أوغاريت حين اصبح الزمن عاشقها

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثار أكاديمي|سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
لم توقف مدينة أوغاريت الزمن كما يتوهم البعض بل فعلت ما هو أعمق: جعلت الزمن يعشقها يتوقف عند عتبتها مدهوشًا يركع أمام مخزونها من الإبداع والمعرفة.
وهنا عند هذه العتبة الساحرة يقف أحد أعظم رموزها وأحد أكثر آلهتها غموضًا وجمالًا.. إنه “كوثر وحاسيس”.. الإله الصانع والمعماري الأعظم
قبل أن يُكشف الستار عن ألواح أوغاريت لم نكن نعلم شيئًا عن هذا الإله العجيب. لا في الأساطير المتداولة ولا في النقوش الأخرى ولا حتى في ذاكرة الشعوب التي تناقلت ميثولوجياتها عبر الأجيال.
لكن حين انطلقت حروف الأبجدية الأوغاريتية من تحت تراب رأس شمرة عاد كوثر وحاسيس إلى النور كإلهٍ مهندسٍ صانعٍ حاذقٍ في حرفته بارعٍ في ابتكاره.
لقد كانت أوغاريت مدينةً نابضة بالحرفيين والعمال المهرة مركزًا للحِرَف المتقدمة التي لم تكن تقتصر على الاستهلاك اليومي فحسب بل حملت في طياتها روح الفن وأصالة الصناعة ودقّة المعرفة التقنية.
ومن يحمي هؤلاء الحرفيين؟ من يرعاهم؟ من يمنحهم الموهبة والإلهام؟
إنه كوثر وحاسيس.
في نصوص أوغاريت يظهر كوثروحاسيس كـ”الإله البنّاء” الذي لا يشبه أحدًا. ليس مجرد صانع أسلحة أو أدوات بل هو من يبني معابد الآلهة وقصورهم كالقصر الأسطوري الذي شيّده لبعل على قمة جبل صفون. قصرٌ لا من الطين ولا من الخشب بل من معادن نادرة مصهورة بعناية مصقولة بدقة مُشكّلة بروح فنان وحكمة عارف.
هو من صنع القوس الأسطوري الذي أهداه للملك العادل دانيل والذي انتقل إلى ابنه أقهات.. قوسٌ لم يكن مجرد سلاح بل رمزًا للعدل والقوة والوراثة المقدسة.
ولم يتوقف كوثر عن صنع الجمال فحسب بل صنع أدوات الحرب أيضًا. فقد أمدّ الإله بعل بأسلحته في معاركه الكبرى مع “يم” إله البحر ومع “موت” إله العالم السفلي.
كان كوثر وحاسيس حاضرًا في كل صراع وكل بناء، وكل ابتكار.
رمز الحكمة والمعرفة كوثر ليس مجرد اسم، إنه رسالة. فاسمه في الكنعانية يعني “الناجح في عمله” أو “المعلم في الصنعة” وكأن الحضارة تقول لنا: النجاح صنعة والعلم حرفة والإتقان عبادة.
أما لقبه “حاسيس”، فهو ما زال حيًا في لغتنا إلى اليوم.. من “الحذق” و”الحاسة” و”الحدس” فـحاسيس تعني “الراسخ في العلم”، “العارف بحقيقة الأشياء” “الذي لا تغيب عنه التفاصيل”.
ولكوثر لقب ثالث مثير للانتباه، ورد في النصوص الأوغاريتية بصيغة “ه.ي.ن”، والتي ربطها الباحثون بالكلمة السريانية “ه.ا.و.ن”، وهي امتداد للكنعانية القديمة “هيّن”، أي “السهل” لا بمعنى البسيط بل بمعنى الذي لا يعجزه أمر لأن كل شيء لديه سهل.. لمعرفته العليا.
نعم ما زلنا نقول إلى اليوم “هيّن” حين نريد التخفيف من صعوبة أمر وربما دون أن ندرك أننا نردد صدى حضارة كانت ترى في المعرفة والتقنية سحرًا مقدسًا.
تحية إلى أوغاريت… وإلى حارس حِرَفِها الخالد
في زمن تتسابق فيه الأمم لتصنع مستقبلها
لا بد لنا أن نلتفت إلى ماضٍ كان فيه الإله نجارًا وحدادًا ومهندسًا.
ماضٍ صنع فيه الحرفيون المعابد لا بالأيدي فقط بل بالعقول والقلوب.
تحية إلى أوغاريت المدينة التي علّمت العالم أن المعرفة صنعة وأن الحرفة فن وأن الإله قد يكون معلّمًا في ورشة لا تقل قدسية عن المعبد.
وتحية إلى كوثر وحاسيس الذي لم يكن يومًا مجرد إله.. بل كان أسطورةَ الابتكار وصوتَ الحرفة ورمزَ الحضارة..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

الصورة المرفقة فأس من البرونز مزخرفه اكتشفت في ثلاثينيات القرن الماضي في الاكربول حي المعابد تحديداً قرب معبد الإله بعل..