
أهازيج تبعث من جديد..مراكش تصغي لقلب المرأة المغربية | طارق الأسمر
كاتب وإعلامي| مغربي
على أرض الحمراء التي تُتقنُ فكّ شفرات الحكاية وتطريز التاريخ بالبهجة، لم تكن أيام يوليوز الثلاثة مجرد تقويمٍ عابر؛ بل كانت استدعاءً روحياً لمخزون الذاكرة الشفهية المغاربية. بين السادس عشر والثامن عشر من يوليوز، كانت مراكش على موعد مع تجلي الحضور النسائي، حين أطلقت “جمعية الإنماء للتنمية الثقافية والتربوية والاجتماعية”، بزعامة رئيساتها سعاد ازمير، الدورة التأسيسية لـ “مهرجان الأغاني التراثية النسائية”. تظاهرةٌ خُلقت لتكون جسراً بين وجدان الماضي وعيون الحاضر، تعيد للصوت النسائي قيمته المعنوية والفلسفية كحافظٍ أول للهوية الوطنية.

وفي مسرح الهواء الطلق بقطب المحاميد، لم تجتمع الفرق النسائية لتقدم نغماتٍ عابرة، بل لينبعث من خشبتها نسيجٌ حقيقي من الأهازيج والنقر الدقيق على طاسة الفخار والرق. تحول المسرح إلى ملاذٍ تتنفس فيه الأجيال الشابة رحيق “العيطة” وشجون “الحضرة” ودفء الإيقاعات السوسية والأطلسية، في لوحاتٍ حية تكسر صمت التهميش. لم يكن المهرجان مجرد منصة إمتاع بصري وسماعي، بل جاء كصرخة ثقافية ناعمة تُذكّر بأن وثائق التاريخ الأكثر صدقاً هي تلك التي صاغتها النساء في لحظات الفرح والغزل والحزن والابتهال.
ولأن التراث مجرةٌ تلتقي فيها الأرواح المخلصة، شهدت هذه التظاهرة لحظة وفاء رمزية تمثلت في تكريم الفنان أشرف أبو علي، رئيس “جمعية ولاد جيلالة”. جاء هذا الاحتفاء بالتعاون بين الجمعية والمجلس الجماعي لمراكش ومجلس مقاطعة المنارة وجمعية الأطلس الكبير، ليؤكد أن صيانة الموروث عملٌ تشاركي يتجاوز الفردانية. ولم يُخفِ المكرم غبطته بالانتماء لهذه اللبنة الأولى، مشيداً بالروح العفوية والإصرار النبيل لرئيسة الجمعية سعاد ازمير ورفيقتها مليكة شهرمان، اللتين قادتا المهرجان بقلبين يفيضان بالإخلاص والتجرد.

كما تثبت تجربة “مهرجان الأغاني التراثية النسائية” أن الفعل الجمعوي الميداني قادرٌ على انتشال الكنوز المنسية وإعادتها إلى الضوء دون مساس بروحها الخام. لقد راهنت سعاد ازمير على صوت المرأة كوثيقة جينية للهوية المغربية، فاتحةً الباب أمام الفرق التراثية لاستعادة مجدها المسرحي، ولتحويل المعرفة الشفهية إلى أثرٍ محميٍّ من الاندثار.

حيث صمتت إيقاعات قطب المحاميد وانفض السامر، لكن صدى الصرخات الفنية والأهازيج الرخيمة ما زال يتردد بين أزقة الحمراء. لقد وُلدت الحكاية من مراكش، متطلعةً إلى غدٍ يتسع ليشمل كافة زوايا المملكة وجهاتها، ليتكشف أن ما حدث لم يكن مجرد مهرجان إقليمي، بل نقطة انطلاق لملحمة وثائقية وسماعية تستحق أن تُكتب بأحرف من نور في سجل الثقافة المغربية …







