الأمير على عرش الأغنية الإنسانية |نبيل مصيلحي

كاتب وصحفي عضو اتحاد كتاب |مصر

هَذِهِ لَيْسَتِ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي أَكْتُبُ فِيهَا عَنِ المُطْرِبِ عِزِّ الدِّينِ الأَمِيرِ، الَّذِي اتَّخَذَ مِنَ الأُغْنِيَةِ الإِنْسَانِيَّةِ نَهْرًا مُتَدَفِّقًا لَا يَنْقَطِعُ عَطَاؤُهُ، يَرْوِي العَوَاطِفَ وَالأَحَاسِيسَ وَالمَشَاعِرَ الوِجْدَانِيَّةَ، بِمَا يُجَدِّدُ شُرُوقَهَا فِي عَيْنِ الحَيَاةِ.

وَكَثِيرًا مَا اتُّهِمَتِ الأُغْنِيَةُ الإِنْسَانِيَّةُ بِأَنَّهَا مُؤَطَّرَةٌ بِلَحْنٍ قَدْ لَا يَتَغَيَّرُ، لَكِنَّ عِزَّ الدِّينِ الأَمِيرِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُلْبِسَهَا الجَدِيدَ مِنَ اللَّحْنِ وَالمُوسِيقَى بِمَا يُوَاكِبُ العَصْرَ، فَتَخْرُجُ الأُغْنِيَةُ بِمُؤَثِّرَاتِ صَوْتِهِ الرَّخِيمِ المُعَبِّرِ الجَمِيلِ.

وَالَّذِي لَمَسْتُهُ أَنَّ عِزَّ الدِّينِ الأَمِيرِ يَكْتُبُ الكَثِيرَ مِنْ أَغَانِيهِ، وَيَعْرِفُ تَمَامًا لِمَنْ يُقَدِّمُ الأُغْنِيَةَ، وَهُوَ أَيْضًا لَمْ يُقَلِّدْ أَحَدًا مِمَّنْ سَبَقَهُ، بَلْ إِنَّهُ صَنَعَ لِذَاتِهِ مَدْرَسَةً.

وَالإِنْسَانِيَّةُ عِنْدَ المُطْرِبِ عِزِّ الدِّينِ الأَمِيرِ لَيْسَتْ شِعَارًا، بَلْ هِيَ دَمُ الأُغْنِيَةِ وَنَبْضُ قَلْبِهَا، وَصَوْتُ الآهِ وَالأَنِينِ، وَصَوْتُ المَظْلُومِ وَالمَحْرُومِ، وَصَوْتُ الحَزِينِ وَالسَّجِينِ، وَصَوْتُ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ، وَصَوْتُ الأَمَلِ الَّذِي يُجَلْجِلُ فِي أَعْمَاقِ الحَالِمِينَ. وَهُوَ يَعْرِفُ تَمَامًا أَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ لَا تَحُدُّهَا أَيُّ حُدُودٍ.

وَعِنْدَمَا تَسْمَعُ الأَمِيرَ، تَسْمَعُ إِنْسَانًا يُكَلِّمُكَ، وَيُهَدْهِدُ قَلْبَكَ، وَيَمْسَحُ العَرَقَ مِنْ جَبِينِكَ. صَوْتُهُ فِيهِ رَنَّةُ الحَنِينِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَلْبِ دِمَشْقَ الدَّافِئِ. لِذَا هُوَ نُسْخَةٌ جَدِيدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، وَتَجِيءُ شُهْرَتُهُ فِي رُبُوعِ سُورِيَا وَالوَطَنِ العَرَبِيِّ، حَامِلَةً رَايَةَ الأُغْنِيَةِ الهَادِفَةِ الَّتِي تُخَاطِبُ القُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ بِصِدْقِ الكَلِمَاتِ وَاللَّحْنِ وَالتَّعْبِيرِ؛ فَهُوَ يُخَاطِبُ القُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ قَبْلَ الأُذُنِ.

وَالجَمِيلُ أَنَّ عِزَّ الدِّينِ الأَمِيرِ غَنَّى لِشُعَرَاءَ مِنْ مِصْرَ، مِنْهُمُ الشَّاعِرُ رِضَا أَبُو الغَيْطِ. وَقَدْ غَنَّى لَنَا، نَحْنُ نَبِيلُ مُصَيْلِحِي، أُغْنِيَةَ «عِشْتِ يَا مِصْرُ»؛ لِيَقُولَ لِلْعَالَمِ إِنَّ الفَنَّ الحَقَّ جِسْرٌ لِلتَّوَاصُلِ بَيْنَ الشُّعُوبِ، وَأَنَّهُ الأَصْلُ لِلْحُبِّ وَالعِشْقِ. فَكَانَتْ «عِشْتِ يَا مِصْرُ» شَهَادَةَ حُبٍّ مِنْ مُطْرِبٍ يَعْرِفُ قَدْرَ أُمِّ الدُّنْيَا، فَغَنَّى لَهَا بِقَلْبِهِ قَبْلَ صَوْتِهِ.

إِنَّ عِزَّ الدِّينِ الأَمِيرِ لَمْ يَسْعَ إِلَى ضَجِيجِ المَهْرَجَانَاتِ، وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ الأَصَالَةَ وَشُمُوخَ الكَلِمَةِ وَاللَّحْنِ وَالمُوسِيقَى، الَّتِي تَجْتَمِعُ فِي بُوتَقَةِ الفَنِّ الجَمِيلِ الهَادِفِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ وَجَعِ النَّاسِ وَآلَامِهِمْ وَأَحْلَامِهِمْ، فَاسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ الأَمِيرَ.