أوغاريت ومعاهدة قادش:حين انتصرت الكلمة على السيف| الدكتور غسان القيم

كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي | سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في القرن الثالث عشر قبل الميلاد كانت أوغاريت تعيش أزهى عصورها مدينةً بحريةً مزدهرةً تتقاطع عند مرافئها طرق التجارة وتلتقي في أسواقها لغات الملوك والتجار والرحّالة القادمين من أطراف العالم القديم.
في تلك الأيام المضطربة كانت بلاد الشرق الأدنى القديم تهتز على وقع واحدة من أعظم المواجهات العسكرية في التاريخ هي معركة قادش الشهيرة التي دارت رحاها نحو عام 1274 قبل الميلاد بين مصر الفرعونية بقيادة رمسيس الثاني والإمبراطورية الحثية بقيادة الملك مواتاللي الثاني. وقد خاض الطرفان معركة ضارية سجّل كل منهما لنفسه النصر في حولياته ونقوشه إلا أن الحقيقة التاريخية تشير إلى أن المعركة انتهت دون حسمٍ نهائي تاركةً وراءها استنزافاً عسكرياً واقتصادياً للطرفين.
ومع مرور السنوات أدركت القوتان العظيمتان أن استمرار الصراع لن يجلب سوى المزيد من الخسائر. فالطرق التجارية التي كانت تربط مصر بالأناضول وسواحل الشام لم تعد آمنة كما كانت وأصبحت الممالك التابعة لكلا الإمبراطوريتين تعيش حالة من القلق والترقب. وكان العالم القديم بأسره بحاجة إلى الاستقرار أكثر من حاجته إلى الانتصارات العسكرية.
في تلك المرحلة التاريخية برزت أوغاريت بوصفها دولة مدينة ذات مكانة استثنائية. فلم تكن إمبراطورية مترامية الأطراف ولا امتلكت الجيوش الجرّارة التي امتلكتها مصر أو حتّي لكنها امتلكت ما هو أكثر قيمة في ذلك الزمن: الثقة والاحترام والعلاقات المتوازنة مع مختلف القوى الكبرى.
كانت أوغاريت بحكم موقعها الجغرافي على الساحل السوري مركزاً للتجارة الدولية ومحطةً لعبور السفن والبضائع والأفكار. ومن أرشيفها الملكي الهائل الذي عُثر عليه في رأس الشمرة نعرف اليوم أنها كانت على اتصال دائم بمصر والحثيين وقبرص وبلاد الرافدين وأن رسائلها الدبلوماسية كانت تتنقل بين العواصم الكبرى حاملةً أخبار السياسة والتجارة والتحالفات.
وحين اعتلى العرش الحثي الملك خاتوشيلي الثالث بعد سنوات من معركة قادش بدأت مرحلة جديدة من التفكير السياسي لدى الطرفين. لم تعد الحرب الخيار الأمثل بل أصبح السلام ضرورة تفرضها المصالح المشتركة ومخاطر المرحلة. وقد لعبت الممالك السورية الساحلية وفي مقدمتها أوغاريت دوراً مهماً في الحفاظ على قنوات التواصل بين القوى الكبرى مستفيدةً من مكانتها الدبلوماسية وعلاقاتها المتوازنة.
وفي عام يقارب 1259 قبل الميلاد. شهد العالم القديم حدثاً غير مسبوق. فقد توصّل رمسيس الثاني وخاتوشيلي الثالث إلى إبرام ما يُعد أقدم معاهدة سلام دولية معروفة في التاريخ. نصّت المعاهدة على وقف الأعمال العدائية بين الطرفين، وإقامة علاقات أخوية وتبادل الدعم في مواجهة الأخطار الخارجية وعدم إيواء الفارين أو المحرّضين ضد الطرف الآخر.
ولم تكن أهمية هذه المعاهدة في بنودها فحسب بل في الفكرة التي حملتها. فللمرة الأولى في التاريخ الموثّق جلست قوتان عظميتان أنهكتهما الحروب لتكتبا اتفاقاً دائماً يقوم على الحوار بدلاً من السلاح.
ومن هنا تبرز قيمة أوغاريت الحضارية. فحتى وإن لم تذكر النصوص المكتشفة أنها استضافت مؤتمر السلام أو أنها كانت الوسيط الرسمي بين الطرفين فإن موقعها ودورها السياسي والتجاري يجعلانها جزءاً من ذلك المناخ الدبلوماسي الذي مهّد لولادة السلام. لقد كانت نموذجاً لدولة صغيرة في حجمها كبيرة في تأثيرها تؤمن بأن استقرار الطرق التجارية وازدهار الشعوب لا يتحققان إلا حين تصمت السيوف وتتحدث الكلمات.
وعندما نقرأ اليوم ألواح أوغاريت ورسائلها المسمارية نشعر وكأن أصوات أولئك الكتبة ما تزال تتردد بين جدران القصر الملكي. كانوا يدركون أن الحضارات لا تبنى بالحرب وحدها بل بالمعرفة والتجارة والتواصل بين الأمم. ولهذا تحوّلت مدينتهم إلى جسر يربط بين مصر وبلاد الأناضول وقبرص وبلاد الرافدين وإلى مساحة يلتقي فيها المختلفون رغم تنافسهم وصراعاتهم.
لقد اندثرت أوغاريت بعد ذلك بقرون قليلة في العاصفة الكبرى التي اجتاحت شرق المتوسط مع نهاية العصر البرونزي لكن رسالتها بقيت حية. فما زالت ألواحها تشهد على عالمٍ عرف قيمة الحوار قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. وما زالت معاهدة قادش تذكّر البشرية بأن السلام ليس ضعفاً بل ذروة الحكمة السياسية.
وهكذا حين نتأمل تاريخ أوغاريت في زمن معاهدة قادش لا نرى مدينةً ساحليةً فحسب بل نرى فكرةً إنسانية خالدة: أن الكلمة قد تكون أحياناً أقوى من السيف وأن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بعدد الجيوش بل بقدرتها على تحويل الخصومة إلى تفاهم والصراع إلى سلام.

عاشق أوغاريت..غسان القيّم..

المراجع التي استند اليها البحث.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
_عيد مرعي تاريخ سورية القديم وآثارها وحضارتها، الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2021.

_عيد مرعي تاريخ سورية القديم، وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق، 2011.
_ثابت غانم عيد مرعي “قادش معركة فاصلة في تاريخ سورية القديم (1285 ق.م)”مجلة جامعة دمشق للدراسات التاريخية 2023.
_سالم خضر سليمان مطر “معاهدة قادش” المجلة العلمية بكلية الآداب جامعة طنطا، العدد 52.. 2023، ص 1–24.
_شفيق علام “معاهدة السلام والتحالف بين رمسيس الثاني وخاتوشيلي الثالث ملك الحيثيين طبقاً للنقش الهيروغليفي في معبد الكرنك” مجلة المجمع العلمي المصري، مج 91_ 2016 ص 11–66.
_إريك كلاين 1177 ق.م. عام انهيار الحضارة ترجمة عربية.
وهو مفيد جداً بالنسبة إلى السياق الأوسع لعصر البرونز المتأخر وأوغاريت تحديداً. وتظهر في النسخة العربية مادة مهمة عن الملك نقمبا وأوغاريت وعلاقتها بالدولة الحثية وعن موقع أوغاريت في شبكة القوى السياسية آنذاك.
_موقع الأمم المتحدة – نسخة معاهدة السلام بين خاتوشيلي الثالث ورمسيس الثاني..

الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة