بين معيار الفن ومعيار الوظيفة(قراءة في قراءة الأستاذ كاظم حسن سعيد للقصة القصيرة جداطابور الموت)|الناقدة سعيدة بركاتي

كاتبة وفنانة تشكيلية ناقدة تونسية

قراءة_قي_القراءة

تمهيد : إشكالية المعيار
بنى الأستاذ كاظم حسن سعيد قراءته على ثلاثية التكثيف / الإيحاء / الصدمة، وهي أركان الـ ق قج الحديثة المتعارف عليها. وهذا يمنح قراءته صرامة منهجية تحسب له.
لكن الإشكال يظهر حين نحاكم نصاً اختار عن قصد أن يخرج من “جمالية اللعبة” إلى “جدية الحكم”.
النص لم يأتِ ليُمتع، جاء ليُدين : و من هنا تبدأ منطقة الاختلاف.
و سأتناول المسألة على محاور :
المحور الأول : المباشرة … ضعف تقني أم موقف وجودي؟

00
قراءة الأستاذ كاظم: اعتبر التصريح “قبض الثمن، تُوّج أمام الزور، خنق…” تقريراً يغلق باب التأويل، فيضعف النص.
قراءتي: المباشرة هنا ليست عجزاً بلاغياً. هي “بلاغة الموقف”.
النص يتحدث عن خيانة تم تتويجها فعلاً في العلن. فحين يصبح الإجرام احتفالاً، يصبح التلميح الأدبي ترفاً لا تتحمله اللحظة.
جملة “متناسياً أن خلف أبواب الخيانة طابور” ليست وصفاً، هي “سنة كونية” بصيغة قصصية.
النص اختار أن يكون “شاهد إثبات” لا “لغزاً”. و في أدب الكوارث الكبرى، المباشرة هي أعلى درجات الصدق.

المحور الثاني: المبالغة… ميلودراما أم تكثيف رمزي؟
قراءة الأستاذ كاظم: رأى في تعداد الجرائم “حشداً” درامياً يميل للميلودراما و يبعدنا عن الواقعية.
قراءتي: هذا ليس حشداً، هذا “تصاعد جنائزي” مقصود.
النص يرسم سلم الخيانة درجة درجة:
مادي: قبض الثمن
سياسي: تُوّج أمام الزور
أسري: خنق الوالدين والأسرة
وجودي: أجهز على من يحمل اسمه
الخائن الكبير لا يخون شخصاً واحداً. يخون البنية كلها.
فما اعتبره الناقد مبالغة، هو في الحقيقة “اختزال ظاهرة في جسد”.
هذه ليست مبالغة، هذا تكثيف من نوع آخر: تكثيف للكارثة لا للحدث.( من مميزات هذا الجنس الأدبي )

المحور الثالث: الخاتمة… غياب الصدمة أم حضور الحتمية؟
قراءة الأستاذ كاظم: طالب بنهاية صادمة وغير متوقعة، Twist. واعتبر خاتمة “طابور ينتظر” متوقعة فباردة.
قراءتي: الصدمة لها نوعان: صدمة المفاجأة، و صدمة التأكيد.
و النص اختار الثانية.
في زمن نرى فيه الخائن يفلت و يُكافأ، تأتي جملة “هناك طابور” كصدمة مضادة.
هي ليست نهاية سردية، هي “نهاية أخلاقية”.
النص لا يريد أن يدهشك، يريد أن يُطمئنك أن قانوناً ما زال يعمل حتى لو تأخر.
غياب الـ Twist هنا هو قوة، لأنه يرفض أن يحول المأساة إلى لعبة لغوية.

المحور الرابع: تصنيف النص… هل هو ق ج أصلاً؟
هنا بيت القصيد الذي أشار له الأستاذ كاظم و ختم به.
النص فعلاً “أقرب إلى حكمة أو مقولة مكثفة”.
و لكن لماذا نعتبر هذا نقصاً؟
ربما “طابور الموت” يؤسس لجنس جديد: “ق ق ح” قصة قصيرة حكم.
تجمع بين إيجاز القصة وصرامة الخطابة.
وظيفتها ليست الدهشة الجمالية فقط، وظيفتها “الإنصاف الأخلاقي”.

الخاتمة : ميزانان لا ميزان واحد
الأستاذ كاظم كان أميناً مع معاييره، فحكم.
و النص كان أميناً مع غايته، فأصاب.

الأول نجح كـ “حارس للجنس الأدبي”.
و الثاني نجح كـ “أدب موقف”.
و بين ميزان الجمال و ميزان الحكم… يتسع الأدب لنا جميعاً.

شكراً للأستاذ كاظم على هذه القراءة التي فتحت باباً مهماً للنقاش:
هل على النص أن يتبع الجنس؟ أم من حق الجنس أن يتوسع ليواجه النص؟
يليه : النص الآن ملك القراء.

 

النص :
طابور الموت ق ق ج
الهام عيسى
قبض الثمن، وتُوّج أمام الزور… بعد أن وقّع خنق أرواح والديه وأسرته، وأجهز على من كان يحمل اسمه، متناسيًا أن خلف أبواب الخيانة طابورًا ينتظر صاحبه.