
أحت ملك (الملكة حملت مملكة في جهز عرسها)
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي|سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين عثرالمنقبون الاثريون في القصر الملكي بأوغاريت على الرقيم الفخاري رقم “RS 16.146 + 161” لم يكونوا أمام قائمةٍ عادية لمقتنيات زفاف عرس بل كانواْ أمام وثيقة سياسية واجتماعية واقتصادية نادرة تكشف جانباً خفياً من عالم البلاط الأوغاريتي في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
فالرقيم الذي يُحفظ اليوم في المتحف الوطني بدمشق يسجل بالتفصيل جهاز عرس الأميرة الأمورية “آحت ملك” عند انتقالها من مملكة أمورو إلى أوغاريت زوجةً للملك نقميبا.
ولعل أول ما يلفت النظر الى أن ترجمة النص لا يتحدث عن “هدايا زفاف” بالمعنى البسيط بل عن ثروةٍ ملكية كاملة انتقلت مع الأميرة.
فقد ضم الجهاز أثاثاً عاجياً فاخراً وأواني من الذهب والفضة والبرونز ومنسوجات ثمينة وصناديق للعطور والزينة إضافة إلى خدمٍ وممتلكات وموارد ذات قيمة كبيرة وقد رأى عدد من الباحثين أن هذه الوثيقة تمثل أحد أغنى أجهزة الزواج المعروفة في الشرق الأدنى القديم.
غير أن أهمية الرقيم لا تكمن في قيمة محتوياته فحسب بل فيما يكشفه عن شخصية صاحبته. “فآحت ملك” لم تكن امرأةً عابرة في تاريخ أوغاريت بل أميرة من الأسرة الحاكمة في أمورو، جرى زواجها في إطار تحالف سياسي بين المملكتين. والأهم من ذلك أنها استطاعت أن تحتفظ بنفوذها وثروتها حتى بعد وفاة زوجها، وأن تمارس دوراً سياسياً فاعلاً خلال حكم ابنها عميشتمرو الثاني. وتشير النصوص إلى أنها امتلكت أختاماً خاصة بها وأدارت أملاكاً وأراضي، وشاركت في قرارات تتعلق بشؤون الدولة والأسرة المالكة.
وتزداد صورة هذه المرأة فرادةً عندما نعلم أنها لعبت دوراً حاسماً في تثبيت ابنها على العرش بعد وفاة زوجها الملك “نقميبا.’
فالنصوص تذكر أنها واجهت صراعاً على الخلافة بين أبناء الأسرة الملكية واستطاعت بدعم السلطات الحثية في كركميش وحاتوشا أن تضمن انتقال الحكم إلى الملك “عميشتمرو الثاني ” إبنها الأثير وأن تُقصي الأمراء الذين عارضوا ذلك حتى انتهى بهم الأمر إلى المنفى في ألاشيا (قبرص).
ومن هنا يصبح جهاز العرس أكثر من قائمة مقتنيات .. إنه إعلان مبكر عن مكانة امرأة ستتحول لاحقاً إلى إحدى أقوى الملكات الأمهات في تاريخ أوغاريت. فالذهب والعاج والمنسوجات التي دخلت بها القصر الملكي لم تكن مجرد زينة بل كانت رمزاً للنفوذ والثروة والعلاقات السياسية التي حملتها معها من أمورو إلى أوغاريت. .
ومع ذلك تبقى “آحت ملك” لغزاً جميلاً من ألغاز أوغاريت. فنحن نعرف ما حملته معها إلى القصر ونعرف شيئاً من دورها في صناعة الملوك وحماية العرش .. لكننا لا نعرف صوتها ولا ملامحها ولا ما كانت تشعر به يوم غادرت أمورو نحو مملكة أوغاريت.. لقد حفظ الطين أسماء مقتنياتها لكنه أخفى الكثير من أسرار صاحبتها.
وهنا تكمن روعة أوغاريت فكل رقيم نقرأه يجيب عن سؤال لكنه يلد عشرات الأسئلة الأخرى. وما زالت المدينة التي أهدت العالم أول أبجدية كاملة تقريباً تحتفظ في باطنها بأسرار أكثر مما كشفت. وربما لهذا السبب وبعد سبعةٍ وتسعين عاماً من ضربة أول معولٍ بدآ في تل رأس شمرة.. ما زلنا لا نقرأ تاريخ أوغاريت فحسب بل نصغي إلى همسه الخارج من الطين.
“فآحت ملك” لم تترك لنا قصيدةً ولا تمثالاً يحمل ملامحها لكنها تركت رقيم جهاز عرسها… وكأنها أرادت أن تقول لنا بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت.. هنا مرّت ملكة وكان وراء هذا الذهب والعاج حكاية امرأة صنعت جزءاً من تاريخ مملكة أوغاريت خلال منتصف الألف الثاني قبل الميلاد قمة ازدهارها وعظمتها ..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎







