قراءة تفكيكية تحليلية في نص( البورصة) للقاص عبدالله الميالي | فوزية الكوراني

اظيبة وناقدة |الإمارات العربية المتحدة سوريا

النص:

(البورصة)
اليوم الجمعة، الأسواق تضجّ بحركة البيع والشراء، مررتُ بسوق الضمائر، وبجواره سوق الأحاسيس ، ثم توقفتُ بدافع الفضول عند سوق الأقنعة، وهو السوق الأكثر رواجاً على مدار السنة.
سمعت أحد الزبائن يسأل صاحب المحل، وهو يتجوّل بنظره على مئات الأقنعة التي اصطفّت بهدوء على الرفوف:
ــ أريد قناعاً جديداً صُنع في الغرب، ذلك القناع المصنوع محلياً الذي اشتريته منك قبل سنة تهرّأ ولم يعد يلائم وضعي الجديد.
ــ وما الذي حدث يا سيدي؟
أجاب وهو يقلّب قناعاً يبتسم ابتسامة الثعلب:
ــ لقد تغيّر المسؤول السابق، وجاء مسؤول جديد يستحق أن نقابله بوجهٍ جديدٍ أيضاً.)
————————-
تفكيك العنوان: (البورصة)
البورصة مكان “السعر الحقيقي”. مكان الشفافية والرقم. لكن في النص، البورصة تتاجر بالزيف.
الثنائية المهيمنة على الهامش الذي حصل في النص:
ــ الضمير.. القناع، سوق الضمائر “بجواره” سوق الأقنعة. الأقنعة أصبحت أهم وأكثر رواجاً.
ــ المحلي .. الغربي. القناع المحلي “تهرأ” الغربي هو “الجديد” المطلوب.
ــ الثبات .. المسؤول تغير… يجب لنا “وجه جديد”
ــ الإنسان .. السلعة، الزبون يتكلم عن نفسه كأنه منتج: “لم يعد يلائم وضعي” ، كله يتبدل حسب “السوق”.
العدسة الأولى: اقتصاد اللاشعور
السوق هنا ليس سوق بضائع، هنا سوق اللاشعور الجمعي: سوق الضمائر، سوق الأحاسيس، سوق الأقنعة. هذه المراحل الثلاثة للشخصية.
الضمير: الأنا الأعلى. الأحاسيس. الهوية. الأقنعة. الأنا التي تتفاوض بينهم.
القناع الذي تهرأ: هو “قناع الأنا” القديم. المسؤول السابق ذهب، فالقناع الذي كان يتعامل معه لم يعد صالح. يلزمه “قناع جديد” يرضي الأنا الأعلى الجديد.
ابتسامة الثعلب: هي اللذة. اللاشعور يستمتع بالخداع. الزبون ليس حزين إنه يكذب، هو يدوّر على قناع “يليق” بالوضع الجديد.
الفكرة : نحن لا نشتري أقنعة من أجل أن نخبئ أنفسنا وراءها خجلًا، ومكرًا، بل نشتريها من أجل أن نعيش، والهوية نفسها أصبحت سلعة.
العدسة الثانية: الأخلاق والضمير
النفاق الاجتماعي ينخر كالسوس بالخشب. ونسأل دائماً: “وأين الله في كل هذا؟”
يوم الجمعة: يوم مقدس عند المسلمين. الأسواق “تضج بالبيع والشراء” حتى في الضمائر والأحاسيس. مفارقة دينية أخلاقية. تقديس للتجارة على حساب الروح.
سوق الضمائر بجواره سوق الأقنعة. الضمير اعتنق النفاق. يعني بذلك: المسافة بين الحق والباطل أصبحت في رفِّ واحد.
“تغيّر المسؤول السابق”: هذه الجملة قاسية جدًا. تغيّرت السلطة فتغيّرت الوجوه. لا يوجد مبدأ صامد أخلاقي! لا يوجد إنسان… يوجد مصلحة فقط. نفاق مستمر عبر الأجيال والازمنة المتعددة سواءً كان الحكم خلافي، أو إمارة وأمراء، أو رئيس منتخب .. إذا هذا هو موت للروح. الإنسان يبيع إنسانيته من أجل “يلائم الوضع الجديد”.
القصة صرخة ضد النفاق الاجتماعي. عندما نصبح بضاعة تباع وتشترى، نخسر إنسانيتنا.
العدسة الثالثة: تفكيك للثنائيات
تفكيك الثنائية:
المحلي المتهرئ/الغربي الجديد .. القناع القديم “المصنوع محلياً تهرأ”/والجديد المطلوب “صُنع في الغرب”.
ثنائية الحقيقة: الزيف، السوق اسمه “البورصة”. البورصة مكان للحقيقة الرقمية للأسعار. لكن هنا نتاجر في “الزيف” فـي “الحقيقة” هي نفسها أصبحت سلعة تُباع وتُشترى.
ثنائية الداخل/الخارج: “قناع مصنوع محلياً” فشل. إذًا “قناع مصنوع في الغرب” هو المطلوب. المركز تغيّر. الغرب أصبح هو معيار الأصالة، والمحلي أصبح هو المزيف.
