عُزلةُ النَّصِّ فِي زمنِ الغِيَابِ أو حِينما يبحثُ الكاتبُ عن قارئهِ المفقود

عُزلةُ النَّصِّ فِي زمنِ الغِيَابِ أو حِينما يبحثُ الكاتبُ عن قارئهِ المفقود

 

مصطفى بوغازي/ الجزائر

 

​كانت طوابير الانتظار أمام مكتبة “كينوكُونيا” في طوكيو، مع كل صباح يعلن عن جديد هاروكي موراكامي، حين كان فعل القراءة ظاهرة جماعية طاغية، وحالة من الشغف الذي يستنفد طاقات المطابع، كما حدث مع رواية “ذهب مع الريح” لمارغريت ميتشيل ، أين كان القارئ هو البطل الحقيقي الذي يمنح النص حياته الأبدية.

​أمّا اليوم، فقد انكسرت تلك المرآة، وتبدّل المشهد إلا من أطياف ذكريات غابرة. لقد تراجع فعل القراءة لاسيّما في العالم العربي وفي المشهد الجزائري يبدو أكثر تجلّياً. هنا، يولد الكتاب ميتاً أو يكاد، إذ بمجرد أن ينفضّ عن المنجز الأدبي غبار المطابع، لا يجد الأديب أمامه بيئة حاضنة أو جمهوراً ينتظر بل يجد صمتاً مدلهماً يستدعي الشفقة والتأمل.

​تشير أرقام وإحصاءات رسمية ودولية إلى المأزق الحضاري الذي يعيشه المشهد القرائي العربي، إذ تصنّف تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة ومؤشرات القراءة العربية المعدل السنوي لقراءة الفرد العربي بما لا يتجاوز بضع صفحات، في مقابل عشرات الكتب للفرد في الأطراف الغربية، معضلة لأمّة يربو عدد سكانها على أربعمائة مليون نسمة! و الجزائر، ليست بمعزل عن هذا الشح إذ تظهر المسوحات الميدانية لواقع المكتبات والمؤسسات المعرفية أن الشغف المكتوب انكمش لصالح الشاشات المائلة، لتبقى النسخ المطبوعة تركد في المخازن منتظرة شبحاً يماطل في الحضور.

​أمام هذا الجفاف المعرفي، يجد الكاتب نفسه مرغماً على خوض معركة خارجة عن نصّه. يتحول المبدع، الذي كان يفترض أن يتفرغ لصياغة الوجود وتمويج اللغة، إلى سائس لمولوده الأدبي، أو حامل سجل تجاري للتسويق . يخرج الكاتب من المطبعة لا ليستريح على أريكة القبول النقدي، بل ليقوم بدور المروّج الذي قد يبدو في كثير من الأحيان محبطا ، يطارد الملفات الصحفية، و المنصات الرقمية، و الشخصيات الإعلامية لكتابة عرّفان بعمله لقارئ زاهد لا يقرأ.

​تلك هي المعضلة المأساوية في بيئتنا الثقافية اليوم: ولادة المنجز الأدبي في رحم عقيم، وغياب اللاعب الأساسي الذي بنى عليه التأويل الأدبي نظرياته، ألا وهو القارئ. فبدلاً من أن يكون الكتاب جسراً يعبر عليه الملايين لتغيير الوعي، يظل المنجز حبيس دوائر ضيقة جداً، يتداوله بعض الأكاديميين في ندوات مغلقة لا يتعدى صداها جدران القاعة، أو تفرد له صفحات مهجورة في الملحقات الصحفية، ليعود الكتاب في النهاية إلى جزيرة عزلته.

​إنها ليست أزمة كتّاب ولا أزمة حبر، بل هي أزمة بيئة خسرت ثقافة التلقي. حين يقرأ الكاتب لنفسه، ويمجد نصّه في صمته، نكون أمام جنائزية أدبية صامتة، فالنص الذي لا يجد عينين تعيدان خلقه وبعثه في شرايين الحياة الجماعية، يبقى مجرد حروف ميتة تشبه الآثار الرهينة في المتاحف المنسية.