
قراءة انطباعية في رواية(مختلف) للروائي الدكتور أشرف مسمار| سيدة بن جازية
كاتبة وناقدة|تونسية
” بين العلم والأدب أواصر ترابط يمتّنها المجتمع ”
الرواية أثر مختلف ليس للتسلية أو التسويق التجاري بل شفاء من علل الذات والروح والمجتمع و الهشاشة ، كتاب يرج الواقع، يخلخل الزيف و الطبقة المخملية، يطلق صرخة صامتة يحملها أثير الحروف و ومخاوف الطبيب الإنسان.
رواية تحمل بين طياتها أسرار العالم و مؤامراته لوأد الأصفياء والبسطاء… أخرجت المتوحد في أبهى حلله، حاملا طاقات إيجابية بناءة…
ندخل عالم الدراما مشدوهين من فعل التعرية لسوءات البشر الآثم.
قراءة في العنوان؛ ” مختلف ”
ورد العنوان مفردة نكرة على وزن مفتعل / صيغته الصرفية اسم فاعل مشتق من فعل مزيد بحرفين ” اختلف ”
معنى الفعل مع الوزن ” المشاركة ” أو الاشتراك كيف لا يكون ذلك وأصله المجرد الجذر (خ. ل. ف) ولا تكون الخلافة والمخالفة والتخالف والاختلاف إلا بين اثنين فأكثر.
إذا العنوان يدخل الجميع في شرك المبحث لنطرح سؤال من المختلف نحن أم هم أم أنت أم أنتم؟
الأقلية تختلف عن الأغلبية أم العكس؟
لم يهتم الكاتب بالأفراد بل بالقضية المطروحة “الاختلاف ” لكن قلنا أن صيغة هذه المفردة اسم فاعل يعني هو يهتم بالمختلف من الداخل ثم ينفتح على الآخر/ الخارج الذي بدوره مختلف عمن يحمل عوارض الاختلاف.
العنوان يميز ويخصص فئة معينة من المجتمع وهذا التمييز يحير القارئ، يشده و يحرك هواجسه و مواقفه المسلمة، لذلك أراه عنوانا مميزا يعبر عن شكل الأثر و مضمونه . منحاه المتشاطر بين العلم والأدب بين الأخلاق والمجتمع…
مختلف هو مبحث الإنسان الواعي صاحب المبدأ والرسالة النبيلة ليخلف الله في الأرض.
لا يمكن كتابة قراءة في العنوان إلا بعد إنهاء القراءة بل وإعادتها لنتمكن من فك الطلسم وشفرات الربط بين النص والمبدع. ونبحث لنا عن موقع بينهما دون محاباة.
المختلف، في أي مجال يكون هذا الاختلاف ؟ ربما مجال الحياة ، العمل ، التواصل، الحب، الأمل …لكن يكمن التواصل والتشارك كان ما كان مجال الاختلاف، فالاختلاف سنة من سنن الله وفي الاختلاف رحمة! لكن هل فعلا يعطي الإنسان اخاه المختلف الحق في الاختلاف ؟ بل الحق في الحياة؟
فالطب قال كلمته ” الإجهاض ” و البعض رفض وجوده علنا لكن!!!
أ يتعايش ويتواصل معا بسلام..بالطبع الأغلبية ستقول نعم بعد تبني فكرة الكاتب لكن الواقع يفرض علينا أن نتساءل أو نسأل الآخر المختلف أو لنقل بتلقائية أننا لم نتعود قبول المختلف في المجتمع البشري لذلك ظهر التنمر والهمز واللمز والنميمة وظهرت الآيات المتوعدةوالمتهددة لكل همزة لمزة والجميل في الرواية دعوة الطبيب الإنسان الفنان المبدع الأديب البشر لقبول الآخر المختلف ولمراعاة مشاعره وخصوصياته ومشاعر أسرته وبيئته ومثل ما رفض إبليس السجود لآدم، رفض آدم قبول المختلف فخصه بأسماء إقصائية؛ طفل التوحد/ ذوي الهمم / المعوق /أصحاب متلازمة داون /حامل للإعاقة / متخلف ذهنيا ….كان يمكن إذا أن ننصت إلى تصنيفات مختلف عن البقية فمن منا لا يحمل اختلافا ومن منا لم يرتكب إثم هذه التصنيفات الاجتماعية أو الطبية…فقول طفل التوحد يقابله طفل اجتماعي ! أو كائن اجتماعي /وطفل مريض يقابله طفل سليم ومع كل تقدم تتالت تصنيفات إقصائية في عدة مجالات لكن الحلول تبقى محدودة مرتبطة بمدى قبول المختلف والعقليات والثقافات الأخرى فحتى الحاضن للطفل المختلف في حد ذاته مختلف لذا ندعو مع الكاتب بقبول الجميع كما هم فيتواصلون كما حباهم الله من قدرات وطاقات ونسعى جميعا لإلغاء الفكر الإقصائي…
قراءة في الإهداء
” هذا الكتاب مهدى لي ولك..فكلانا مختلف في زمكان ما أو في وجهة نظر أحدهم…”
كذلك فهمنا أننا كلنا نحمل اختلافاتنا ونحمل فينا رفضا أو قبولا ظاهريا أو ضمنيا …
إهداء يضع القارئ في إطار الفاعل المشارك للأحداث , شخصية خفية يستدرجها الكاتب ويقدم لها أدوارا مرة نتقنها و مرة نستهجنها وهذه ضمن حبكة الكاتب الدرامية قبل ولوج عالم النص الداخلي . فالإهداء قام مقام تذكرة عبور أو صك غفران لنتطهر من آثام الموروث الشعبي الإقصائي .
فالكاتب يبحث عن طريقة لإقناع قارئه بضرورة الإيمان بقبول المختلف حسب درجة اختلافه، لماذا هذا الإهداء؟
وكأن الكاتب يستجدي قارئه كي يتعاطف مع الفكرة ويقبل هذا القص ويحمل عنه الرسالة كرسالة إنسانية نبيلة
فالكاتب يحمل معاناة المختلفين من موقعه العملي والإنساني وقد خص من بينهم المتوحدين أو حاملي طيف التوحد و يتكلم على لسانهم كي يأخذوا حقهم في الحياة الطبيعية البسيطة . .. باعتبارهم يلتزمون الصمت والعزلة تلقائيا منسجمين مع عالمهم الداخلي.
قراءة في البناء :
الرواية رواية قصيرة، تتنامى فيها الأحداث وفق فصول معدودة
يعتمد الراوي تقنية الفلاش باك من عالم مختلف منفتح على النخبة و صناع القرارات السياسية والاقتصادية والفنية والأخلاقية (في دافوس)إلى العالم المنغلق على الحياة الأسرية، حياة جواد و سوزان بما جمعهما من فن وهندسة ومال وجاه وحب ورومانسية وتفهم عميق لمفهوم الحياة و النضج والتواصل وحمل مسؤولية و رسالة خلافة الله في الأرض رغم التشوهات و الهواجس… هي رواية التحديات الجمعية والعمق.
الرواية مبنية على الحب المؤسس لمفهوم جديد ونبيل حب الحياة والتضحية والمسؤولية عودة بالقارئ من الزخم والفوضى والزيف إلى الصدق والحب والصفاء تجسيدا للقيم الإنسانية وكأنها قصة عودة آدم وحواء إلى الثنائية والتوحد المقدس بعيدا عن دنس هذه السلالات المتناكبة عن إبليس وذويه. (في دافوس التي افتتح بها القص) هي عودة على بدء كما شاءها الكاتب الطبيب للعلاج من الإنية والأنانية والتناحر فهل يكمن العلاج في هذه الوصفة الأدبية الشيقة؟
هو نحت لمدينة فاضلة بطريقة فنية بعد توغل الوحشية والإقصائية. دعوة لقبول المختلف و الابتعاد عن تقديس التماثيل المنحوتة على مقاسات رأسمالية فتاكة ، يعتمد تقنية الفلاش باك و السرد الاسترجاعي والارتداد الزمني والنفسي بكسر المنطق الاجتماعي والفيزيائي ليخلق عالما مثاليا ثم تتداعى الذاكرة إلى أمكنة مختلفة من العالم فلم يرد سرده ملتزماً بمكان ما ، كل مكان مرتبط بومضات زمنية مختلفة؛ دافوس،برشلونة، كنيسة السيغرادا فاميليا… لبنان…
صخب من المدن والملاهي والأنوار و الألوان والأشكال والموسيقى تزين هذا العصر المادي البحت.
يبني ذاك العالم لينبثق منه حيان أو ليكشف أن حيرام هو ” حيان” الطفل الحامل لمتلازمة سيبرجر أو طيف من التوحد أو اضطرابات سلوكية أو طفرة جينية .
يتداعى لينسل من طفل التوحد طفل” داوني ”
وبذلك يخرج تدريجيا من أرحب الفضاءات الراقية إلى أضيق الأمكنة التي تتسع للمختلف بعيدا عن إحراجات المحتمع الزائف أخلاقيا.
البناء الهندسي للرواية يعتمد التقابل : بين العوالم الرحبة والوجود الضيق، بين الصخب والسكون …عوالم متصارعة تحرك البناء الدرامي،
داخل الرواية حيان عالمه الداخلي الصدق والصفاء يصارع عالم دافوس و في دافوس صراع بين الطبيعيين والمزيفين والمنافقين والمتصنعين… عالم إقصائي انتهازي بامتياز.
صراع بين الكاتب /, الطبيب حيث لم ينجح الدكتور في إخفاء شخصيته لأنه حاول أن يحافظ على صدق المعلومة الطبية (وقد وددت أن يتقمص دورا ويوثق ذاته ومهنته في فن الرواية فيكون أكثر تأثيرا في قارئه)
صراع لغة الطب مع لغة الفن / الأدب
صراع بين الشخصيات الأب /الأم تتقبل كليا طفلها تضحي من أجله لينبت إنباتا حسنا.
صراع الزوج والزوجة بين الواجب والمفروض و المأمول .
صراع حيان مع عالمه الخارجي
صراع الزمان المنفتح مع المؤقت
إذا بناء الرواية في هندسة تحاول تبسيط الفكرة و تجميلها للإقناع بالعودة إلى الأصل إلى الصدق و الصفاء من الخارج إلى الداخل من العام إلى الخاص فخاص الخاص، في وحدات تكعيبية لا يفهمها إلا من التزم العزلة والتفكير .
من اللا طبيعي إلى الطبيعي الشفاف وفي موقف آخر نراه نزل بالشخصيات من الفرح والمرح والبهرج و التصنع إلى الحقيقة عارية من كل زيف.
ومن معجم طبي فيه العلل والأمراض والتشوهات والتفسيرات حتى يترك لنا تساءلا عميقا ويبني حبكة قصصية متماسكة مشوقة وشادة ماذا يريد أن يبلغنا الكاتب؟ أن حياة النجومية والثراء وهم و زيف أم رفاه لا يصله إلا النخبة والأسوياء والمميزين ؟ فلا حياة لهم خاصة عندما حبس الأم وابنها المتوحد في شقة وانقطعا عن المجتمع المرفه، هذه المعاناة تجعل البعض يفهم أن التخلص من هذه الأجنة المشوهة رحمة بالأسرة والمجتمع رغم أنه عمل لا أخلاقي لتجنب الأسرة الشقاء والمعاناة والإقصاء خاصة عندما نجد مستقبل المتوحد قد أنجب داوني” صفا” حامل لمتلازمة خاصة وكأن هذه الفئة كتب عليها الشقاء وتوريث التشويه وإنجاب سلالة مشوهة إذا عمت كانت البديلة لعالم دافوس في المستقبل وبالتالي العودة للطبيعة والنقاء الذي لا يشعر به إلا البسطاء ومن اعتزل المجتمع الزائف. فيكون الصراع الخفي بين العالمين الداخلي والخارجي الذي عاشهما حيان كما حمله اسمه حي في عالمه الخاص و حي في عالم صاخب نجحت الأم في تأهيله بينما نجح الأب في إنماء نبوغه الهندسي.
فلمن الحياة للأقوى أم للأصدق؟ ربما يكون بين بداية الرواية ونهايتها جواب يصمت عنه الكاتب والقارئ لأنه غير قابل للتعميم و يبقى للجميع حق البقاء بكل اختلافات البشر والمكان والزمان و الأحداث.
الرواية حاملة لعدة رسائل فيها الإيجابي وفيها السلبي وربما لا يخدم رسالة الدكتور الداعمة للمختلف .
فهنا حيان وجد أسرة مختلفة راقية تتمسك بالأمل لأنه آخر فرصة للحصول على مولود باعتبار تأخر سن الزواج فوجد اما فنانة وأبا فنانا فتجاوز بنجاح اختلافه وبنى حياة مرموقة لكن ماذا عن المختلفين في الأحياء الشعبية والأرياف والمسحوقين تدهسهم الأقدام والأهل والأحباب والوقت نعم المختلف مختلف في كل شيء وفي هذه الرواية كان الاختلاف برجوازيا نموذجيا . فلماذا هذا الاختيار بالذات؟
تنطلق الرواية بزواج جواد وسوزان ثم حيان وتيريزا وانتهت بانبعاث صفا دون فكرة الزواج وكانها دائرة محكمة الغلق لتنتهي الحياة الثنائية وترتسم نهاية الكون الصادق فيحل الزيف .
فالإنسان في حاجة دائمة إلى الأنثى ليكون موجودا وإن لم يجد الأنثى يمحىي وجوده كأنه لم يكن لذا نسأل الكاتب لماذا توجه للطفل الحامل للمتلازمة ولم يخلق منه الأنثى وفي كلتا الحالتين جعل الراعي للمختلف أنثى سليمة. ليزيد تعميق معاناة الأنثى الواهبة للحياة و العطاء. وإن لم تكن الأسرة على هذا المستوى من الوعي والرقي كيف يكون مصير المختلف (المتوحد أو الداوني؟
وتبقى الرواية متأرجحة بين نموذج الرواية الكلاسيكية المحافظة على صورة البطل محور الأحداث المتصاعدة وبين نموذج الرواية المعاصرة التي تكرس البطل الحامل للهشاشة النفسية والقلق و التوتر ليعكس صورة الأزمات الإنسانية والصراعات النفسية…
بين هذا وذاك يجعل الكاتب رحلة البطل رحلة انتصار المختلف عن الآخرين في بحثه عن معنى الحياة وسط عالم متنافر.
قراءة تأويلية للأحداث:
يعيش جواد في عزله وصمت في مقهى راق في دافوس من تجمعه الأقدار و زوجه سوزان ابتدعها وانعكست صورتها في المرآة فكان الانجذاب الشكلي وانبعاث قصه حب فزواج ليعمر جنتهما بطفل مختلف يحمل طيف توحد ينغلق على نفسه وعالمه هو حيان من هنا يدخل بؤرة عالم المختلفين تقوده إلى ذلك سوزان التي تجتهد في تأهيله للمجتمع حتى يسقط من جنة الصمت والعزلة إلى الضجيج والفوضى والاختلاط فتبعث له تيريزا المنقذ الأنثوي الثاني لتولد نطفة حب خالص صفا هذا الصفاء الذي يحاول المجتمع تعكيره لأنه لا يعرف إلا الحب والصدق متمثلا في متلازمة داون…كيف يعيش كل المختلفين لا أحد يقول أن هناك وصفة خاصة، فهم يعيشون بطريقة مختلفة وينجبون بطريقة مختلفة فحيث الجمال والرفاهية ولد التشوه ثم رعاه هذا التشوه وسط الجمال والفن والذكاء وأنجب كذلك مختلفا آخر يجتهدان في التأقلم بين العالمين.
القضايا المطروحة :
تبدو متداخلة مدمجة،
الاغتراب : ذاك الشعور بعدم الانتماء إلى عالمنا (الأسرة، المجتمع، الأخلاق.. )
جواد كان صامتا مغتربا، حيان يعيش عالم الصدق و النقاء، صفا يعيش عالم الحب والطيبة…
الهوية : كيف نصنع تعريفا للذات؟ هل من خلال الأنا أم المجتمع أم ما نشعر به .
الكينونة الداخلية (النفسية / الروحية) بين تفرد الذات و التماهي المجتمعي
القضية الأخلاقية : كيف تبنى الأخلاق ومن يحددها وماهي أسسها؟
حاول الكاتب طرح قضاياه بما حاكه من أدوار لجواد المترف الفنان المهندس وسوزان التي دفعها قدرها لعشق بصري تولد منه نطفة الحبكة التصاعدية الأحادية بولادة حيان فيوجه كل آلياته وتقنياته لنصرة بطله المتوحد المختلف وفي خط ممتد يخلق شخصية صفا الداوني ليكون مخاض هوية المغترب في صراعه الداخلي والخارجي فتتقهقر الأخلاق وتحضر الأنثى كحامية لمصير هذه الكينونة المختلف.
بقلمه رسم الروائي عالما ورديا للمختلف لكنه لم يخف عنا فظاعات الواقع والحقيقة
قراءة في اللغة
لغة سلسة شفيفة منسابة متلثمة بالقاموس الطبي يحاول من خلالها الروائي جاهدا تقديم وصفات علاجية للجسد والروح مصححا بعض الأخطاء والمعتقدات، كما لا تخلو لغته من المعاجم السيااجتماعية و النقد اللاذع لزيف التقدم و وحشية الرأسمالية.
لغة حسية دقيقة مكثفة ليبرز مفهوما جديدا يثري المخزون الاجتماعي والفكري عن الاختلاف كمصدر للثراء والتنوع والكمال والجمال
بين روعة الوصف و فضح ممارسات ما خلف جمال العالم الذي نعيشه تظهر شخصية الروائي المؤمن برسالة المثقف و العالم تجاه وطنه وجنسه و أحلامه..
كشفت اللغة عن إنسانية الكاتب المبدع ونبل روحه الحالمة بالصفاء والسلام والطمأنينة مذكرا إيانا بالحلم الرومنطيقي بين فكي الواقع المرير.
ونختم بخلاصة أن الرواية وصفة علاجية من آثام المجتمع تجعلنا نعيد التفكير في مفهوم الاختلاف والصدق والحب والشفقة والفضل يعود للأديب المعالج و القلم الحر.
بورك القلم المبدع وجزيل الشكر والامتنان دكتور أشرف مسمار لمنحي فرصة ملامسة إبداعكم و قراءته واستنطاق، بواطنه .








