
زيت زيتون اوغاريت (الذهب السائل الذي ابحر إلى العالم)
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثار أكاديمي|سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين كشفت معاول المنقبين الأثريين خلال مواسم التنقيب الماضية في مدينة أوغاريت عن بقايا منشآت حجرية واسعة لم يكن أحد يتوقع أن تلك الجدران الصامتة ستروي لنا جانباً مهماً من أسرار الاقتصاد الأوغاريتي. ومع تقدم أعمال البحث والدراسة تبيّن أن عدداً من هذه المنشآت كان معاصر متخصصة بإنتاج زيت الزيتون والنبيذ وهما من أشهر المنتجات التي عُرفت بها المملكة الأوغاريتية ومن أهم صادراتها إلى قبرص وبلدان البحر الأبيض المتوسط.
وأمام هذه المكتشفات راودني سؤال ظل يرافقني طويلاً: ما السر الذي جعل زيت أوغاريت يحظى بكل هذه الشهرة؟ وما الذي دفع التجار إلى قطع البحار من أجل الحصول عليه؟
ولأن بعض الأسئلة لا تجيب عنها الكتب وحدها وجدت نفسي أعود بخيالي إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه أوغاريت في أوج مجدها وميناؤها يعج بالسفن وأسواقها تضج بلغات الشعوب القادمة من وراء الأفق.
ها هو الفجر يشرق فوق تلال المملكة، وتبدأ الشمس بنثر خيوطها الذهبية على بساتين الزيتون الممتدة بين الجبال والسهول. في الطرقات المؤدية إلى المدينة تتوافد الحمير المحملة بالسلال المليئة بحبات الزيتون التي قُطفت بعناية من الأشجار المباركة.
وفي قلب إحدى المعاصر الحجرية تبدأ رحلة التحول العجيبة من ثمرة صغيرة إلى كنز ثمين.
تدور الرحى الحجرية ببطء فوق أكوام الزيتون فتنسحق الحبات تحت ثقل الحجر الدائري الكبير. يراقب العمّال العملية بدقة فيما يتابع المشرفون مراحل الإنتاج خطوة خطوة. لم تكن عملية العصر عملاً عشوائياً بل حرفة متقنة تراكمت خبراتها عبر أجيال طويلة. وكانت جودة الزيت تبدأ منذ لحظة قطاف الثمار ثم تستمر أثناء الطحن والعصر والتخزين.
وحين ينساب الزيت للمرة الأولى من بين بقايا الثمار يبدو كأنه خيط من الضوء الذهبي. يُجمع بعناية ويُصفّى من الشوائب ثم يُحفظ داخل جرار فخارية كبيرة تُختم بالطين وتحفظ في أماكن باردة بعيداً عن حرارة الشمس.
هناك يقف الكاتب الأوغاريتي ممسكاً برقيمه الطيني يسجل الكميات المنتجة وأسماء أصحاب البساتين ووجهات الشحن. فالمعصرة لم تكن مجرد مكان للعمل، بل جزءاً من منظومة اقتصادية متطورة عرفت التنظيم والإدارة والمحاسبة.
ومع حلول الصباح المتأخر تنتقل القصة إلى السوق.
تحت المظلات المنسوجة من الكتان، وبين أصوات الباعة وروائح التوابل والنحاس المصقول تصطف جرار الزيت بانتظار المشترين. هنا يلتقي أهل أوغاريت بالتجار القادمين من قبرص وكريت وموانئ الساحل الشرقي للمتوسط.
أستطيع أن أتخيل تاجراً قبرصياً يقف أمام إحدى الجرار يفتح غطاءها الفخاري، يغمس طرف إصبعه في الزيت ويتذوقه ببطء، ثم ترتسم على وجهه ابتسامة الرضا. لقد وجد ما جاء يبحث عنه.
لم يكن زيت أوغاريت مطلوباً بسبب وفرته فقط، بل بسبب نوعيته المميزة. فالمناخ المعتدل، والتربة الخصبة، والخبرة الطويلة في الزراعة والعصر، كلها عوامل اجتمعت لتمنح هذا الزيت مكانة خاصة بين منتجات المنطقة.
وبعد إتمام الصفقات تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة. تُنقل الجرار إلى ميناء أوغاريت حيث تنتظر السفن الراسية على الأرصفة. هناك يختلط صراخ البحارة بصفير الريح القادمة من البحر فيما تُرص الجرار في بطون السفن إلى جانب النبيذ والأخشاب والمعادن والبضائع الأخرى.
ومع كل سفينة تغادر الميناء لم تكن أوغاريت تصدر زيتاً فحسب، بل كانت تصدر جزءاً من حضارتها أيضاً.
كانت تلك الجرار تعبر البحر حاملة معها رائحة البساتين السورية وخبرة المزارعين وجهد العمّال وحكمة الكتبة لتصل إلى موانئ بعيدة حيث يُعرف اسم أوغاريت ويُقدَّر إنتاجها.
واليوم عندما نقف أمام بقايا تلك المعاصر المكتشفة في مدينة أوغاريت الأثرية لا ننظر إلى أحجار جامدة فقدت وظيفتها منذ آلاف السنين بل إلى صفحات حية من تاريخ مدينة عرفت كيف تحول شجرة الزيتون إلى مصدر للرخاء وكيف تجعل من زيتها سفيراً يعبر البحار وينقل اسمها إلى العالم القديم.
لقد انطفأت أفران كثيرة وصمتت أسواق كثيرة وغرقت سفن كثيرة في أعماق المتوسط لكن زيت أوغاريت ما زال يروي لنا حكايته حكاية حضارة أدركت منذ فجر التاريخ أن سر العظمة يبدأ من الأرض ومن اليد التي تحسن استثمار خيراتها.
عاشق أوغاريت..
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖







