فايل المطاعني الحكواتي كاتب وروائي | عماني
لكل واحد منا زمنه الجميل، ذلك الزمن الذي كلما مرّ بنا طيف من ذكرياته، ابتسمنا دون أن نشعر، وربما تنهدنا أيضًا، لأن بعض الأشياء حين ترحل لا تعود، وإن بقيت تفاصيلها تسكن في الذاكرة.
أنا لست مع مقولة «زمن الطيبين»، فلكل زمن أطيابه، ولكل جيل حكاياته وأشياؤه التي يحبها.
لكنني مع مقولة أخرى أؤمن بها:
هذا زمني… وهذه ذكرياتي، وأنا عشتها بحب.
ولكل واحد منا فنان ارتبط به في مرحلة من عمره، فصار صوته جزءًا من ذاكرته، وأغنياته مفاتيح تفتح أبوابًا أغلقها الزمن منذ سنوات.
يا جماعة الخير… الفن ليس ما نراه اليوم من بعض التمثيل الهابط، ولا المعارك التي تبدأ في الطريق وتنتهي في مواقع التواصل، ولا تلك البطولات التي لا أعرف من أين جاءت، ولا بعض برامج الترفيه التي يبدو أن الترفيه فيها يحتاج إلى فاتورة!
تقول الأسطورة اليونانية إن الله خلق الإنسان، وأراد أن يميزه عن بقية المخلوقات، فأصبح الإنسان فنانًا.
وأنا أقول: الحمد لله أننا كنا من جيل عرف الفن قبل أن يصبح «ترندًا»!
ذكريات زماننا كثيرة وممتعة.
والحقيقة أنني منذ صغري كنت أحب الأميرة أنغام… وهذا لقبها .
واحدة من أجمل الأصوات العربية، وصوتها بالنسبة لي مرتبط بمرحلة عمرية جميلة جدًا، بل أستطيع القول إن صوت أنغام كان مرتبطًا عندي بالحب الأول.
أما الحب الأول…
فلا تسألوني عنه!
تلك أسرار لا يحق للحكواتي أن يفضحها، وإلا أغلقت عليه زوجته دفتر مذكراته إلى الأبد!
لكنني سأتحدث عن جماليات تلك المرحلة العمرية، وعن زمن كان فيه للأغنية معنى، وللكلمة وزن، وللقلب وقت طويل كي يحب.
كنت أردد إحدى أغنيات أنغام القديمة، ومنها:
«في الركن البعيد الهادي
ونفس المكان في النادي
أنا قاعدة مستنية أجمل حبيب في عنيه…»
كانت كلمات بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لنا عالمًا كاملًا.
ومن هنا تولدت لدي علاقة عشق مع الفن الأصيل، فأصبحت أذني لا تحتمل أن تستمع إلى الغث من الأغاني الهابطة.
ولم تكن أنغام وحدها.
كان حولنا مطربون من الوزن الثقيل؛ جورج وسوف، وصباح فخري، وغيرهما من أصحاب الأصوات التي لا تحتاج إلى مؤثرات ولا إلى عشرات الأشخاص ليقنعوك بأن صاحبها يستطيع الغناء!
وأظن أن المطاعم السورية في تلك الأيام كانت تزين جدرانها باسم الأغنية الخالدة:
«يا مال الشام»
وكأن دخول المطعم كان يحتاج إلى تصريح من صباح فخري!
في تلك الأيام لم تكن التطبيقات الحالية موجودة، وأعتقد أن دخول الهاتف النقال بكل هذه التطبيقات غيّر كثيرًا من تفاصيل حياتنا.
حتى الحب تغيّر.
اليوم تضغط على الكيبورد، فتنتقل مشاعرك إلى الطرف الآخر في أقل من ثانية.
كبسة زر… وانتهت قصة الحب!
أما نحن، فكانت الرسائل المكتوبة لها طعم آخر.
كنا نكتب حرفًا من اسم الحبيبة، وحرفًا آخر للحبيب، ولا بد أن تكون الحروف بالإنجليزية!
لا أعرف لماذا بالإنجليزية، لكن هكذا كانت الموضة عند المراهقين في ذلك الزمن.
وكانت أغلب قصص الحب تبدأ من مكان قريب جدًا…
ابنة الجيران.
أما من يخوض تجربة الحب خارج الحارة، فكان يحتاج إلى شجاعة عنترة العبسي، وغالبًا يرجع خائبًا!
كان الحب في تلك الأيام كلمة غير محببة لدى الجميع .
فنحن مجتمع بدوي محافظ ، وإذا علم أهل الفتاة أنك تحبها، فقد تكون النتيجة ببساطة:
لن تتزوجها!
لذلك كان كل واحد منا يحرص ألا يخبر أحدًا باسم الفتاة التي يحبها.
يكتب حرفًا من اسمها بالإنجليزية على دفتر مذكراته، ثم يغلق الدفتر وكأنه يخفي وثائق سرية للدولة!
وكان دفتر المذكرات صغيرًا، يرافقك أينما ذهبت، تكتب فيه مشاعرك الجياشة تجاه من تحب، وتحرص قبل كل شيء على كتابة الحرف الأول من اسم الحبيبة.
