قراءة نقدية لقصيدة حبري الأسود للشاعر طاهر مشي |الناقدة جليلة المازني

قراءة نقدية: ” من نهاية حتمية الى بداية بعث جديد”

التفريغ النصي:”حين يُحوّل الحبر الأسود رثاء الأوطان من نهاية حتمية الى بداية بعث جديد”

الناقدة جليلة المازني (تونس)

القصيدة: “حبري الأسود”

الشاعر طاهر مشي (تونس)

1- في قراءة للعنوان: اختار الشاعر طاهر مشي عنوانا لقصيدته “حبري الأسود”

وقد ورد العنوان مركبا نعتيا اختار فيه الشاعر صفة الأسود للمنعوت (حبري).

وفي هذا الاطارقد يتساءل القارئ عن دلالة الحبر الأسود.

ان الحبر الأسود حسب الناقد حسن المسعود يرمز الى القوة والثبات والوضوح المطلق

ويعتبر الأساس التاريخي والفلسفي لتدوين المعرفة البشرية.

وللحبر الأسود عدة دلالات (1):

ا- الدلالات النفسية والشخصية التي تتجلى من خلال:

– الالتزام والجدية: يفضل مستخدمو الحبر الأسود القواعد الصارمة والمسؤولية في الحياة المهنية والاجتماعية.

– التحكم والسيطرة: يعكس القلم بحبره الأسود هيبة الكاتب ورغبته في إيصال رسالة حاسمة وصريحة.

– الواقعية: يبتعد مستخدم الحبر الأسود غالبا عن التكلف ويميل الى الوضوح المباشر دون زحام عاطفي مفرط.

ب – الدلالات الفلسفية والفكرية: تتجلى هذه الدلالات من خلال:

– أصل الفكر: ينظر الى الحبر الأسود باعتباره المادة التي تجسد الأفكار المجردة وتخرجها من ظلام اللامعرفة الى النور.

– توثيق الذاكرة: استخدم الحبر الأسود منذ الاف السنين لحفظ التراث الإنساني وصون الهوية والثقافة عبر الخطوط والكتابات.

– التضاد البصري: يوفر الحبر الأسود أعلى درجات التباين مع الورق الأبيض مما يجعله الوسيلة الاسهل والاوضح للقراءة والتوثيق.

وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ بفضوله المعهود متسائلا:

– هل ان الشاعر طاهر مشي اختار حبره الأسود التزاما منه بالجدية في اتخاذ القواعد الصارمة وتحمّل المسؤولية؟

– هل ان الشاعر اتخذ حبره الأسود ليعكس رغبته في تبليغ رسالة حاسمة؟

– هل ان الشاعر باستخدام حبره الأسود يبتعد عن التكلف ويميل الى الوضوح الواقعي؟

– هل ان القصيدة بواسطة حبره الأسود استطاعت أن تجسد الأفكار المجردة وتخرجها من الظلام الى النور؟

– هل ان الشاعر بواسطة حبره الأسود استطاع ان يوثق الذاكرة ويصون الهوية والثقافة؟

– هل ان الشاعر استخدم المفارقة بين بياض الورقة وسواد الحبر ليُعلن المفارقة الفكرية بين الحقيقة والزيف؟

2- التحليل: ” من نهاية حتمية الى بداية بعث جديد”

“حين يُحوّل الحبر الأسود رثاء الأوطان من نهاية حتمية الى بعث جديد”

أ- الحبر الأسود ورثاء الأوطان:

استهل الشاعر قصيدته قائلا:

حبري الأسود

ولا يكتب الا رثاء الأوطان

لقد استخدم الشاعر واو الحال (ولا يكتب الا رثاء الأوطان) التي تربط بين صاحب الحال (حبري الأسود) والجملة التي تبين هيئته وصفته المستمرة وتبرز دلالتها ومعناها حسب النحاة العرب من خلال:

– بيان الهيئة والصفة: تبين الواو أن حالة الحبر الأسود مرتبطة دائما بهذا الفعل ولا تفارقه.

– التخصيص والالتصاق: تدل على أن طبيعة هذا الحبر الأسود محصورة ومقيدة فقط بكتابة الحزن والوجع الوطني (بالجمع بين الواو وأسلوب النفي “لا” / الاستثناء “إلا”).

– العمق العاطفي: الواو تعكس وفاء الكاتب وحزن حبره الأسود الذي شخصه وجعله يرفض الكتابة في غير غرض رثاء الأوطان.

و”رثاء الأوطان” يحمل استعارة مكنية لها دلالتها البلاغية والنفسية حسب علماء البلاغة وتتجلى من خلال:

– التشخيص: لقد حوّل الشاعر الوطن من مجرد جغرافيا وحدود الى كائن حيّ يشعر ويمرض ويموت مما يعمق الإحساس بالمأساة.

– شدة الفاجعة: يبرز الشاعر حجم المأساة والضياع الذي حل بالوطن حتى غدا جثة يبكيها ويُعدد محاسنها.

– اليأس وانقطاع الأمل: يوحي الشاعر من خلال استخدام عبارة “رثاء الأوطان” بان الدمار الحاصل قد وصل الى مرحلة لا رجعة فيها كالموت تماما.

– اثارة العاطفة لدى القارئ: يحرك الشاعر مشاعر الحزن واللوعة في نفس المتلقي من خلال ربط الوطن بفقدان شخص عزيز.

وتتجلى دلالات” الحبر الأسود ” في رثاء الأوطان باعتباره:

– سجلّ الفجيعة: الحبر الأسود لا يُجمّل الواقع بل ينقل صورة الدمار والخراب بحيادية مؤلمة.

– بديل الدموع: عندما تجف المآقي من هول الصدمة تبكي الأقلام حبراأسود يُخلد المأساة.

– صوت المشردين: يمثل الحبر الأسود صوت الذين فقدوا بيوتهم واوطانهم ولم يتبق لهم سوى الكلمة.

– وثيقة للتاريخ: يكتب الادباء والشعراء بالحبر الأسود لتذكير الأجيال القادمة بما حل باوطانهم من غدر وانكسار.

وفي هذ الاطار لطالما كان رثاء الأوطان غرضا شعريا حزينا كرثاء الاندلس للشاعر ابي البقاء الرندي في نونيته الشهيرة.

اما في العصر الحديث فقد كتب الشعراء بحبر اسود يقطر وجعا على بغداد والقدس وبيروت ودمشق.

وقد تميزت قصائد محمود درويش ونزار قباني وبدر شاكر السياب برسم لوحات قاتمة من الفقد والغربة داخل الوطن وخارجه.

وفي هذا الصدد فان الشاعر طاهر مشي لم يشذّ عن هؤلاء الشعراء في تسخير حبره الأسود للوجع الوطني.

وللحبر الأسود عدة دلالات (1):

ا- الدلالات النفسية والشخصية التي تتجلى في القصيدة من خلال:

– الالتزام بالقضايا الوطنية وهذا يعكس انصهار الذات الشاعرة في الهمّ الجماعي وتفضيل الوجع العام على الانكفاء الذاتي فحصر حبره الأسود في رثاء الأوطان (حبري الأسود // ولا يكتب الا في رثاء الأوطان).

باستخدم أسلوب انزياحي ايقاعي قائم على التكرار جعل الشاعر من عبارة “حبري الأسود لا يكتب الا في رثاء الأوطان” ترديدة تتكرر بمعمار القصيدة وكأني بالشاعر يريد أن يقنع بها نفسه ويقنع بها القارئ ليرسخ في ذهنه أن الكتابة هي أدب ملتزم بغرض رثاء الاوطان أو لا تكون.

(رفض الواقع المرير وتحويل الرثاء من بكائية مستسلمة الى صرخة استنهاض للهمم. وهذا نوع من المقاومة الفكرية ولعل الشاعر هنا يذكر القارئ بفلاسفة القرن الثامن عشر الذين جعلوا من كتاباتهم فعل مقاومة.

