حين يكتب الأب وصيته الأخيرة في كتاب العمر| محمد المحسن

كاتب |تونسي

حين يكتب الأب وصيته الأخيرة..في كتاب العمر
تصدير:
-اقرئي كل ما خطه قلمي عبر محطات العمر. ستجدين بين السطور رجلا عرف الفرح كما عرف الحزن،وأخطأ كما أصاب،وانكسر ثم جمع شظاياه ونهض،وحلم كثيرا ثم اصطدم بجدران الواقع، وكتب لا لأنه كان يملك كل الإجابات،وإنما لأنه كان يقضي عمره في البحث عنها..( الكاتب )

يا ابنتي..
أكتب إليك من خريف العمر،من ذلك الفصل الهادئ الذي تتساقط فيه أوراق الأيام دون ضجيج،ويبدأ الإنسان،على مهل،في النظر إلى الوراء أكثر مما ينظر إلى الأمام.
أكتب إليك وأنا أشعر أن العمر،مهما طال،ليس إلا طريقا نمشيه حتى نصل إلى آخره،فنلتفت خلفنا لنتفقد الوجوه التي أحببناها،والأيدي التي أمسكت بنا، والأحلام التي عاشت معنا ثم غادرت قبلنا.
لا أكتب إليك لأثقل قلبك بحزن أبيك،ولا لأستدر من عينيك دمعة،وإنما أكتب لأن هناك كلمات قد يؤجلها الإنسان طويلا،ثم يكتشف ذات مساء أن الوقت لم يعد كريما بما يكفي ليقولها.
حين كنت صغيرة،كنت أظن أن الأب جدار لا يتصدع،ويد لا ترتجف،وصوتا لا يخفت،وظهرا لا ينحني مهما أثقلته الحياة.
كنت أراك تكبرين أمام عيني،فأشعر أن العمر ما زال في بدايته،وأن أمامي من السنوات ما يكفي لأظل واقفا بينك وبين العالم،أصد عنك ما استطعت من الريح،وأزيح من طريقك ما استطعت من الأشواك.
لكنني اليوم،وأنا أقترب من خريف العمر،أدرك ما لم أكن أدركه وأنا في ريعان القوة: أن الآباء يتعبون أيضا،وأن الجدران،مهما بدت صلبة،يأتي عليها يوم تحتاج فيه إلى جدار آخر يسندها،وأن اليد التي أمسكت بيد ابنتها في خطواتها الأولى، قد ترتجف يوما وهي تبحث عن يد صغيرة كانت ذات يوم تستمد قوتها منها.
يا ابنتي..
إذا رأيت في عيني شيئا من التعب،فلا تظني أنني أطلب منك المستحيل.يكفيني أن تتذكري أن هذا الرجل الذي يقف اليوم على عتبة الخريف،أمضى أجمل سنوات عمره يحاول أن يفتح لك الطريق، وأن يحمي خطاك من عثرات كثيرة،وأن يصنع لك من قلبه،ما استطاع،بيتا لا تهزمه العواصف.
فإذا استطعتِ،حين أضعف،أن تكوني قريبة من قلبي،فافعلي.وإذا حالت بيننا المسافات،فلا تجعلي الغياب يمحو أبي من ذاكرتك.تذكري أن بعض الآباء لا يحتاجون إلى كثير من الكلام،يكفيهم أن يعرفوا أن أبناءهم بخير.
واقرئي كتبي يا ابنتي..
اقرئي كل ما خطه قلمي عبر محطات العمر. ستجدين بين السطور رجلا عرف الفرح كما عرف الحزن،وأخطأ كما أصاب،وانكسر ثم جمع شظاياه ونهض،وحلم كثيرا ثم اصطدم بجدران الواقع، وكتب لا لأنه كان يملك كل الإجابات،وإنما لأنه كان يقضي عمره في البحث عنها.
ستجدين في كتبي شيئًا مني،بعض روحي،وبعض قلقي،وبعض أحلامي التي لم تجد طريقها إلى النور.ستجدين رجلا ترك شيئا من قلبه على الورق، حتى لا يأخذه الموت كله حين يأتي.
اقرئي ما كتبت،لا لتقدسي كلماتي،ولا لتظني أن أباك كان حكيمًا طوال الوقت،بل لتعرفي الإنسان الذي كان يسكن خلفها.ستجدين آثار الطريق الذي قطعته،وستعرفين أن الحياة لا تمنح حكمتها مجانا،وأن بعض البصيرة لا تولد إلا بعد وجع طويل،وأن الإنسان لا يصبح أكثر حكمة لأنه عاش طويلا،بل لأنه تألم طويلا،وتأمل طويلا،وتعلم أن يحوّل خساراته إلى دروس،وانكساراته إلى نور.
تعظي يا ابنتي بما رأيت وعشت..
لا تكرري أخطاء أبيك،ولا تظني أن عليك أن تسلكي الطريق نفسه كي تعرفي أين تكمن الحفر. يكفي أن تقرئي آثار أقدام من سبقوك.فالحكمة ليست أن نعيش كل شيء بأنفسنا،وإنما أن نتعلم أيضا من أعمار الآخرين،وأن نأخذ من تجاربهم ما يحمينا من السقوط في الحفر ذاتها.
وأنت،وراء البحار،في أرض بعيدة،حيث تتسع المسافات ويضيق أحيانا صدر الغريب،تذكري أن العالم ليس دائما كما يبدو من بعيد.ستجدين هناك وجوها كثيرة،لكن ليس كل وجه صديقا، وستسيرين بين الناس طويلا،وقد لا تجدين من يفهم صمتك حين تتعبين،ولا من يعرف من ارتجاف عينيك أنك تخفين وراء ابتسامتك ألف حكاية.
لذلك،حافظي على نفسك يا ابنتي.
احفظي قلبك من الذين لا يعرفون قيمته،ولا تمنحي ثقتك إلا لمن يستحقها.كوني قوية،لكن لا تسمحي للقسوة أن تسكن روحك.كوني طيبة،لكن لا تجعلي من طيبتك بابًا يعبر منه العابثون. احلمي،لكن لا تجعلي أحلامك تعميك عن حقيقة الطريق..سامحي،لكن لا تنسي الدروس.
أحبّي،لكن لا تضيعي نفسك في حب لا يعرف كيف يحفظك.
وإذا اشتدت عليك الغربة،فتذكري أن لك بيتا ينتظرك،وأبا يذكرك في دعائه،وقلبا،مهما أنهكته السنون،لا يزال يخفق كلما سمع اسمك.
يا ابنتي..
لا أريد منك أن تحملي هم خريف عمري.لكل إنسان خريفه الذي لا مفر منه،ولكل روح موعدها مع آخر الفصول.
كل ما أريده أن تتذكري أن الأب الذي كان يمسك يدك وأنت تخطين خطواتك الأولى،قد يأتي عليه يوم يحتاج فيه إلى يد ابنته،ولو كانت بعيدة وراء البحار.
وإذا عدت يوما،فلا تسأليني كم بقي من العمر..
اجلسي إلى جواري فقط.
دعينا نتحدث عن كل شيء،عن الطريق الذي مشيناه،وعن الأيام التي عبرت بنا ثم مضت،وعن الكتب التي تركتها لك،وعن الكلمات التي عجزت عن قولها في وقتها،وعن أشياء كثيرة خبأها القلب لأنه لم يجد لها الوقت المناسب.
فأنا لا أترك لك كتبًا فقط يا ابنتي،بل أترك لك عمرا كاملا مكتوبا بين السطور..أترك لك شيئا من روحي،وبعضا من تجاربي،وأثرا من رجل حاول، طوال حياته،أن يكون لك طريقا آمنا في عالم كثير المتاهات.
وإذا كان العمر كتابا،فقد بلغت أنا فصوله الأخيرة، وما أرجوه منك أن تقرئي هذا الكتاب بقلبك قبل عينيك،وأن تحفظي من صفحاته ما ينفعك حين تشتد بك الحياة.
وحين تأخذك الطرق البعيدة وراء البحار،تذكري أن الطريق قد يكون طويلا،وأن الغربة قد تكون قاسية،وأن الإنسان قد يمشي بين آلاف البشر وهو يشعر بأنه وحيد،لكن دعاء الأب يظل رفيقا لا تراه العين،ومحبة القلب الصادقة لا تعبرها البحار ولا تطويها المسافات ولا يهزمها الزمن.
وإذا كانت لي وصية أخيرة أضعها بين يديك،فهي أن تحافظي على نفسك..
فأنت أجمل ما بقي لي من العمر.
وفي النهاية،يا ابنتي،تذكري أن البحار،مهما اتسعت،لا تستطيع أن تفصل قلبا عن قلب،وأن الغربة،مهما اشتدت،لا تستطيع أن تطفئ نور الدعاء.فإذا أثقلتك الحياة يوما،وإذا شعرتِ أنك تمشين وحدك في طريق لا تعرفين نهايته، فتذكري أبا يقف على عتبة خريفه،لا يطلب من الدنيا شيئا،ولا منك شيئا،سوى أن تظلي بخير.
فذلك،يا ابنتي،كل ما يتمناه قلب أب أدرك متأخرا أن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس مالا يُورث، ولا جاها يزول،ولا اسما تبتلعه الأيام،وإنما أثر طيب يسكن في قلب من أحبهم،وكلمة تظل حية بعد غيابه،ودعاء يصعد إلى السماء كلما مر اسمه في الذاكرة.
سلاما عليك يوم ولدتِ،فكان ميلادك ميلادا آخر لقلبي..
وسلاما عليك يوم كبرتِ،فكبر معك خوفي عليك، وكبرت معه أمنيتي أن أراك بخير…
وسلاما عليك يوم ابتعدتِ،فتعلمتُ أن بعض المسافات لا تُقاس بالبحار،بل بما يتركه الغياب في القلب..
وسلاما عليك يوم حملتِ،دون أن تدري،شيئا من وجعي،حين نالت مني المواجع حتى نخاع العظم، فكنتِ أنتِ،دون أن تعرفي،بعض عزائي،وبعض نجاتي،وبعض النور الذي أبقاني واقفا في وجه الليالي العاصفات.
فإن جاء يوم ولم تجدي أباك في مكانه المعتاد، فلا تبحثي عنه كثيرا..
ستجدينني في كتاب تركته لك،في جملة كتبتها ذات مساء،في دعاء صعد من قلبي لأجلك،وفي كل طريق آمن تمنيت أن تمشيه.
وحين تقرئينني بعد الغياب،لا تبكي طويلا يا ابنتي..
يكفيني أن تبتسمي وتهمسي:
كان أبي هنا..
وكان يحبني بما يكفي ليترك لي من قلبه وطنا، كلما أتعبتني الغربة،عدت إليه.