
الدبكة الدوارنية في أوغاريت بين الأسطورة والطقس : قراءة تاريخيةفي ضوء ترجمات النصوص الفخارية والذاكرة الشعبية
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين نتأمل الحياة الدينية في مدينة أوغاريت تلك المملكة المزدهرة التي قامت على الساحل السوري في الألف الثاني قبل الميلاد.. ندرك أن الإنسان الأوغاريتي لم يكن يرى نفسه منفصلاً عن الطبيعة بل جزءاً من دورة كونية متكاملة تربط السماء بالأرض والإنسان بالآلهة والمطر بالخصب والحياة. وقد انعكست هذه الرؤية بوضوح في الأساطير والنصوص الدينية التي اكتُشفت في أرشيفات المدينة. وفي مقدمتها أسطورة الإله بعل سيد المطر والعاصفة والخصب.
تكشف النصوص الأوغاريتية التي نُقشت بالخط الأبجدي المسماري التي دونت خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد عن صراع كوني بين قوى الحياة والموت. ففي دورة بعل الشهيرة (KTU 1.1–1.6)، يواجه الإله بعل خصومه من القوى التي تمثل الفوضى والجفاف ثم يدخل في مواجهة مع الإله موت سيد العالم السفلي. وتنتهي الأسطورة باختفاء بعل في أعماق الأرض الأمر الذي ينعكس مباشرة على الطبيعة فتجف الحقول وتتوقف الأمطار ويعمّ القحط البلاد. لكن هذا الغياب لا يدوم، إذ يعود بعل من العالم الأسفل لتعود معه الحياة إلى الأرض من جديد.
يرى الباحثون أن هذه الأسطورة لم تكن مجرد حكاية دينية بل كانت تعبيراً رمزياً عن الدورة الزراعية السنوية في بلاد الشام. فاختفاء بعل يمثل فترة الجفاف وانقطاع الأمطار بينما تجسد عودته بداية موسم الخصب وتجدد الحياة مع سقوط المطر. وهكذا تحولت الأسطورة إلى تفسير ديني للظواهر الطبيعية التي عاشها الإنسان الأوغاريتي واختبرها في حياته اليومية.
وفي هذا السياق تشير الدراسات الأنثروبولوجية المقارنة إلى أن المجتمعات الزراعية القديمة كثيراً ما مارست طقوساً جماعية تهدف إلى استدعاء المطر أو التعبير عن التطلع إلى عودة الخصب. وكانت الموسيقى والإنشاد والرقص الإيقاعي جزءاً أساسياً من هذه الطقوس. فالحركة الجماعية المنتظمة وضرب الأرض بالأقدام والإنشاد الجماعي كانت جميعها وسائل رمزية للتواصل مع القوى الإلهية التي اعتقد الناس أنها تتحكم بمصير الطبيعة.
ورغم أن النصوص الأوغاريتية المكتشفة حتى اليوم لا تذكر بشكل صريح رقصة يمكن تسميتها “الدبكة الدوارنية” بالمعنى المعروف في التراث الشعبي المعاصر فإن بعض الباحثين يرون أن الرقصات الجماعية ذات الطابع الدائري والإيقاعي قد تكون امتداداً بعيداً لممارسات احتفالية وطقسية عرفتها مجتمعات الشرق القديم. فالدائرة كانت رمزاً للكمال والوحدة والاستمرارية كما أن الحركة الجماعية المتناسقة كانت تعبيراً عن تماسك المجتمع أمام قوى الطبيعة وتقلباتها.
ومن هنا يمكن فهم الروايات الشعبية المتوارثة في بعض مناطق الساحل السوري التي تربط بين ضرب الأرض بالأقدام واستدعاء المطر أو إيقاظ قوى الخصب الكامنة في الطبيعة. فهذه الروايات لا يمكن اعتبارها دليلاً تاريخياً مباشراً على ممارسة أوغاريتية موثقة.. لكنها تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية التي احتفظت بصدى بعيد لمعتقدات وطقوس تعود جذورها إلى عصور سحيقة.
أما صورة الكاهن الذي كان يقف في ساحة المعبد موجهاً الناس في طقس جماعي، فهي تتوافق مع المكانة المهمة التي احتلها رجال الدين في أوغاريت.
فقد كشفت النصوص المكتشفة عن وجود كهنة ومغنين وموظفين دينيين كانوا يشرفون على الطقوس والقرابين والاحتفالات المرتبطة بالآلهة. وكانت المعابد ولا سيما معبد بعل ومعبد دجن مراكز دينية واجتماعية تؤدى فيها الشعائر الجماعية التي تهدف إلى ضمان رضا الآلهة واستمرار النظام الكوني.
لقد كان الإنسان الأوغاريتي يدرك أن حياته مرتبطة بالمطر ارتباطاً مباشراً. فالأمطار كانت تعني امتلاء الآبار ونمو الحقول وازدهار القطعان واستمرار التجارة والحياة. لذلك لم يكن بعل مجرد إله للعاصفة .. بل كان رمزاً للأمل وتجدد الوجود. وكانت عودته السنوية من عالم الموت إلى عالم الحياة تجسد انتصار الخصب على الجفاف والنور على الظلام والحياة على الفناء.
واليوم بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت على اندثار أوغاريت ما تزال بعض الرقصات الشعبية الجماعية في الساحل السوري وبلاد الشام تحمل في إيقاعاتها وأشكالها شيئاً من ذلك الإرث القديم. وقد لا نستطيع الجزم بوجود خيط تاريخي متصل بين الدبكة المعاصرة وطقوس أوغاريت الدينية إلا أن التشابه في الرموز والدلالات يفتح باباً واسعاً للتأمل في قدرة الذاكرة الإنسانية على الاحتفاظ ببعض أصداء الماضي عبر القرون.
وهكذا تقف أسطورة بعل اليوم شاهداً على رؤية حضارية عميقة صاغها أهل أوغاريت لفهم العالم من حولهم. إنها قصة شعب عاش على إيقاع المطر ورأى في تعاقب الفصول لغةً مقدسة تتحدث بها الآلهة إلى البشر. وبين النصوص الفخارية المكتشفة في رأس شمرا والرقصات الشعبية التي ما تزال تنبض بالحياة في قرى الساحل السوري يبقى السؤال مفتوحاً:
كم من ملامح الماضي ما زالت تعيش بيننا دون أن ندرك جذورها العميقة في تربة التاريخ؟..
اوغاريت لا تقرأ بالعجلة تحب دائمآ من يقرأها بهدوء..
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
المراجع الأساسية التي اعتمد عليها البحث.
Marguerite Yon, The City of Ugarit at Tell Ras Shamra.
Mark S. Smith, The Ugaritic Baal Cycle.
Nicolas Wyatt, Religious Texts from Ugarit.
Dennis Pardee, Ritual and Cult at Ugarit.
KTU (Keilalphabetische Texte aus Ugarit)، النصوص الأوغاريتية الدينية، خاصة دورة بعل (KTU 1.1–1.6).
ترجمة المراجع باللغة العربية.
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””
يون مارغريت. مدينة أوغاريت في تل رأس شمرا. ترجمة إنكليزية عن الأصل الفرنسي منشورات أيزنبراونز وينونا ليك الولايات المتحدة 2006. يعد من أهم المراجع الحديثة في دراسة مدينة أوغاريت وآثارها وتاريخ اكتشافها.
سميث مارك س. دورة بعل الأوغاريتية: المقدمة والنص والترجمة والتعليق على النصوص KTU 1.1–1.2. ليدن: دار بريل للنشر، 1994. من أهم الدراسات المتخصصة في أسطورة بعل وتحليل نصوصها الدينية والأدبية.
سميث، مارك س. وبيتارد، واين ت. دورة بعل الأوغاريتية، الجزء الثاني: مقدمة وترجمة وتعليق على النصوص KTU/CAT 1.3–1.4. ليدن: دار بريل للنشر 2009. مرجع أساسي لفهم بناء قصر بعل ودلالات الأسطورة الدينية الأوغاريتية.
وايات نيكولاس. النصوص الدينية من أوغاريت: كلمات إليميلكو ورفاقه. الطبعة الثانية، شيفيلد أكاديميك برس لندن 2002. يضم ترجمات وتعليقات علمية حديثة لأهم النصوص الدينية والأسطورية المكتشفة في أوغاريت.
باردي، دينيس. الطقوس والعبادة في أوغاريت. دراسة متخصصة في الشعائر الدينية والاحتفالات والقرابين في المجتمع الأوغاريتي، وتعد من المراجع الأساسية لفهم الممارسة الدينية في مملكة أوغاريت.
ديل أولمو ليتي غريغوريو. ديانة الكنعانيين وفق النصوص الليتورجية الأوغاريتية. لندن: دار شيفيلد الأكاديمية. مرجع مهم لدراسة الطقوس والشعائر والرموز الدينية في أوغاريت.
بوردروي بيير؛ وباردي دينيس. دليل النصوص الأوغاريتية (KTU/CAT). وهو المرجع العلمي المعتمد لترقيم وتصنيف النصوص الأوغاريتية المكتشفة في رأس شمرا..
الصورة المرفقة بعدستي مدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة







