قراءة نقدية لنص (عودة الفراشات)للشاعر السوري كاظم أحمد أحمد| الدكتورة سلوى الفيلالي

كاتبة وناقدة |أردنية

القراءة :

 

ما أروع «عودة الفراشات» حين يأتي النصُّ محمّلاً برائحة الخريف، لكنه في أعماقه لا يكفُّ عن الحلم بالربيع. لقد نسج الشاعر كاظم أحمد أحمد لوحةً شعريةً تتداخل فيها العاطفة بالطبيعة، والانتظار بالحنين، واليباس برجاء الانبعاث، حتى غدت الفراشات رمزاً للروح التي أضناها التيه، وما زالت تبحث عن نافذةٍ يدخل منها الضوء.

أجمل ما في النص ذلك التوتر الشفيف بين الدنو والنوى، الرحيق والجفاف، الخريف والربيع، الصمت وضجيج الديوك؛ وكأن الشاعر لا يصف فصلاً من فصول الطبيعة، بل يرسم فصلاً من فصول الروح.

وفي قوله:
«فراشاتٌ تاهتْ الطريقَ / تَلْتَمِسُ بضعَ عبيرٍ منعتقٍ»
تتجسد مأساة البحث عن الجمال حين تضيق الجهات، ويصبح العبير وعداً بالخلاص.

أما القفاري الحالمة بالمطر، فهي ليست أرضاً فحسب؛ إنها روحٌ عطشى تنتظر موعدها مع الحياة. ولذلك جاء الختام مشبعاً بالتشوف: انتظارٌ لا يشبه الانتظار العابر، بل هو يقينٌ خافت بأن الربيع، مهما تأخر، يعرف طريقه إلى الأرواح.

نصٌّ يترك وراءه سؤالاً جميلاً: هل عادت الفراشات حقاً، أم أن الشاعر أراد للقصيدة أن تكون أولى بشائر عودتها؟

دام هذا الحرف الذي يجعل من الخريف ذاكرةً، ومن الفراشات أملاً، ومن الانتظار قصيدةً مفتوحةً على ربيعٍ لم يأتِ بعد

النص :

عودة الفراشات

من بعد عناقٍ بالعيونِ تَحَقَقَ
أَصغيتُ لحوارٍ باللّمَى تَلعثمَ
احتارا فيه بين الدُّنُوِّ والنَوى
تَوقٌ أَجّجَ القلبين وَ اسْتَعَرَ
أَغرقهما في تصبب العرق
ما هذا ؟
الخريفُ أتى قبل الأوان
زهورٌ جَفَّ فيها الرحيقُ
فراشاتٌ تاهتْ الطريقَ
تَلْتَمِسُ بضعَ عبيرٍ منعتقٍ
و نحلٌ أنهكه البحثَ عن ربيعٍ
أَ أَضْغَاثُ أحلامٍ أم سراب!؟
قفاري تحلم مع كلِّ فجرٍ
بمطرٍ يُغدقها و ضياءٍ
بربيعٍ و طنينٍ و زفاف
قد مَلَّتْ فوضى صياحَ الديوكِ
في الليالي و قبيل الفجر
في الضحى و الظهريات
تُنتظرُ بشغفٍ الميعاد

كاظم احمد احمد-سورية
قراءة نقدية أدبية تأملية إنطباعية بعدستها الدقيقة ومسبارها القاعي الدقيق بقلم الأستاذة الدكتورة والأديبةالقديرة المحللة والناقدة الأدبية الفذّة