.
أنا التي وُلدتُ من صرخةِ غيمةٍ عابرة،
أمدُّ يدي إلى المدى،
فأقبضُ على وميضِ البرقِ وأجعلهُ سِواراً لمعصمي.
هم يظنّون أنني أسيرُ وحيدةً،
ولا يدرون أنني أحملُ خلفَ ضلوعي قبيلةً من الجنونِ المضيء،
أبناء للسماء،
وأخواتٍ للغيماتِ الطريدة التي لا تستقرّ على جبل.
إن غضبتُ،
فلا صاعقة تشبه طريقتي في حرقِ الذاكرة،
أتركُ الأشياء تشتعل ببطءٍ هادئ،
مثل حطْبٍ قديمٍ تذكر نارُهُ عطرَ الغابات الأولى.
وإن أحببتُ،
فلا سدّ يمنع نهري عن الخروج عن مجراه،
أغمرُ السهول والوعور معاً،
ولا أُبقي لليابسةِ شبراً تظنّ فيه أنها ناجية.
هكذا أعيشُ؛
لا أقيسُ عمرى بالسنين،
بل بعددِ المرات التي خلقتُ فيها نفسي من جديد،
ولا أستدعي من غيابي سوى وجهي الطليق،
حين يفرُّ من أقفاصِ العادة،
ليُحلّقَ عارياً
فوق خرابِ هذا العالم.