العبارة المفتاح: “يلائم وضعي الجديد”: كلمة “وضع” فضفاضة. أيّ وضع؟ أخلاقي؟ وظيفي؟ اجتماعي؟ إن المعنى يهرب. لا يوجد قناع “حقيقي”، فيه سلاسل من الأقنعة، كل قناع يستبدل بالذي قبله.
النص يفكك فكرة “الهوية الثابتة”. نحن لا نلبس قناع… نحن مجموعة أقنعة. و”أنا” هي مجرد وهم مركزي.
نحن نتاجر في أنفسنا حتى نعيش. نحن نخسر أرواحنا ونحن نفعل هكذا.
أصلاً لا يوجد “نفس” واحدة من أجل أن نخسرها… فيه فقط بورصة مستمرة.
القفلة مخيفة جدًا: “نقابله بوجهٍ جديد” ، الاستبداد ليس في المسؤول… الاستبداد فينا. نحن الذين نغيّر وجهًا كلما تغيّر مسؤول.
“ابتسامة الثعلب”
لماذا ثعلب؟ وليس أسد؟ أو حَمل؟. الثعلب في التراث العربي والغربي يعني المكر، الذكاء، البقاء. الأسد سلطة ملك الغابة. الحمل براءة. في “سوق الأقنعة” العملة الرائجة هي المكر. و الثعلب لمن ينتمي؟ الثعلب لا وطن له. هو يتلوّن حسب الغابة. يعني “ابتسامة الثعلب” هي نفسها القناع الغربي.
المركز انتقل: من زمان كنا نتفاخر “بالأصالة المحلية”، اليوم الأصالة أصبحت “البراند الغربي”. فالثعلب يبتسم لأنه قادر يبدل جلده.
إذًا “ابتسامة الثعلب” : الشعار الرسمي للسوق. هذه ليست ابتسامة فرح. هذه ابتسامة “الخبير باللعبة”. اللعب على كلمة “وضع” ، هذه أهم كلمة في النص.
“لم يعد يلائم وضعي الجديد”.
ما هذا “الوضع” ؟ أخلاقي؟ وظيفي؟ ديني؟ مادي؟
الكلمة تركها عمداً مفتوحة. نسميه “الاختلاف” المعنى يأجل نفسه ولا يوصل أبداً.
يعني القناع ليس من أجل “شخص” معيّن. هو من أجل أيّ وضع؟
“جاء مسؤول جديد يستحق أن نقابله بوجهٍ جديدٍ أيضاً” ، من هو صاحب السلطة؟ المسؤول؟ لا. صاحب السلطة هو القناع نفسه! .. الزبون هو الذي يختار يبدل وجهه. هو الذي يشير عن التغيير. فالسلطة ليست فوق. السلطة متوزعة في “سوق الأقنعة”.
لا توجد حقيقة. يوجد سعر يتغيّر حسب العرض والطلب. لا يوجد مركز. اليوم الغرب في المركز الأول ويلزمه قناع. القصة كلها خمسة أسطر لكنها تفكيك لمفهوم (الهوية) و(الأخلاق( و(الدين)
من الذي يبتسم بجد؟ هنا التفكيك الخطير:
هل صاحب المحل يبتسم؟ أو القناع نفسه يبتسم؟ أو الزبون هو الذي في عقله ابتسامة الثعلب؟
النص ترك الفاعل مفتوح. هذا (محور المرك). لا يوجد أحد يكذب… الكذب نفسه هو الذي يبتسم. “ابتسامة الثعلب” : هي لغة السوق الجديدة. لغة لا يوجد فيها صدق ولا كذب! فيها فقط: “أنا أعرف كيف أغير وجهي”.
هي إعلان، أن الأخلاق أصبحت “تكتيك”، والضمير أصبح “منتج”.
“المركز الغائب” في “البورصة”
أيّ نص فيه مركز ظاهر، لازم يكون فيه مركز غائب هو الذي يحرّك كل شيء من وراء الستارة. من المركز الغائب في القصة؟ ، “المسؤول الجديد” الغائب الحاضر، هو محور الحوار كله: “تغيّر المسؤول السابق، وجاء مسؤول جديد يستحق أن نقابله بوجهٍ جديد” ، هو ليس موجود في السوق. ولا تكلم. ولا ظهر. ومع ذلك هو الذي جعل القناع القديم “يتهرأ” وجعل السوق كله يتحرك.
“الأثر”. أثر السلطة. السلطة ليست شخص. السلطة هي الخوف من التغيير!
“الوجه الحقيقي” الممسوح
الزبون يدور على قناع جديد من أجل أن يقابل فيه المسؤول. إذا أين وجهه هو؟ أين الـ”أنا” الخاصة فيه؟. النص مسحه تماماً. لا يوجد كلمة واحدة عن ملامحه. المركز الغائب هنا هو “الإنسان” تحول إلى زبون يدور على منتج.
(سوق الضمائر) و(سوق الأحاسيس)
الكاتب يمر عليهم لكنه “توقف عند سوق الأقنعة” ،لأنه “الأكثر رواجاً”.
يعني بذلك الضمير والإحساس، ما زالا موجودين… لكن على الرف. لا أحد يشتريهما. إنهما المركز الأخلاقي الغائب. موجودان فقط من أجل أن يثبتوا لنا إننا ما زلنا نعرف الصواب من الخطأ، لكننا اختارنا الخطأ.
القصة كلها تتكلم عن الأقنعة، لكن الحقيقة الغائبة هي: لا أحد يرتدي القناع. القناع هو الذي يرتدينا. المسؤول غائب، والوجه الحقيقي غائب، والضمير غائب. الثلاثة غائبون من أجل “سوق الأقنعة” الذي يبقى هو الأكثر رواجاً.
إذاً البورصة لا تتاجر في الأقنعة. البورصة تتاجر في غيابنا نحن غياب الإنسان. “البورصة” هذه ليست قصة عن سوق. هي خريطة للنفس البشرية. قدمها لنا الكاتب بحرفيّة متقنة. هي الهوية التي أصبحت رائجة في زمن النفاق، وسوق الضمائر: والأنا الأعلى، هو صوت الأب، الدين، المجتمع، “الصواب والخطأ”. الكاتب “مرّ” فيه بحرفية ومن دون توقف. لماذا؟ لأن الأنا الأعلى أصبح ضعيف. هو مجرد سوق نمرّ به، عندما نكون في طريقنا لشراء سلعة أخرى.
اذاً، فالضمير موجود، لكن سقطت منه سلطة الحكم. وسوق الأحاسيس: هذه الغرائز، الرغبات، “أنا أريد”. الجوع، الخوف، الطمع، حب البقاء. لقد مرّ الكاتب به، لكن لم يتوقف عنده، لأن الخوف الداخلي يصرخ: “خاف” إذا لم تتغيّر وتواكب الأقنعة، وترتديها واحداً تلو الآخر، فالأقدام ستدوسك!
الجملة التحليلية:
القناع المصنوع محلياً الذي اشتريته منك قبل سنة “تهرّأ”. تهرأ: القناع القديم استهلك. الأنا تعبت من التمثيل .. قبل سنة، مع المسؤول السابق. يعني الـ”أنا” كانت مصمّمة على نظام قديم. المسؤول الجديد “أنا أعلى” جديد. معايير جديدة. فمن الضروري “أنا” جديدة تلائم.
الأنا تستمتع وهي تكذب وتنجو. وهذا اسمه (لذة الهروب من القلق). بدلاً ما أواجه المسؤول بوجهي الحقيقي وارتعش خوفًا، من مجهول لا أعرفه ألبس قناع وأضحك. “اشتري قناع غربي جديد”
نحن لسنا أشرار. نحن مرضى. نشتري أقنعة من أجل العيش بدون قلق. إذا سألنا: أين (الله)؟ وأين (الإنسان)؟. في “البورصة” غير معترف بهم. وهذه البضاعة محرمة الدخول في سوقها.
النفاق الاجتماعي، وتجارة الإنسان بالإنسان.
“يوم الجمعة” “البورصة” “موت الروح” ، نتوقف عند أول سطر: “اليوم الجمعة، الأسواق تضجّ” .. الجمعة يوم للصلاة والضمير والرجوع لله. لكن هنا الناس تبيع وتشتري، حتى في الضمائر والأحاسيس. هذه علامة إن الدنيا انقلبت. قدسنا السوق وقدسنا المسؤول ونسيّنا الإنسان.
“سوق الضمائر بجواره سوق الأقنعة”
الضمير أصبح جانب الكذب. والمسافة بينهم أصبحت رف خشب. يعني الشر أصبح سهل. تمد يدك تأخذ ضمير؟ لا. تمد يدك تأخذ قناع؟ نعم. عندما نضع الحق والباطل بجانب بعضهم البعض، الناس تختار الأسهل دائماً.
تغيّر (المسؤول) فتغيّر (الوجه) ، هنا البكاء الحقيقي. لأن هذه قمة العبودية. الإنسان الذي خلقه الله حرّ، أصبح يغيّر جلده، من أجل (المسؤول). لا يوجد مبدأ. لا يوجد حق. لا يوجد “أنا”. فيه فقط: “يلائم وضعي الجديد”. أنت قتلت نفسك من أجل ترضي مخلوق مثلك.
“القناع المصنوع محلياً تهرّأ”
القناع المحلي “المتهرئ” هو الفطرة، والصدق البدائي، والإنسان البسيط. لكننا رميناه، وركضنا خلف القناع “المصنوع في الغرب”. فلنقيم صلاة الجنازة بدلاً من صلاة الجمعة!. جنازة على الإنسان الذي أصبح سلعة، وعلى الضمير الذي أصبح رف فارغ في السوق، وعلى الإيمان الذي نسيناه حتى في يوم الجمعة المقدّس. والحل هو: ارجع لوجهك. حتى لو يكسرك المسؤول الجديد. “الأفضل أن تموت واقفاً على وجهك، من أن تعيش راكعاً بقناع”