قصة الجنية|فايل المطاعني

كاتب وروائي|عماني

هذه القصة لفتاة رحلت عن الدنيا قبل أن يُطبع كتابي بشهر واحد. وقبل رحيلها قالت لي:
“اكتب قصتي، لتعلم المرأة أنها ليست ضلعًا أعوج، بل هي مصدر إلهام وقوة وعطاء.”
فكان هذا الإهداء:
إلى كل امرأة أعطت من قلبها الكثير، لكن القدر لم يمهلها لتُكمل رسالتها وعطاءها.
(أحداث هذه القصة واقعية، وقد توفيت صاحبة القصة قبل صدور الكتاب بشهر واحد. رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.)
عندما يجتمع عليك قسوة البشر وجفاء الحجر، فلا يبقى لك سوى رب السماء. هو وحده القادر على أن يرحمك حين يعجز الجميع عن فهمك، فالبشر قد يبيعون الرحمة بثمن، أما رحمة الله فلا تُشترى ولا تُمنح إلا بفضله.
ففي نظرهم لم أكن إنسانةً مثلهم، بل كنتُ “جنية”، والجنية في معتقداتهم مخلوق منبوذ لا مكان له بين البشر.
الفصل الأول
“مبارك… المولودة فتاة.”
كانت تلك أولى الكلمات التي استقبلت بها الدنيا، لكنها لم تكن بشارةً سعيدة في نظر والدي. فما إن علم أن مولوده الأول أنثى حتى اشتعل غضبًا، وغادر المنزل بعد أن ألقى على والدتي كلمة الطلاق دون تردد.
كان يؤمن بموروث قبلي قديم يقول إن البنت البكر إذا وُلدت أولًا فهي ممسوسة بالجن أو مرتبطة بعالمهم. وهكذا، ومنذ لحظة ميلادي، كُتب عليَّ أن أحمل لقبًا لم أختره لنفسي:
الجنية.
وإليكم قصتي…
أنا ريم صالح.
وُلدت في يوم عاصف؛ كانت الرياح تعوي بقوة، والغبار يملأ الأفق حتى إن المرء لا يكاد يرى ما أمامه. لذلك لم يتمكن والدي من نقل والدتي إلى المستشفى، إذ كانت أقرب مدينة تبعد عن قريتنا نحو خمسة وأربعين كيلومترًا.
تمت الولادة في المنزل على يد جارتنا، وخرجتُ إلى الحياة وسط تلك العاصفة الهوجاء.
لكن والدي لم يرَ في قدومي سوى خيبة أمل. فقد كان ينتظر ولدًا يحمل اسمه، وعندما علم أن المولود فتاة صرخ قائلًا:
“هذه ابنة الجن… هذه ممسوسة، لا أريدها.”
ثم غادر المنزل تاركًا خلفه أمًا مكسورة القلب وطفلة لم ترتكب ذنبًا سوى أنها وُلدت أنثى.
أصيبت والدتي بصدمة قاسية بعد طلاقها، خاصة أنها لم تكن تؤمن بتلك الخرافات والأساطير. لكنها كانت امرأة مؤمنة بقضاء الله وقدره، فكانت تردد دائمًا:
“الحمد لله على كل حال.”
وقد بقيت هذه العبارة ترافقني طوال حياتي، حتى أصبحت جزءًا من شخصيتي، ورثتها عن أمي كما يرث الأبناء ملامح وجوه آبائهم.
حاولت والدتي بكل ما أوتيت من قوة أن تحميني من كلمات الناس ونظراتهم القاسية. لكن كيف لطفلة أن تهرب من مجتمع قرر أن يمنحها هوية لم تخترها؟
كنت في أعينهم “الجنية”، واللقب يكبر معي عامًا بعد عام.
وبعد محاولات متكررة من أهل والدي وأهل والدتي، عاد والدي إلى المنزل على مضض، واستمرت الحياة بينهما لبعض الوقت. وخلال تلك السنوات رزقهما الله ثلاثة أبناء ذكور وابنتين.
لكن شيئًا لم يتغير في نظرته إليّ.
فقد ظل يعاملني وكأنني غريبة عن دمه، لا يراني ابنته، ولا يمنحني حنان الأب أو دفء العائلة. كنت أشعر دائمًا أن بيني وبينه جدارًا صامتًا لا يمكن هدمه.
ومع مرور الوقت، لم تشفع لوالدتي تضحياتها ولا إنجابها الأبناء الذكور الذين كان يتمناهم. انتهى الزواج بطلاق نهائي، وكأن كل ما قدمته لم يكن كافيًا.
لقد أدركت مبكرًا أن بعض الرجال يبحثون عن المبررات أكثر مما يبحثون عن الحلول، وأن الهروب من المسؤولية قد يرتدي أحيانًا ثوب الحكمة أو الرجولة.
أما أمي، فقد دفعت الثمن وحدها.
كان والدي يرى أن الرجولة تكمن في الإنجاب وإثبات الفحولة أمام الناس، ثم ترك الأبناء يواجهون الحياة بمفردهم.
وكان شعاره الدائم:
“علِّموا أنفسكم بأنفسكم، فالحياة هي المعلم الحقيقي.”
لكن الحياة علمتني شيئًا آخر…
علمتني أن القسوة قد تصنع إنسانًا قويًا، وأن الظلم لا يدوم، وأن الله حين يغلق بابًا يفتح أبوابًا أخرى لم تخطر على بال أحد.
معنى المفردة
قطر الندى: أميرة مصرية شهيرة، حفيدة أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية، وقد عُرفت بجمالها الفائق ومكانتها الرفيعة في التاريخ الإسلامي.