الصبر نور القلب

صالح بن سعيد الحمداني كاتب – سلطنة عمان

في رحلة الحياة المليئة بالمنعطفات يقف الصبر كجسرٍ ذهبيٍّ يربط بين الدعاء والاستجابة وبين الحلم وتحقيقه وبين الألم والراحة، فالصبر هو قانونٌ إلهيّ يسري على كل لحظة من حياتنا وليس مجرد فضيلةٍ أخلاقية يُنصح بها الناس بل، يختبر الله به قلوب عباده ويرفعهم بفضله إلى مقاماتٍ لا تُنال بسهولة، فعندما تتأخر الإجابة على دعائك فإعلم أنك في مدرسة الصبر فذلك لا يعني أنك تُهمَل أو تُنسى، فالصبر المدرسة التي تُخرِّج الأبطال والناجين والفائزين.

مدرسةٌ لا يتخرج منها إلا من تعلّم أن في التأخير حكمة وفي الانتظار بركة وفي الصبر خيرًا لا يعلمه إلا الله، وقد يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا نصبر؟ فنجد الإجابة تنبع من الأعماق بأن الصبر قرار داخلي، قرار بالثقة في الله وبالرؤية العميقة لما وراء المشهد وليس خيارًا نلجأ إليه فقط حين نُجبَر، فبالإيمان ندرك يقينًا أن الخير قادم مهما طال الطريق، فلو شاء الله تحقيق ما نتمنى في طرفة عين لفعل ولكنه يريد أن يصقل قلوبنا بالصبر وأن ينقّيها من الجزع والاعتراض وأن يعلّمنا أن المتعة في التدرّج الذي يبنينا قبل أن يمنحنا ما نريد وليست في الوصول السريع.

والله سبحانه لا تخفى عليه دموعك ولا تنهيدات قلبك المثقل بالهموم ولا رجفات الألم ولا زفرات الحزن ولا لحظات الانهيار سرًّا أمامه؛ يعلمها الله تمامًا لكنه يحب السائلين بإلحاح أولئك الذين يطرقون بابه بلا ملل لأنهم يدركون أنه لا باب إلا بابه يُفتح، ولا يد غير يديه تُعطي، وقد ربط سبحانه في كتابه الكريم الصبر بالنجاح والفلاح مرارًا وتكرارًا وكأنه يريد أن يخبرنا أن طريق الفوز في الدنيا والآخرة مفروش بالصبر لا بالاستعجال حيث يقول سبحانه في سورة المؤمنون الآية 111 ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ )
هذه الآية وحدها تكفينا لندرك أن الصبر طريق الفوز وليس مجرد فضيلة وطريق مَن يعلم أن تأخر الأحلام لا يعني موتها وأن الله يُدخِر لنا ما هو أعظم مما نتخيل، وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ “واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يُسرًا”، فرسول الله ﷺ يؤكد لنا أن الصبر ثباتٌ وثقةٌ بأن بعد العسر يولد اليسر وبعد الظلام ينبثق النور وأن الصبر يبنينا قبل أن يحقق لنا ما نريد.

وإننا حين نصبر لا ننتظر لحظة الفرج فقط ولكننا نتغيّر في أثناء الانتظار لنصبح أعمق فهمًا وأقوى قلبًا وأوسع صدرًا، فالتجارب الصعبة تشبه النار التي تصهر المعادن لتُخرج أنقى وأجمل ما فيها والصبر يربّينا على التواضع وعلى إدراك أن الأمور ليست بأيدينا مهما خططنا وأن الله وحده هو المدبّر لأمرنا، وكلما طال الصبر طال معه النضج الروحي وازداد يقيننا أن ما عند الله خيرٌ وأبقى وكثيرون يستعجلون ويظنون أن تأخر الإجابة يعني الرفض فيملّون الطريق ويستسلمون لليأس.

والحقيقة أن الملل من الصبر قد يحرمنا من لحظة الفرج التي كانت قريبة جدًا ونحن لا ندري، فحين تزرع شجرة هل تحفر كل يوم لتتأكد إن كانت الجذور تنمو؟ بالطبع لا لأنك تعلم أن نموّها يحتاج إلى وقت، وكذلك أحلامك وأدعيتك تحتاج أن تُروى بالصبر لا بالقلق والاستعجال، ومما لا شك فيه وبكل يقين أن الصبر طريق الفائزين، فكل قصص الأنبياء والصالحين تحكي عن صبرٍ طويل سبق لحظة النصر؛ فذلك سيدنا موسى صبر قبل أن ينشق البحر له لينجو ومن معه، ويوسف صبر قبل أن يجلس على عرش مصر ونبينا محمد ﷺ صبر سنوات طويلة قبل أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وما دام الله قد قال وقوله الحق المبين ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ) فالفوز الحقيقي إذًا لا يكون للغاضبين ولا للمتذمرين وإنما للصابرين الذين لم يفقدوا الثقة رغم طول الطريق وصعوبته ومرارة الحياة.

فلا تملّ من الصبر لأن الصبر لم يكن يومًا مجرد انتظار وإنما هو عبادة خفيّة وثقة عميقة بأن ما عند الله قادم في الوقت المناسب وأن الفرج يُصنع في الغيب بينما نحن نصبر، فكل ما علينا هو أن نتمسّك بالدعاء ونبتسم وسط الألم ونقول لأنفسنا ونردد دائما “ما دام الله يعلم فلن يضيع رجاؤنا أبدًا”.