أكاديمية جزائرية جامعة بوسكرة
المساء يهبط على الحيّ بطيئًا، كأنّه يعرف أنّ البيوت القديمة لا تحتمل الفراق دفعةً واحدة. النوافذ مغلقة، أبواب الخشب أنهكها الانتظار، والريح تعبث بستارة بقيت معلقة في نافذة لم يعد خلفها أحد. في آخر الزقاق مصباح أصفر يرتجف، وتحت ضوئه ظلّ طويل يشبه رجلًا خرج لتوّه من ذاكرة بعيدة. أدخل البيت. كل شيء في مكانه تقريبًا، وهذا أكثر ما يوجع. الكرسي الخشبي قرب الجدار، المذياع فوق الرف، الفنجان القديم، الصندوق الصغير، ورائحة القهوة التي قاومت السنوات كأنها آخر شاهد على زمن كان البيت فيه ممتلئًا بأهله. أمي معي. نمشي بين الغرف، وكل زاوية تفتح بابًا في الذاكرة. هنا كانت جدتي تجلس. هنا كان أبي. هنا كانت المائدة تجمعنا، وكانت الأصوات تتشابك، وكانت الضحكات تصعد إلى السقف ثم تعود إلينا أكثر دفئًا. ألمس كرسي جدتي. أشعر بخشب بارد تحت أصابعي، فأبحث فيه عن حرارة كفها، عن شيء صغير يكذب عليّ ويقول إنها ستدخل من الباب بعد قليل. جدتي غادرت. أبي غادر. وغادر معهم من أحببناهم، واحدًا بعد آخر، تاركين وراءهم بيوتًا تعرف أسماءهم أكثر مما تعرف أسماء الأحياء. في الرواية البوليسية نبحث عن القاتل بين الأدلة: بصمة، رسالة، سلاح، شاهد مرتبك. هنا الأدلة أمامنا. الغبار فوق الصور. الكرسي الفارغ. المفتاح الذي لم يعد يفتح بابًا. الفنجان الذي لم تعد له يد ترفعه. والصمت الذي استوطن الغرف بعد أن كان البيت يعج بالحياة. الجاني لم يترك بصماته، لكنه ترك الخراب. سرق الضحكات، وأطفأ الأصوات، وأغلق الأبواب، ومحا الوجوه من المقاعد. الجاني هو الزمن. ذلك القاتل الذي لا تراه الشرطة، ولا تستدعيه المحاكم، ولا تستطيع يد أن تضع الأصفاد في معصميه. يدخل حياتنا في هيئة أيام عادية، ثم يخرج منها حاملًا أعمارنا كاملة. نغادر البيت ونتجه إلى المقبرة. الطريق إليها ليس مجرد طريق؛ إنه ممرّ طويل بين الذاكرة والحقيقة. الطريق جهة السكنات، يمر بمحاذاة البيوت، ثم يفتح على المقبرة القديمة التي يعرفها أهل الحي، أرضًا صامتة يزداد فيها حضور الغائبين كلما تقدم العمر. في الجهة الأخرى من المكان، جهة البساتين والغرس، يمتد طريق السفاسيق بين الأرض الخضراء والرمل، بعيدًا عن جهة السكنات والمقبرة. هناك للقرية وجه آخر؛ وجه الأرض، والماء، والماشية، والأطفال الذين يركضون في الفضاء المفتوح، حيث لا جدران تحاصر النهار. سوق المواشي يستيقظ في الصباح على أصوات الأغنام والماعز. أغنام مربوطة إلى بعضها، نعاج بيضاء تتزاحم تحت أقدام أصحابها، تيوس ذات قرون ملتوية، وماعز نحيلة تقفز بخفة كأنها تعرف طريقها أكثر من البشر. الرجال يلبسون البرانيس الصوفية الثقيلة في البرد، والقشابية البنية والرمادية، وبعضهم يلفّ الشاش حول رأسه، بينما يخرج آخرون في سراويل فضفاضة وعباءات قديمة تشربت رائحة الحقول. الأيدي تتبادل الحبال، والأصوات تتداخل: هذا يسأل عن سعر كبش، وذاك يقسم أن ماشيته لا مثيل لها، وثالث يربت على ظهر خروف سمين ويعرضه بفخر. والغبار يرتفع تحت أقدام الناس والدواب، ثم يستقر على ظهور الأغنام كطبقة رقيقة من ذهب ترابي. غير بعيد، يجلس بائع الفول والدوبارة أمام قدره الكبير. بخار ساخن يتصاعد من النحاس، يحمل معه رائحة الفول والحمص والتوابل والثوم والكمون، فيتجمع حوله الجائعون كما تتجمع الذكريات حول رائحة قديمة. مغارفه تتحرك في القدر بإيقاع يعرفه أهل المكان، والخبز الساخن يُشقّ بالأيدي، والصحون تتوالى، والضحكات تتصاعد فوق البخار. الفول والدوبارة أكثر من طعام. إنهما موعد يومي بين الفقراء والحياة؛ طبق ساخن في صباح بارد، أو وجبة يتقاسمها رجلان على عجل قبل أن يعود كل واحد إلى رزقه. أما طريق السفاسيق، فهو جهة البساتين والغراس، ذلك الطريق الذي لا يبدو في الذاكرة طريقًا فقط، وإنما شريطًا طويلًا من الطفولة. تراب ممتد، حواف غير مستقيمة، آثار عجلات العربات، وحفر تركتها الأمطار، وعلى الجانبين أعشاب برية تنحني للريح. هناك تمشي الحياة على مهل، لا تعرف استعجال المدن. أذكر الجدة وريدة وهي تذهب بغنمها وعنزاتها، تمشي في اتجاه البساتين والغراس عبر طريق السفاسيق. كانت تمشي أمام القطيع بخطوات واثقة، يسبقها عصا رفيعة في يدها، وتتبعها الأغنام كأنها تعرف صوتها حتى من بعيد. كانت ترتدي ملحفة واسعة بلون داكن، وفوقها قطعة قماش ثقيلة تقيها برد الصباح، وتغطي رأسها بمنديل مشدود بعناية، لا يظهر منه إلا وجه أكلت الشمس من لونه قليلًا وترك الزمن على ملامحه هيبة النساء اللواتي عشن العمر كله واقفات. كانت عنزاتها تقفز بين الحجارة، والأجراس الصغيرة المعلقة في أعناق بعضها ترسل رنينًا متقطعًا في الوادي. صوت الجدة وريدة وهي تنادي قطيعها يمتزج بثغاء الأغنام، حتى يبدو الطريق كله كأنه يتحرك على إيقاع ذلك النداء. وفي الطريق، تمرّ على الماجن؛ ذلك الحوض القديم الذي تختزن فيه المياه، فتتوقف الحيوانات لتشرب، ويصبح المكان لحظة استراحة في قلب النهار. ماء ساكن تلمع فوقه السماء، وحواف حجرية اسودّت من البلل، وأعشاب نبتت حوله دون أن يستأذنها أحد. هناك تلتقي الحكايات. تجد الحاحة حدة ببنارية راكبة فوق حمارها، تشق الوادي باتجاه الغراس، تحمل معها الفول إلى الأرض. تجلس فوق سرج بسيط، ظهرها مستقيم رغم تعب السنين، وقد لفت جسدها في ملاءة واسعة بلون الرمل، وغطت رأسها بمنديل مزهر تظهر أطرافه تحت شمس الصباح. الحمار يمشي ببطء بين الحجارة، وهي تمسك الحبل بيد، وتحرس ما حملته في الأخرى. كانت ذاهبة إلى الغرس، إلى الأرض التي تنتظر يدها. تحمل الفول كما تحمل النساء أخبار البيوت؛ في كيس صغير، وربما في طرف من ثوبها، وتعرف أن الأرض لا تعطي أسرارها لمن يستعجلها. وعلى أطراف الوادي، يعيش الأطفال طفولتهم دون ألعاب مصنوعة في المتاجر. هنا مجموعة تلعب النقيرة. حفاة أو بأحذية مهترئة، سراويل قصيرة أو واسعة رفعت أطرافها، قمصان قطنية غسلتها الأمهات مرات كثيرة حتى بهتت ألوانها. بعضهم يرتدي قميصًا أكبر من جسده، ربما ورثه عن أخ أكبر، وبعضهم يضع قبعة قديمة على رأسه، فيما آخرون لا يملكون سوى شعرهم تعبث به الريح. أصواتهم تملأ المكان. ضحكة تنفجر، وصبي يركض، وآخر يتعثر ثم ينهض وهو يضحك، وكأن الأرض نفسها جزء من اللعبة. وعلى الجهة الأخرى، يتزرزح أطفال فوق كثبان الرمل. يصعدون بأقدامهم الصغيرة، ثم ينزلقون إلى أسفل وهم يصرخون من الفرح. ملابسهم مغطاة بالرمل: ثوب أزرق هنا، قميص أصفر هناك، سروال قصير بلون ترابي، ونعال صغيرة ضاعت فردتها بين الكثبان. بعضهم يركض حافيًا، وبعضهم يحمل كرة صغيرة فقدت جزءًا من لونها. وبعيدًا قليلًا، يلعب فريق آخر كرة القدم. لا ملعب، لا شباك، لا حكم، لا قمصان متطابقة. يصنعون الملعب من الأرض نفسها. حجر هنا مرمى، وحذاء قديم هناك علامة للحدود. فريق بقميص أحمر باهت، وآخر بقميص أبيض اتسخ عند الركبتين، وصبي يرتدي سروالًا قصيرًا واسعًا أكبر من مقاسه، وآخر يلعب حافي القدمين لأن حذاءه لم يعد يحتمل الركض. تطير الكرة، يركضون خلفها، يسقط أحدهم في الرمل، يقوم، ينفض ثيابه، ويعود إلى اللعب قبل أن تنتهي الضحكة. يا لها من طفولة لم تكن تملك شيئًا تقريبًا، ولذلك كانت تملك كل شيء. لم يكن الطفل يحتاج إلى هاتف كي يملأ نهاره، ولا إلى شاشة كي يصنع مغامرته. كان يحتاج إلى حفنة تراب، ورفاق، وكرة، وشجرة، ووادي، وقليل من الوقت الذي لم يكن أحد قد اخترع له فيه اسمًا آخر. ثم نصل إلى المقبرة. يستقبلنا سورها القديم، وقد أكلت الشمس أطرافه، ونالت منه الأمطار والسنوات. الباب الحديدي يئنّ عند فتحه، وعلى جانبيه تراب متراكم وأعشاب برية نبتت بين الحجارة. وراء السور تمتد القبور في صمت. ليست كلها متشابهة. قبر أبيض ما زال واضحًا، وقبر غطته طبقة من الغبار حتى كاد اسمه يختفي، وقبر مائل فقد جزءًا من حافته، وآخر تشققت جوانبه بفعل المطر والحرارة. هناك قبور صغيرة تكاد تختبئ بين الأعشاب، وأخرى رممتها أيدٍ محبة، فاستقامت حجارتها وغُسلت شواهدها وعاد الاسم ظاهرًا من جديد. بعض القبور تحيط بها نباتات برية، وبعضها تظلله شجرة عجوز، وبعضها مكشوف للشمس تمامًا، كأن الميت لا يملك حتى بعد موته إلا ما تركه الأحياء خلفهم من عناية أو نسيان. كان الشيخ برنوص يحفر القبور لوجه الله، يذهب إلى المقبرة دون ضجيج، يحمل أدواته ويباشر عمله كما لو أنه يؤدي أمانة مقدسة. لم يكن ينتظر شكرًا ولا مقابلًا. كان يعرف أن الإنسان في آخر الطريق لا يحتاج إلى كثير من الأشياء؛ يحتاج إلى حفرة تحفظ جسده، ويد صادقة تكرمه، ودعاء يرافقه إلى رحمة الله. حفر القبور بيديه، ثم أورث هذه المهنة لشباب القرية، كأنّه يسلّمهم سرًا من أسرار الوفاء: أن خدمة الموتى ليست نهاية العمل، وإنما ذروة الإنسانية. ومن تلك الروح خرج العم دراجي وصديقاه. ثلاثة رجال جعلوا من المقبرة بيتًا ثانيًا لهم. يتطوعون لخدمتها، ينظفون ممراتها، يرممون القبور التي أتعبتها الأمطار والشمس، يعيدون للحجارة ما سلبته السنوات، ويزرعون الأشجار والنباتات حول المكان، ثم يسقونها بأيديهم. تخيلوا المشهد. مقبرة هادئة. قبور صامتة. وثلاثة رجال يحملون الماء. واحد يغرس شتلة. آخر يصلح قبرًا تهدم جزء منه. وثالث يزيل الأعشاب اليابسة من بين الحجارة. كأنهم يقولون للموتى: لم ننسكم. وهذه وحدها جملة تستطيع أن تبكي حجرًا. أرى شجرة صغيرة تنمو قرب قبر قديم، فأفهم أن الحياة لا تستسلم بسهولة. كل ورقة خضراء في المقبرة تشبه رسالة من الأحياء إلى الذين تحت التراب: ما زلنا نذكركم، وما زال في هذا العالم قلب يمر من هنا ويعتني بالمكان الذي يحتضنكم. أقف أمام قبر جدتي. أقرأ اسمها. أضع يدي على التراب. لا أبحث عن معجزة. أبحث عن أثر. عن صوت. عن لحظة واحدة تعيدني إلى تلك الأيام التي كان وجودها فيها أمرًا عاديًا، ولم أكن أعرف أن العادي سيصبح يومًا أثمن ما في العمر. ثم أرفع عيني، فأرى قبر جدي إلى جوار قبر أبي. يا لهذا القرب الذي يعجز القلب عن احتماله! رجلان من دمي، جمعهما البيت يومًا، ثم جمعهما التراب في صمت. أقف بين القبرين، وأشعر أنني أستعيد تاريخ عائلتي من حجارة صغيرة. هنا أبي، وهنا جدي، وبينهما مسافة قصيرة لا يستطيع الأحياء عبورها. أمرر عيني على القبور، فتنهض الوجوه تباعًا. أجد جارتنا الخامسة، المرأة البشوشة التي كانت تعرف أطفال الحي واحدًا واحدًا. أتذكرها واقفة عند باب بيتها، تضحك، تمد يديها بالحلوى، وتوزعها على الصغار كأنها توزع الفرح نفسه. كانت تعرف كيف تجعل طفلًا يبتسم بحبة حلوى. وكانت تعرف كيف تجعل الجيران يشعرون أنهم عائلة واحدة. أراها الآن في ذاكرتي كما كانت؛ وجه مضيء، يدان ممدودتان، وابتسامة لا تحتاج إلى مناسبة. ثم أتذكر أصدقاء أبي. واحدًا بعد آخر. وجوه الرجال الذين كانوا يأتون إليه، يجلسون معه، يضحكون، يتبادلون الكلام، ثم أخذتهم الحياة بعيدًا، حتى صار اللقاء بهم يتم أمام قبورهم. أتذكر زوجة عمي. وابن عمي. وأسماء أخرى كثيرة، حتى أشعر أن المقبرة لم تعد صفوفًا من الحجارة، وإنما صارت دفترًا مفتوحًا لأيامنا القديمة. كل قبر فيه حكاية. كل اسم كان يومًا شخصًا يناديه أحد من بعيد. كل حجر كان وراءه بيت. وكل بيت ترك بعده قلبًا يتيمًا. ثم أرى امرأة تجلس عند قبر حديث. أعرف من هيئة التراب أنه لم يمض على الدفن إلا أسبوع. قبره ما زال جديدًا. والجرح أيضًا. كانت تبكي بطريقة لا تشبه البكاء الذي نعرفه. دموعها تنزل ساخنة ومتلاحقة، لكنها لا تمسحها. تتركها تعبر وجهها كما لو أنها لا تملك القوة لتوقف شيئًا بعد أن توقف قلبها عن فهم ما حدث. كانت تتكلم مع قبره. تقترب من التراب، تخفض صوتها، ثم