
العلاقة بين الفلسفة والنقد :النص بين التاويل الفلسفي والقراءة النقدية|جليلة المازني
كاتبة وناقدة |تونسية
مقال بحثي نقدي
ندوة من تنظيم ” أكادمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي (وحدة الدراسات الفلسفية)
بتاريخ 27/ 07/ 2026.
إدارة الندوة: د. آمال بوحرب (تونس)
الناقدة جليلة المازني (ضيفة من تونس)
* العلاقة بين الفلسفة والنقد (1) هي علاقة تلازم وتكامل:
– النقد روح الفلسفة وجوهرها.
– الفلسفة سند النقد واساسه النظري.
* النص بين التأويل الفلسفي والقراءة النقدية (2):
يتحرك النص بين التاويل الفلسفي والقراءة النقدية في مساحة اتصال وتوتر:
– التاويل الفلسفي يبحث عن المعنى الكلي وجذور الوجود من خلال علم التأويل (الهرمنيو طيقا).
– القراءة النقدية تشتغل على تفكيك البناء الداخلي للنص وضبط اليات اشتغاله النصية والجمالية ليصبح النص وسيطا حيا بين افق الفيلسوف وقارئه:
أ- أبعاد التأويل الفلسفي:
– البحث عن المعنى العميق: يتجاوز الحرف الظاهر الى دلالات الوجود الكبرى.
– انفتاح الدلالة: يرى ان النصوص لا تغلق على معنى واحد بل تتسع لاحتمالات فهم متجددة.
– مساءلة الوعي: يحول النص الى أداة لفهم الذات الإنسانية وعلاقتها بالعالم.
– تغيير الواقع: ينتقل النقد الفلسفي من مجرد التأمل النظري الى تقييم المجتمعات والأخلاق بهدف الإصلاح والتغييرلا الفهم فقط (دور الفلاسفة في عصر الأنوار بأروبا وتحديدا بفرنسا في القرن الثامن عشر والذي يسمّى بعصر الفلاسفة).
ب – آليات القراءة النقدية:
– الفحص الهيكلي: تحليل البنيات اللغوية والاسلوبية داخل النص بدقة.
– المساءلة المنهجية: اخضاع النص لادوات تقويم واختبار صارمة.
– انتاج المقروء: جعل القراءة فعلا تفاعليا يولد دلالة واقعية وملموسة .
ج- نقاط التقاطع والاختلاف:
– الغاية: الفلسفة تغوص في الابعاد المعرفية والوجودية.
– القراءة النقدية تمنح الفلسفة الانضباط النصي وتمنع تفكك المعنى في الفراغ
– تلتقي المقاربتان عند نقطة انتاج المعنى وتجديد قراءة التراث والابداع.
وكلاهما يعتمد على السؤال والشك والبحث عن الحقيقة:
وفي هذا الإطار قد يتدخل المتلقي متسائلا:
1- كيف يمكن للناقد في ممارسته النقدية ان يتعامل مع جدلية المؤلف”قصد النص”حين يتعارض المنظور التأويلي المنفتح مع بعض الضوابط التي يفرضها النسق الداخلي للنص أوسياقه الثقافي؟
* التعامل مع تعارض التأويل المنفتح مع ضوابط النص وسياقه يحتاج الى توازن دقيق بين حرية القارئ وصرامة البنية النصية.
يضمن هذا التوازن قراءة واعية تحترم النص ولا تقيده بمعنى واحد جامد وفي نفس الوقت لا تقع في الفوضى التأويلية
* آليات التعامل مع التعارض التأويلي:
– الاعتراف بسلطة النص: يضع النسق الداخلي للنص حدودا مقبولة للتأويل مما يمنع انزلاق المعنى الى ما لا يحتمله السياق اللغوي او الدلالي.
– المرونة السياقية: يتسع السياق الثقافي لتأويلات جديدة اذا تفاعل القارئ بوعي مع التحولات التاريخية والمعرفية دون إسقاط تعسفي للمفاهيم المعاصرة.
– الحوارية لا الإلغاء: يقوم التأويل الناجح على حوار مستمر بين أفق القارئ وأفق النص(المسافة الجمالية حسب نظرية التلقي الألمانية لياوس وآيزر).
– تعدد المعاني المشروط: يقبل التعدد الدلالي طالما انه يتكئ على بنية النص الداخلية ولا يتناقض مع مقاصده الكلية أو سياقه التاريخي العام.
* حدود التأويل المقبول:
– القرائن الداخلية: تحكم بنية النص وقواعده اللغوية والنحوية نطاق التأويلات الممكنة وتستبعد الشطط.
– الأمانة التاريخية: يراعي السياق الثقافي شروط انتاج النص لكي لا يتحول التأويل الى استنطاق النص بما لم يقل.
– الضبط النقدي: يضع النقد الأدبي معايير لتمييز التأويل المنتج عن التأويل المزيف والمشوّه لبنية النص. (راي الناقد بول ريكور)
2- ما المعايير التي يعتمدها الناقد للتمييز بين “التأويل المنتج” الذي يحيي النص ويكشف إمكاناته الدلالية و”التأويل المتعسف” الذي يحمّل النص ما لا يحتمل خاصة في ضوء النظريات الحديثة للقراءة والتلقي؟
* تعريف المصطلحين:
– التاويل المنتج ( أو الصحيح): هو فهم علمي منضبط يبني المعاني على قواعد اللغة وأدلة صحيحة.
– التأويل المتعسف:(أو الفاسد): هو ليُّ أعناق النصوص لكي توافق أهواء المؤول دون سند أو قرينة مقبولة (قد تقع” أدلجة ” النص وتأويله وفق أيديولوجيا لا تمتّ له بصلة).
*معايير التاويل (3):
+ معايير التأويل المنتج (الصحيح):
– احتمال اللفظ: ان يدعم لسان العرب وقواعد اللغة المعنى الجديد الذي صار اليه النص.
– وجود الدليل: أن يستند الى برهان أو قرينة قوية وراجحة دون الظاهر.
– عدم التعارض: ألا يصطدم المعنى المؤول بنصوص قطعية أو أصول ثابتة لا تقبل التغيير.
– خدمة المقصد: أن يحافظ الفهم على مقاصد المشرع العامة وحكمة التشريع.
+ معايير التاويل المتعسف (او الفاسد):
– غياب القرينة: الاعتماد على الوهم او التشابه البعيد دون دليل يثبت صحة العدول عن الظاهر.
– مخالفة اللسان: إجبار الكلمة على قبول معنى تأباه قواعد اللغة وعرف الاستعمال.
– خدمة الهوي:تطويع النص لخدمة مذهب أو فكرة مسبقة قسرا.
3- كيف ينظر الناقد الى مفهوم “مقاومة النص” للقارئ؟
هل يعتقد الناقد أن النص الأدبي “الكبير” هو الذي يحتفظ دائما بقدرته على إرباك أدوات الناقد وإعادة تشكيل أفق التأويل بحيث يظل منتجا لمعان جديدة مع كل قراءة؟
أ- مفهوم مقاومة النص للقارئ:
يقصد به قدرة العمل الادبي أو الفكري على رفض الاستهلاك السهل وممانعة محاولات القارئ لاختزال معناه أو السيطرة عليه.
ينظر الى هذه المقاومة باعتبارها دعوة لتحويل القراءة من مجرد تلقّ سلبي الى ممارسة إبداعية مشتركة في صناعة الدلالة.
ب- أبعاد مقاومة النص للقارئ (4):
– الدفاع عن التعددية: يرفض النص المنغلق على المعنى الواحد ويستخدم الغموض والتعقيد البنيوي كاداة لحماية ثرائه الدلالي أمام القراءات السطحية (رفض محاكاة النص).
– تحدي التوقعات: يكسر النص أفق انتظارات القارئ وعاداته الذهنية المألوفة مما يدفعه لمراجعة أفكاره ومعتقداته السابقة:
كلما كانت “المسافة الجمالية” كبيرة بين أفق توقعات المتلقي وأفق النص كلما ازداد تأمل المتلقي في النص وفي تأويله حسب نظرية التلقي الحديثة.
– التحول الى مختبر معرفي: يجبر النص القارئ على خوض مغامرة تأويلية شاقة تتطلب جهدا عقليا وجماليا لفك شفراته.(رولان بارت/ امبرتو ايكو).
4- في ظل التحولات التي عرفتها نظريات التأويل والنقد المعاصر هل مازال بالإمكان الحديث عن قراءة أكثر مشروعية من غيرها؟
أم أن تعدد القراءات أصبح سمة جوهرية للنص الأدبي؟ أين يكمن رسم الحد الفاصل بين التاويل المنتج للنص والتأويل الذي يغادره الى إسقاطات خارجية؟
* مفهوم نظرية التأويل والنقد المعاصر حسب “بول ريكور”(5):
تعدّ نظرية التأويل (الهرمنيوطيقا) كما ورد” بمؤسسة مؤمنون بلا حدود” عند الفيلسوف الفرنسي”بول ريكور” مشروعا فكريا واسعا يهدف الى فهم الخطاب البشري والنصوص المكتوبة..يدمج ريكور بين الفهم (الإحساس الداخلي بمعنى النص) والتفسير(التحليل البنيوي والموضوعي).ويرى ان النص بمجرد كتابته يستقل عن نية مؤلفه وينفتح على فائض من المعنى وعوالم جديدة يكتشفها القارئ من خلال:
+ الخطاب واللغة:
– تتحول اللغة عند ريكور من مجرد نظام لساني مجرد الى حدث حي وهو الخطاب.
-الخطاب ينجز في الزمن وله متكلم ويشير الى عالم معين.
– الكتابة تفصل النص عن كاتبه وتجعله قادرا على مخاطبة قراء من ثقافات مختلفة.
+ جدلية الفهم والتفسير:
– الفهم: هو الحدس الكلي المباشر لمعنى النص او الانفتاح على دلالته العميقة.
– التفسير: هو التحليل الموضوعي لبنية النص وعلاقاته الداخلية.
– يرفض ريكور الفصل بينهما ويعتبر ان الطريق الى الفهم الحقيقي يمر حتما عبر التفسير وكل تفسير يقود بدوره الى عمق جديد في الفهم.