واليوم حل محل ذلك الدفتر جهاز جامد بلا مشاعر، أطلقنا عليه اسم:
الهاتف النقال!
الحب في تلك الأيام كان عذريًا.
لم تكن غايتنا أن نمتلك الحبيبة، بل كان يكفينا أن تبتسم عندما ترانا.
وإذا ألقت عليك المحبوبة التحية، أصبحت من أسعد الناس.
وإذا قالت لك: «السلام عليكم» بصوت مختلف قليلًا…
فقد عدت إلى أصحابك وكأنك فزت ببطولة كأس العالم!
وربما توزع كوكا كولا على أصدقائك الأوغاد احتفالًا بهذا الإنجاز التاريخي!
كنا نحفظ أشعار عنترة العبسي، وصفي الدين الحلي، وعلي محمود طه، وصلاح حجازي، وغيرهم من شعراء الحب والعاطفة.
ولا ننسى امرؤ القيس، الذي كان حلم كثير من الشباب أن يصبحوا مثله.
أما الزير سالم، فله حكاية أخرى!
الرجل دخل حربًا استمرت أربعين عامًا من أجل أخيه كليب، ثم اكتشفنا أن القصة كلها خلافات عائلية بين أبناء العم!
والأغرب أن الناس تعاطفت مع جساس القاتل!
…
حقا انها عائلة غريبة فعلًا!
لكن في النهاية، تلك كانت حكاياتنا، وكنا نعيش معها وكأنها جزء من حياتنا اليومية.
وكان كل واحد من الأصدقاء موسوعة متنقلة في حفظ الأبيات الشعرية، ويتفنن في تزيين دفتر مذكراته ببعضها.
ابن خالي رفيق تلك المرحلة من عمري، وله الفضل في تعريفي بالفنان العملاق عبدالكريم عبدالقادر.
كان يعيش في دولة الكويت، وفي تلك الفترة كانت الكويت تتربع على عرش الأغنية الخليجية، وكان عبدالكريم عبدالقادر أيقونة من أيقونات الفن الكويتي والخليجي.
كان ابن خالي يأتي بكل جديد من أغاني الفنان الراحل عبدالكريم عبدالقادر، وشيئًا فشيئًا أحببت صوته الشجي.
وحتى اليوم ما زلت أستمع إلى هذا الفنان العملاق الخالد .
…
شكرًا يا ابن خالي…
لقد تركت في ذاكرتي فنانًا لا يزال صوته حاضرًا.
ورحلتي مع الفن والطرب العربي طويلة.
وأنا صاحب أذن موسيقية، ولذلك هناك فنانون أشعر أنهم لم يأخذوا حقهم الفني كما يستحقون.
ومنهم الفنان السوري العملاق نور مهنا، صاحب الصوت الجميل والإحساس العالي.
وهنا تذكرت فنانًا مصريًا جميلًا أيضًا…
محمد منير.
حضرت له أكثر من حفلة، وكان يعجبني فيه كل شيء تقريبًا، حتى تسريحة شعره ولباسه الذي يحمل شيئًا من شخصية الثائر.
وأكثر شخص كنت أحضر معه حفلات الفنانين كان صديقي محمد العراقي، أبو عيون خضراء اكيد تعرفتم على هذه الشخصية الجميلة اظن انها شخصية مشاكسة .
كنا نهرب من بعض الحصص، أو نتغيب إذا كانت هناك حفلة في دبي أو أبوظبي.
وبالذات حفلات الفنانة ماجدة الرومي، وأغنيتها الشهيرة «كلمات»، التي كانت حاضرة بقوة في تلك الفترة.
نعم…
نحن جيل تربى على الكلمة الجميلة، والإحساس الراقي، والأغنية التي تحتاج منك أن تصغي إليها، لا أن تبحث عن زر لتجاوزها!
واليوم، عندما أتذكر تلك السنوات، أكتشف أنني لم أكن أحب الفنانين فقط…
كنت أحب المرحلة نفسها.
كنت أحب ذلك الشاب الذي كان يكتب حرفًا واحدًا في دفتر صغير، ويخشى أن يراه أحد.
أحب ذلك الذي كان يفرح بابتسامة، ويقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل سلام عابر.
أحب الأصدقاء، والحفلات، والغياب عن بعض الحصص، والقصائد التي كنا نحفظها، والأغاني التي كانت تصنع لنا ذاكرة لا تمحى.
وربما لهذا السبب ما زلت حتى اليوم، عندما أسمع أغنية قديمة، لا أسمعها بأذني فقط…
بل أسمع معها صوت الزمن الذي عشته.
فالأغنية القديمة ليست مجرد لحن وكلمات.
أحيانًا تكون تذكرة سفر إلى عمر كامل.
وهكذا كانت ايامنا …
أغنية، وذكرى، ودفتر صغير، وحب عذري، وصديق، وحفلة نهرب إليها من الحصص، وقلب كان يصدق كل شيء…
قبل أن يأتي الهاتف النقال ويخبرنا أن الحب أصبح مجرد:
آخر ظهور… تمت القراءة… ولم تتم الإجابة!
وتلك حكاية أخرى يا سادة…
وللذكريات بقية.
مع تحيات
الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا