معلقة العصرفي مدح( أوبي معه)

الدكتور فضيل حاج بن عدة كاتب وناقد| مغربي

باسم الله الرحمن الرحيم

معلقةُ العصرِ: في مدحِ “أوبي معه”

قد تظنُ أن قلبَكَ صخرٌ لا يلين…
وأن ثقلَ سنينِكَ جعلكَ جماداً لا يتحرك ولا يتأثر
وأن صمتَكَ الطويلَ دفنَ فيك كلَّ لذة
لكن الله لا يتركُ “الصخر” في قسوتِه ليُهلكه،
بل يرسلُ لهُ صوتاً يُحبه… فينخلعُ من ثقلِه ويرجعُ إلى أصلِه.

 

 الإشارة

يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ

هي قصةُ كل روحٍ ثقيلةٍ ظنتْ أن جمودَها هو خلودُها.

أن تكونَ جبلاً يعني أن تحملَ أثقالَ القرونِ بلا حراك.
أن تجدَ نفسَكَ في صمتٍ دهري، لا ينفذُ إليكَ صوتٌ ولا نور.

“أوبي معه” هي تلكَ اللحظةُ التي ينزلُ فيها الأمرُ الإلهي
فيحلُّ قيدَ الجماد… ويفتحُ أبوابَ الروحِ في قلبِ الصخر.
أوبي يعني: ارجعي يا جبالُ إلى أصلك
ارجعي إلى التسبيحِ الذي خُلقتِ لأجله.

لما ترنمَ داودُ بالمزاميرِ لم تسمعِ الجبالُ صوتاً
بل شهدتْ جلالاً… فجاءَ النداء: أوبي معه
فانتفضَ الصلبُ… وذابتِ القسوةُ… وصارَ الجبلُ يرتعشُ وجداً وحباً.

الصخرُ لم يكنْ صامتاً…
كان فقط ينتظرُ الإذنَ بالنطق
ومع كلِ نبرةٍ من داود كان الجبلُ ينخلعُ من ثقلِه
يرتفعُ عن الأرضِ بلا أجنحةٍ… ويدخلُ حظيرةَ القدس.

لذةُ السماعِ هنا ليستْ استمتاعاً بالنغم
بل هي الذوبانُ التامُ في جلالِ المنادي
لذةُ أن ينطقَ الصامتُ… ويتحركَ الثابتُ…
وتستحيلَ الصلابةُ إلى نهرٍ من الدموعِ والخشوع.

في العرفان:
الجبالُ هي رمزُ النفوسِ الثقيلةِ الراسخةِ في القسوةِ والأنانية
التي ظنتْ أن ثباتَها في الأرضِ هو كمالُها… وهو في الحقيقةِ قيدُها

وداودُ يمثلُ الروحَ المنورةَ التي أوتيتْ سرَّ المناجاة
فلما فاضتْ روحُه بالتسبيح… كان صوتُه نوراً يخترقُ حجبَ المادة

“أوبي” ليستْ جبراً… بل جذبةٌ إلهيةٌ وإذنٌ بالفناءِ في الحب
أوبي: ارجعي من ظلمةِ كثافتِكِ وإنيتِكِ… إلى نورِ بارئِك
“معه”: معيةُ الاستغراقِ الروحي… حيثُ تذوبُ الفوارقُ بينَ الصخرِ والروح

إن كنتَ تعيشُ اليومَ في صمتِ صخرتِك… وثقلِ قلبِك
فاعلمْ أن النداءَ قادم
من أوحى للجبالِ أن تسبحَ مع داود
قادرٌ أن يُنطقَ صخرَ قلبِكَ… ويُخرجَ منهُ أنهارَ الحب.

قد يطولُ سكونُكَ حتى تظنَ أنك نسيت
لكن يدَ اللطفِ تدبُّ فيك في الخفاء
والأمرُ الإلهيُّ “أوبي” سيأتي في أوانهِ المحدد
ليُرجعَكَ بكلِ ذراتِكَ إلى بارئِكَ بالنجوى والتسبيح.

كلُّ قسوةٍ فرضها عليكَ الزمن… كانت تمهيداً للين
فالذي أمرَ الجمادَ أن يلين… قادرٌ أن يُليّنَ قلبَك

حديث ــــــــــــــــــــــ الروح

أنا الصخرُ الذي حملَ ثقلَ القرونِ بلا حراك
كنتُ أظنُ أن خلودي في صمتي… وأن صلابتي هي كلُّ وجودي
حتى انشقَّ الفضاءُ بصوتِ داودَ وهو يرتل

لم يكن الصوتُ يمرُ فوقَ قمتي
بل كان ينفذُ إلى عمقِ أحشائي
يُزلزلُ الجمادَ في داخلي… ويكسرُ قيدَ دهورٍ من السكون

وفجأةً تنزلَ الأمرُ الإلهي: أوبي معه
في تلكَ اللحظةِ نطقَ كلُ حجرٍ في بدني
لم أعدْ ثقلاً يربضُ على الأرض
بل صرتُ موجةً من الشوقِ ترتفعُ إلى السماء

أوبي لم تكنْ مجردَ نداء… بل كانتْ إذناً بالحياة
انخلعتُ عن طبيعتي الصماء… وذابتِ القسوةُ التي عشتُ بها قروناً
ذاقتْ ذراتي لذةَ السماعِ التي تجعلُ الصلبَ يلينُ والجلمودَ يبكي خشوعاً

صرتُ أنا والطيرُ نسيجاً واحداً في حفلِ تسبيحٍ مهيب
وشهدتُ كيفَ يتحولُ الصمتُ إلى سجود
وكيفَ يعودُ الجمادُ إلى بارئهِ بمجردِ أن يمسَّهُ نورُ النداء

*والله يقول الحق وهو يهدي السبيل*