أغلال العصرنة

أغلال العصرنة

 

​ليس الجرح فيما تناله الأبدان من أذى، ولا فيما يقع على الأموال من حيف، بل الجرح الأكبر الذي ينكأ أفئدة أمة الإسلام في عصرنا هذا، هو تلك “المعاناة المتخفية” التي يلقاها المسلم حين يغدو في بلاد نصبت للإسلام الشرَك، وحملت له البغضاء، ثم سمّت بغضاءها “حقوقا”، وجعلت حيفها “قانونا”!

 

​إنك لتقف متأملا في حال هؤلاء الغرباء من أبناء الملة، فتجد أن المحنة ليست محنة عيش أو رزق، وإنما هي محنة “الوجود الحق”؛ محنة إنسان يراد له أن يسلخ جلده الروحي ليرضي جلاده، ويقطع أسبابه بالسماء لينال حق الأرض!

 

​لقد بلغ الصلف بالدول الناقمة على هذا الدين أن ضاقت بنور الفطرة؛ فصار المظهر الإسلامي جريمة تعاقب عليها النفوس، وصارت العفة وشعائر العبادة تحديا لما يسمونه “بالقيم العصرية”. وأي قيم هذه التي تتسع لكل شذوذ وانحراف، وتضيق بصلاة تقام، أو حجاب يصان، أو كلمة حق تقال؟!

​إنها “الجاهلية الحديثة” التي تلبست بلباس المدنية، فما كفت عن بغيها القديم، بل أرهفت شباته، وصنعت له أدوات من الإعلام والقوانين والمؤسسات، لتمرس المسلم على الذل، وتطبعه على الاستكانة، وتجعله بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون مسخا لا روح فيه ولا عقيدة، وإما أن يصبح متهما في دينه، مطرودا من أمنه، ملاحقا في ستره.

​ولكن العجب ليس من بغي هؤلاء؛ فإن الحق والباطل في صراع مستمر ما دامت السماوات والأرض، وإنما العجب من أناس من جلدتنا، غرهم زخرف القول، فظنوا أن العصرنة لا تتم إلا بالركون إلى من ظلموا، وأن السلام لا ينال إلا بالاستكانة لمن نصب العداوة لله ولرسوله.

 

​إن معاناة المسلمين هناك ليست حكاية تحكى في شاشات العرض، ولا مادة يستهزأ بها في المؤتمرات، بل هي صيحة حق تنادي الكرامة الإنسانية المذبوحة على أعتاب “الاستكبار الغربي”، وهي في الوقت نفسه ابتلاء يتحصل منه الصبر، وتستجلى به معادن الرجال.

​فليعلم الباغون أن الدين الذي وطئ الأرض بعدله، لا تخنقه القوانين الجائرة، وأن النور الذي شع من غار حراء لا تطفئه الظلمات؛ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

د. هند خليل مروان