ترفعه فجأة، كأنها تنتظر منه جوابًا. «يا وليدي…» وتسكت. تضع يدها على القبر. «كيف خليتني وحدي؟» ثم ينكسر صوتها. تعود إلى اسمه، تناديه كما كانت تناديه في البيت، لا كما يُنادى الموتى. تقول له إن الناس سيعودون إلى بيوتهم، وإنها ستعود وحدها. تقول له إن ثيابه ما زالت هناك. إن مكانه ما زال محفوظًا. إن قلب أمه لم يفهم بعد أن ابنه صار تحت التراب. كانت تحاول أن تخبره بكل شيء في دقائق، كأنها تخشى أن يضيع الوقت مرة أخرى. نظرتُ إليها طويلًا، وشعرت أن المشهد يجرحنا نحن أيضًا. لم تكن تبكي ابنًا فقط. كانت تبكي المستقبل الذي رسمته له. تبكي أعراسًا لن يحضرها. بيتًا لن يسكنه. أطفالًا لن يحملهم. أعيادًا ستأتي وهو غائب. وتلك الحقيقة التي لا يرحمها شيء: الأم لا تدفن ابنها مرة واحدة. تدفنه في كل مناسبة. في كل عيد. في كل زواج لشقيقه. في كل نجاح لصديق. في كل مجلس يجلس فيه رفاقه ويتذكرون صوته. وفي كل مرة ترى فيها أمًا تنادي ابنها من بعيد. قلت لها في داخلي، دون أن أقترب: ستتذكرينه. في كل عيد. في كل فرح. في كل زفاف. ستنظرين إلى المكان الذي كنت تنتظرين أن تريه فيه، وستقولين بينك وبين نفسك: كلكم هناك… إلا ابني. ذلك الذي كان ينبغي أن يكون فرحة عمرك، صار اليوم أكبر وجع في عمرك. نظرتُ إلى قبره، ثم إلى أمه، وشعرت أن الإنسان لا يملك أمام بعض الأحزان إلا الصمت. فالآباء لا يُنسون. والأمهات لا يُنسين. والأبناء لا يُنسون. نحن فقط نتعلم، برحمة من الله وصبر يهبط على القلب من حيث لا ندري، كيف نتعايش مع الحزن. لا ننساه. نتعلم كيف نحمله. نعود إلى بيوتنا، نأكل، نضحك، نعمل، نحتفل، ونواصل الطريق. ثم يكفي اسم واحد، صورة واحدة، رائحة عابرة، أو مقعد فارغ، حتى يعود الغائب كاملًا إلى القلب. أعود إلى أمي. أجدها واقفة إلى جواري، صامتة. أمسك يدها. ننظر إلى القبور، إلى الأشجار التي زرعها العم دراجي وصديقاه، إلى الماء الذي يسقي الحياة فوق أرض الموت، إلى القبور التي رممتها أيادٍ لم تنتظر أجرًا. وأفهم أن أجمل ما يستطيع الإنسان فعله أمام الموت هو أن يجعل الحياة أكثر رحمة. أن يزرع شجرة. أن يصلح قبرًا. أن يحفر لميت قبرًا لوجه الله. أن يسقي نبتة لا يعرف من سيجلس تحت ظلها. أن يذكر اسم غائب. أن يربت على كتف أم فقدت ابنها. أن يقول لعائلة مكلومة: لستم وحدكم. في تلك اللحظة لم تعد المقبرة مخيفة. صارت مكانًا للحب الذي رفض أن يموت. جدتي هنا. جدي هنا. أبي هنا. جارتنا الخامسة هنا. أصدقاء أبي هنا. زوجة عمي، ابن عمي، وأسماء كثيرة من زمننا هنا. أما نحن، فما زلنا نمشي فوق الأرض، نحملهم في الذاكرة، ونزرع حول قبورهم ما يشبه الحياة. خرجت من المقبرة وأمي بجانبي. كان المساء قد ازداد هدوءًا. والأشجار تتحرك برفق. ومن بعيد، بدت المقبرة كحديقة صامتة، خضراء، مبللة بالماء، مليئة بأسماء أحبها أناس ما زالوا يعيشون. رفعت رأسي……