
حين يكون النقد إنصافا لاإسقاطا
ماجد القيسي كاتب وناقد وباحث عراقي
ليس النقد الأدبي محكمةً يقف فيها الكاتب متهمًا أمام ناقد يمتلك وحده مفاتيح الحقيقة، ولا مناسبة لإظهار تفوق الناقد على صاحب النص. النقد في جوهره فعل إنساني وجمالي، غايته أن يضيء مناطق النص، ويكشف مكامن قوته، وينبه إلى ما يحتاج إلى مراجعة، من دون أن يتحول إلى وسيلة للنيل من الكاتب أو التقليل من تجربته.
وتاريخ الأدب العالمي يقدم نماذج تؤكد أن الاختلاف بين المبدع والناقد يمكن أن يكون حوارًا وإغناءً، لا إلغاءً وإسقاطًا. فقد أثارت أعمال ليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي قراءات نقدية متباينة، تناولت البناء الروائي والأسئلة الأخلاقية والفلسفية والشخصيات، لكنها اكتسبت قيمتها حين انشغلت بالنص لا بإهانة صاحبه.
وأولى قواعد النقد المسؤول هي الفصل بين النص والكاتب. فمن حق الناقد أن يرى أن البناء السردي مضطرب، أو أن صورة شعرية جاءت مألوفة، أو أن اللغة في موضع ما بدت مباشرة، لكنه لا يملك الحق في تحويل هذه الملاحظات إلى أحكام على ذكاء الكاتب أو ثقافته أو أهليته للإبداع. هناك فرق كبير بين القول (هذه الشخصية لم تُبنَ بصورة مقنعة)، والقول (أنت لا تعرف كيف تكتب). الأولى ملاحظة قابلة للنقاش، أما الثانية فحكم شخصي يغلق باب الحوار.
ويظهر هذا بوضوح في الجدل الذي رافق أعمال جيمس جويس، ولا سيما رواية (يوليسيس). فقد رأى بعض النقاد فيها تحولًا كبيرًا في تقنيات السرد، بينما وجد آخرون أنها شديدة التعقيد. ومع ذلك بقي النقاش الجاد منصبًا على أسلوب الرواية وبنيتها ولغتها وأثرها، لا على التقليل من شأن جويس بوصفه مبدعًا.
ومن المهم أن يبدأ الناقد من مناطق القوة. الاعتراف بجمال النص ليس مجاملة، بل إنصاف. فالكاتب يحتاج إلى معرفة مواضع نجاحه بقدر حاجته إلى معرفة مواضع التعثر. والنقد الذي لا يرى إلا العيوب قد يتحول إلى رغبة في الإدانة أكثر منه قراءة أدبية.
كما أن لغة الناقد تصنع فرقًا كبيرًا. فبدل أن يقول (أنت أخطأت)، يستطيع أن يقول (أرى أن هذا المقطع كان يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا لو اختُصر). وبدل الحكم القطعي، يمكن طرح الأسئلة: ماذا لو تغيرت النهاية؟ هل يحتاج هذا المشهد إلى كل هذا التفصيل؟ كيف يمكن أن يتغير إيقاع النص لو حُذفت هذه الجملة؟ السؤال يفتح احتمالات، بينما الحكم المغلق يغلقها.
وقد أثارت رواية (مدام بوفاري) لغوستاف فلوبير قراءات مختلفة تناولت أسلوبها وشخصياتها وعلاقتها بالمجتمع والأخلاق. وكذلك واجهت أعمال فرجينيا وولف قراءات متباينة بسبب اعتمادها على الوعي الداخلي والتدفق النفسي. ولم يكن تعدد الآراء سببًا لإلغاء قيمة هذه الأعمال، بل أسهم في توسيع أفق قراءتها.
ومن الضروري أيضًا ألا تتحول ملاحظة جزئية إلى حكم شامل. تعثر الكاتب في نص لا يعني أنه كاتب فاشل، فقد تحتوي القصيدة على بيت ضعيف وسط أبيات قوية، أو تتضمن القصة مشهدًا أقل نجاحًا ضمن بناء متماسك. والناقد العادل يحدد موضع الخلل ولا يحوله إلى حكم على التجربة كلها.
والنقد الحقيقي لا يكتفي بتعداد العيوب، بل يقترح مسارات للحل. فإذا رأى الناقد أن مشهدًا أطال إيقاع القصة، يمكنه اقتراح الاختصار أو الحذف أو إعادة الترتيب. وإذا وجد صورة شعرية مستهلكة، يمكنه توجيه الكاتب نحو البحث عن صورة أكثر خصوصية. هكذا يصبح النقد وسيلة للتطوير لا أداة للهدم.
وتبقى أخلاق النقد مرتبطة بمكانه وزمانه. فبعض الملاحظات تحتاج إلى جلسة هادئة بعيدة عن الأنظار، لأن طرحها أمام الآخرين قد يحول النقد إلى إحراج واستعراض، ويدفع الكاتب إلى الدفاع عن نفسه بدل التفكير في ملاحظات الناقد.
في النهاية، لا تقاس قوة الناقد بقدرته على إسقاط الكاتب، بل بقدرته على رفع مستوى النص مع الحفاظ على كرامة صاحبه. الناقد الحقيقي لا يقول (أنا أعرف وأنت لا تعرف)، بل يقول (قرأت نصك، ورأيت فيه ما يستحق أن يبقى وما يستحق أن يُراجع، فلننظر إليه معًا).
فالنقد الأدبي النبيل لا يجعل الكاتب يشعر بأنه أقل قيمة، بل يساعده على أن يرى نصه بعين جديدة. وهذه إحدى أسمى وظائف النقد: أن يجعل النص أفضل، من دون أن يجعل صاحبه أصغر.