+ استقلالية النص وفائض المعنى:
– موت المؤلف: النص لا يقاس بقصد المؤلف الحقيقي وقت الكتابة بل بما يقوله النص في ذاته.
– فائض المعنى: هو مصطلح نقدي فلسفي يعبر عن الدلالات الايحائية والرمزية التي تتجاوز الحرفية والقول المباشر للنص.
يولد هذا الفائض من تداخل الاستعارات والرموز ويمنح النصوص الأدبية والفنية عمقا متجددا وقدرة مستمرة على القراءة والتأويل .
النص المكتوب يمتلك طاقة دلالية تجعله قابلا لقراءات وتاويلات متعددة ومتجددة عبر التاريخ.
– التأويلات ليست متساوية او عبثية بل هي محكومة ببنية النص ذاتها التي تقبل او ترفض تأويلا معينا من خلال منطق التصديق.
+ عالم النص والذات:
– الهدف النهائي من تأويل النص ليس فقط معرفة ما يقوله بل فهم الذات أمام النص.
– النص يفتح عالما ممكنا أمام القارئ مما يعيد تشكيل هويته ويزوده بإمكانات جديدة للوجود والتخيل.
وفي هذا الاطار يبدو أن السمة الأساسية لتأويل النص الادبي هي الاختلاف والتباين فالنص الواحد له تأويلات وقراءات متعددة دون الاهتمام بقصدية المؤلف الذي قد يكون كتبه وفق ثقافة سائدة في عصره والناقد وفق فائض المعنى قد يضفي عليها طابع العصر حين يستند الى المسكوت عنه في النص.
واختم لأقول متسائلة :
-هل أن علاقة الفلسفة بالنقد هي نفس علاقة الفلسفة بنقد النقد؟
– اذا كان النقد هو روح الفلسفة وجوهرها و الفلسفة سند النقد وأساسه النظري.
فمن سيقيّم مدى حيوية هذه الروح؟
– من سيقيم التمييز بين التأويل المنتج والتأويل المتعسف؟
– من سيقيم مدى استجابة التأويل المنتج للمعايير المطلوبة وغيابها بالتأويل المتعسف؟
– من سيقيم مدى مقاومة النص للقارئ؟
من سيقيم ان نصا ما يتسم بتعدد القراءات ويفتح عالما ممكنا أمام القارئ يعيد تشكيل هويته ويزوده بإمكانات جديدة للوجود والتخيل؟
وفي هذا الاطار يمكن الوقوف على:
أ- طبيعة العلاقة بين الفلسفة ونقد النقد (6):
– الفلسفة جوهر النقد: التفكير الفلسفي بطبيعته تفكير نقدي يرفض الوثوقية ويبحث عن الجذور
– نقد النقد كفلسفة ثانية: هو مساءلة أدوات الناقد ومعايير اشتغاله لا الحكم على النص بل الحكم على طريقة الحكم نفسه.
– تفكيك المرجعيات: يعتمد نقد النقد على اليات فلسفية لتفكيك الخلفيات الفكرية الكامنة خلف الخطابات النقدي
ة
ب- ابعاد التقاطع:
– البعد المنهجي : الفلسفة تمد النقد بالقواعد المنطقية ونقد النقد يتأكد من سلامة تطبيق تلك القواعد.
-البعد المعرفي: تجديد طاقة العقل البشري في إصدار الأحكام ومعرفة ما اذا كان النقد محقا في نتائجه.
– التجديد المستمر: منع الجمود النقدي عبر إعادة النظر الدائمة في المفاهيم والمصطلحات المستعملة.
وخلاصة القول من سيقيم أبعاد التأويل الفلسفي المستخدمة في النقد الادبي فيما يتعلق ب:
– البحث عن المعنى العميق: يتجاوز الحرف الظاهر الى دلالات الوجود الكبرى.
– انفتاح الدلالة: يرى ان النصوص لا تغلق على معنى واحد بل تتسع لاحتمالات فهم متجددة.
– مساءلة الوعي: يحول النص الى أداة لفهم الذات الإنسانية وعلاقتها بالعالم.
انه نقد النقد باعتباره فلسفة ثانية يرتقي بالتأويل الفلسفي لينصفه ويجعل من استخداماته هي الأعلى.
بقلم الناقدة التونسية: جليلة المازني.
المراجع:
(1) الفلسفة والنقد الادبي.. تحليل الابداع وجمالياته – جريدة القدس- 15 ديسمبر 2024
(2) التاويل بين الأصل الفلسفي والبعد النقدي-
CERIST- ASJP
(3) مفهوم التاويل في فهم الحديث النبوي -مجلد 1- ص(4) المبحث الأول.
(4) عن الممانعة النصية او الكتاب الذي يرفض ان يقرا” مجلة المجلة-09 فيفري2026
(5) نظرية التاويل : الخطاب وفائض المعنى- المؤلف: “بول ريكور”..20 جانفي 2026 المترجم سعيد الغانمي.
(6) دور الفلسفة في التفكير النقدي وحل المشكلات- 07 يوليو 2024
Planksip







