
عيد الأثريين: حرّاس الذاكرة وحفّاظ الزمن.
.عيد الأثريين: حرّاس الذاكرة وحفّاظ الزمن.
في الخامس عشر من آب من كل عام تتجه الأنظار إلى أولئك الذين اختاروا أن يحاوروا الزمن لا بالكلمات بل بالشواهد الصامتة المدفونة تحت طبقات التراب. إنه عيد الأثريين يومٌ يكرّم الرجال والنساء الذين أفنوا أعمارهم في البحث عن جذور الحضارة وحماية الذاكرة الإنسانية من النسيان.
ولعلّ مهنة الآثار من أكثر المهن التصاقاً بروح التاريخ. فالأثري لا يكتفي بقراءة الماضي بل يعيد اكتشافه قطعةً قطعة وحجراً حجراً ونقشاً نقشاً. إنه يقف بين عالمين عالمٍ رحل منذ آلاف السنين وعالمٍ حاضرٍ يبحث عن هويته في مرآة أسلافه. ومن خلال جهوده تخرج المدن المطمورة إلى النور وتستعيد المعابد والقصور والأسوار أسماءها التي كادت أن تذوب في غبار القرون.
لقد شهد العالم منذ القرن التاسع عشر نهضةً أثريةً كبرى أسهمت في الكشف عن حضاراتٍ عظيمة كحضارات مصر وبلاد الرافدين وبلاد الشام واليونان وروما. ولم تكن هذه الاكتشافات مجرد العثور على لقى أثرية بل كانت استعادةً لفصول كاملة من التاريخ الإنساني. فمن خلال لوحٍ طيني أو ختمٍ صغير أو جرةٍ فخارية تمكن الباحثون من فهم نظم الحكم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والدينية لدى الشعوب القديمة.
وفي سورية تلك الأرض التي كانت ملتقى الحضارات ومهد الأبجديات الأولى يكتسب عيد الأثريين معنىً خاصاً. فمن أوغاريت التي قدّمت للعالم أول أبجدية معروفة إلى ماري وإبلا وتدمر وأفاميا ودورا أوروبوس تمتد صفحات التاريخ على مساحة الوطن كله. وقد كان للأثريين السوريين دورٌ بارز في كشف هذه الكنوز وصونها وتقديمها للأجيال رغم ما واجهته المواقع الأثرية من تحديات طبيعية وبشرية عبر العقود.
وإذا كانت الحروب تُخلّف الخراب، فإن الأثريين هم أول من يسعى إلى تضميد جراح الذاكرة. فهم يعملون على توثيق المواقع وحماية اللقى وترميم ما أصابه الضرر لأنهم يدركون أن فقدان أثرٍ واحد قد يعني ضياع صفحة كاملة من كتاب الإنسانية.
في عيدهم نستحضر صورة الأثري وهو ينحني فوق رقيمٍ طيني تحت شمس الصيف أو يقف عند أسوار مدينةٍ عتيقة يقرأ بصمتٍ ما تركه الأجداد من رسائل للحاضر. نستحضر صبره الطويل وشغفه الذي لا يخبو وإيمانه بأن الحضارة ليست ملك جيلٍ واحد بل إرثٌ إنساني مشترك يجب الحفاظ عليه.
تحيةً لكل أثريّ حمل معوله بيدٍ ودفتره باليد الأخرى ونزل إلى أعماق الأرض ليعيد إلى الضوء حكايات البشر الأولى. وتحيةً لكل من جعل من حماية التراث رسالةً وحلماً ومسؤولية. ففي زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتضيع فيه التفاصيل يبقى الأثريون حرّاس الذاكرة وحفّاظ الزمن وشهود الحضارة الذين يربطون الماضي بالحاضر ليبقى التاريخ حيّاً نابضاً في وجدان الأمم.
كل عام والأثريون بخير وكل عام وتراث الإنسانية بأيدٍ أمينة تحفظه من الضياع والنسيان.
عاشق أوغاريت..غسان القيّم