– التحكم والسيطرة: يعكس القلم بحبره الأسود هيبتة في تطويع الشاعر لمراده فالحبر الأسود هو من يكتب الشاعر وليس الشاعر من يكتبه فيقول:

كلما هممت ان ارسم وردة

خرجت من بين اصابعي

خريطة وجع

وكلما اردت ان اكتب عن الفرح

تعثرت الكلمات

في جنازة مدينة.

وكأني بحبره الأسود لا يحس بطعم الجمال ومن حوله يعيش الوجع.

وكأني به يرفض ان يسعد والأخر في جنازة.

انها مفارقة بين الحزن والفرح.

– الواقعية: يبتعد الشاعر بحبره الأسود عن التكلف ويميل الى الوضوح المباشر دون زحام عاطفي مفرط.

ان الحبر الأسود باعتباره رمزا للكتابة يجعله الشاعر هنا يسْحق الذاتية لصالح الموضوعية ويلغي المشاعر من اجل لغة العقل التي تحمل الهم الوطني.

ان الشاعر يخلع جلباب “الأنا” ليلبس رداء الوطن ليرثي :

– الحلم المفقود (لأن الأوطان التي أحببتها// لم تعد تشبه أحلامنا).

– الأمل ( لان النوافذ التي كانت تطل على الغد أغلقت)

وبالتالي فلا الحاضر يحقق الحلم ولا المستقبل يبشر بالأمل وحتى الماضي مليء بوجع الراحلين والمنتظرين لدورهم في الرحيل.

ان الزمن بأكمله متشظِ .

وهذا التشظي الشامل لا يمكن لملمة شظايا الماضي والحاضر والمستقبل …انه تشظ يوحي بدمار شامل جعل الشاعر يسخر حبره الأسود في وجع الأوطان.

وكأني بالشاعر هنا لا يَخصّ رثاء وطنه الضيق ليشمل الأوطان العربية باستخدام:

– صيغة الجمع ( الأوطان ) بدل صيغة المفرد(وطني)

– صيغة المتكلم الجمع (أحلامنا) مع المراوحة بينها وبين صيغة المتكلم المفرد (احببتها/ وبقيت)

وهنا كأني بالشاعر يستحضر قول أحمد شوقي في رثاء الوطن العربي:

نُصِحْتُ ونحن مختلفون دارا // ولكن كلنا في الهمّ شرق

وكأني بالشاعر يشي بهذا البيت ليضرب بالمثل للدلالة على وحدة الحال في المعاناة وتشابه الظروف بين أبناء الامة الواحدة.

انه الشعور بالانتماء العربي بل والإنساني.

ب- بعث الأوطان من جديد:

ان الرثاء باعتباره للميت والشاعر قد شخص الأوطان ليجعلها تشعر وتمرض وتموت ليرثيها كشخص عزيزقد مات.

ان الشاعر وبقلبه المؤمن بقدرة الله على البعث من جديد يستدرك في المقطع الأخير حتى لا يستسلم للبكاء على الأوطان لينتشلها من دمار أبدي لتبعث من جديد وتعود اليها الروح والحياة.

فيقول الشاعر:

لكني رغم كل هذ السواد

اترك في اخر السطر

نقطة من ضوء لعل وطنا ما

يقرؤها ذات صباح ويعود

ان الشاعر قد لعب على صفة السواد بحبره الاسود فلئن كان حبره الاسود في رثاء الأوطان باعتباره:

– سجلّ الفجيعة وبديل الدموع وصوت المشردين ووثيقة للتاريخ.فان حبره الأسود يستثني من صفة السواد سلبيتها ويتحكم فيها ويسيطر عليها ليجعل نقطة منها تتجاوز الرثاء السلبي وتتحدى الدموع ولا تستسلم للبكاء .

انه رفض للواقع المرير وتحويل الرثاء من بكائية مستسلمة الى صرخة استنهاض للهمم. وهذا نوع من المقاومة الفكرية ولعل الشاعر هنا يذكر القارئ بفلاسفة القرن الثامن عشر الذين جعلوا من كتاباتهم فعل مقاومة.

وفي هذا الاطار يجعل نقطة الضوء بحبره الأسود تلعب دور المنقذ للاوطان من الموت لتصبح هذه النقطة المضيئة فعل مقاومة تلتزم بالقضايا الوطنية حيث تنصهر في الهمّ الجماعي وتحول الدموع والبكاء الى مقاومة فعلية حين تستنهض هذه النقطة المضيئة الهمم وتشحذ العزائم لتنتشل الأوطان من الاستسلام للهزيمة وتترفع عن البكاء لتجعل الكتابة فعل مقاومة ليبعث الوطن من جديد.

والشاعر لا يخفي عن القارئ ان الكتابة (حبري الأسود) موسومة لدى الشعراء بالرثاء أكثر من المقاومة وقد تجلى ذلك من خلال:

– طغيان حبره الأسود في رثاء الأوطان على ثلاثة أرباع القصيدة والتي تدعمها تلك الترديدة (حبري الأسود/ ولا يكتب الا رثاء الأوطان) التي تكررت ثلاث مرات بمعمار القصيدة.

– عدم اليقين بان الحبر الأسود سيدعم فعل المقاومة بالاوطان المضطهدة من خلال استخدامه لحرف الترجي “لعل” الذي يختلط فيه الشك باليقين (نقطة من ضوء لعل وطنا ما// يقرؤها ذات صباح ويعود)

– استخدام صيغة المفرد النكرة (لعل وطنا ما) فالمقاومة هي فعل استثناء .

– استخدام ظرف زمان مبهم (ذات صباح) والشاعر يعتبر يقظة هذا الوطن المقاوم استثناء في الزمان.

– التزام الشاعر وتحمله المسؤولية بثنائية رثاء الأوطان وفعل المقاومة لحبره الأسود دون إلزام بقية المبدعين بذلك باستخدام ياء المتكلم(حبري) دون الحديث في المطلق (الحبر الأسود).

وبالتالي كأني بالشاعر قد سخر حبره الأسود لرثاء الأوطان من ناحيتين:

* رثاء حبره الأسود للاوطان لانه يُسِرُّ وجعها.

* رثاء حبره الأسود للاوطان حيث لا يُسخر فيها الحبر الأسود باعتباره فعل مقاومة الا استثناء.

وخلاصة القول فان الشاعر قد سخر حبره الأسود في رثاء الأوطان بيد انه استدرك ليجعل حبره الأسود يحول الكتابة في رثاء الأوطان من نهاية حتمية الى بداية لبعث جديد للاوطان حين يصبح حبره الأسود فعل مقاومة.

وكأني بالشاعر يتقاطع بالمثل القائل:” الوطن تميته الدموع وتحييه الدماء”.

سلم قلم الشاعر طاهر مشي هذا القلم المتمرد والرافض لانهزامية البكاء والمسكون بدور حبره الأسود باعتباره يتجاوز رثاء الأوطان الى فعل مقاومة.

بتاريخ: 06/ 09 2026

المرجع:

(1) حسن المسعود- الحبر الأسود- 2 ماي 2018- الانطولوجيا.

===== القصيدة ====

حبري الأسود

ااااااااااااااااا

حبري الأسود،

ولا يكتب إلا رثاء الأوطان،

كلما هممتُ أن أرسم وردةً

خرجت من بين أصابعي

خريطةُ وجع،

وكلما أردتُ أن أكتب عن الفرح،

تعثّرت الكلمات

في جنازةِ مدينة.

حبري أسود،

لأن الأوطان التي أحببتها

لم تعد تشبه أحلامنا،

ولأن النوافذ التي كانت تطلّ على الغد

أُغلقتْ،

وبقيتُ أكتب على جدار الذاكرة

أسماء الذين رحلوا

وأسماء الذين ما زالوا ينتظرون.

حبري الأسود،

ولا يكتب إلا رثاء الأوطان…

لكنني، رغم كل هذا السواد،

أترك في آخر السطر

نقطةً من ضوء،

لعلّ وطنًا ما

يقرأها ذات صباح

ويعود.

ااااااااااااااااا

طاهر مشي

؟