
بين رهبة الموت وسعة الرحمة
محمد المحسن كانب وناقد |تونسي
الأستاذ الشاعر والكاتب الكبير محمد المنتصر ويبة:
قرأت نصكم بتأنّ، ووجدت فيه سؤالا جديرا بالنقاش الهادئ،لا بالخصومة ولا بالمصادرة.وهو سؤال يتصل بعلاقة الإنسان بربه، وبالصورة التي تشكلت في الوعي الديني عن الحياة والموت والآخرة.
وأحسب أن من الإنصاف أن نفرّق بين الدين كما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة،وبين ما راكمه التراث البشري من تأويلات واجتهادات ومواعظ وصور ذهنية.فالتراث،مهما علا شأنه، ليس كله مقدسا،ولا يجوز أن نضعه في مرتبة النص المؤسس للعقيدة.
لقد جعل القرآن الرحمة أصلا عظيما في علاقة الله بعباده،قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء)، وقال: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله).
وفي المقابل،لم يلغ القرآن معنى الخوف والمسؤولية والحساب. لذلك تبدو العلاقة المتوازنة مع الله قائمة على جناحين: رجاء يفتح أبواب الأمل،وخوف يمنع الإنسان من الغرور والاسترسال في الخطأ.
أما الموت،فليس من الإنصاف أن يتحول في الخطاب الديني إلى مشهد رعب دائم،كما أنه ليس من الدقة أن نصوره انتقالا مضمونا إلى السعادة لكل إنسان دون اعتبار لإيمانه وعمله ومسؤوليته. !
إنه سر من أسرار الله،وباب إلى عالم الغيب،والقرآن نفسه يذكّرنا بأن الإنسان راجع إلى ربه،وأن الرحمة والحساب كلاهما من حقائق الإيمان.
لذلك أرى أن الإشكال ليس في التراث كله،ولا في المشايخ جميعا، وإنما في الخطاب الذي يختزل الدين في التخويف،ويجعل الخوف أقوى من الرجاء،والعقاب أوسع من الرحمة.! كما أن نقد هذا الخطاب ينبغي ألا يتحول هو الآخر إلى تعميم جارح على علماء التراث،فقد كان في تراثنا أيضا علماء ومفكرون وفقهاء رسخوا معاني الرحمة والتوبة وحسن الظن بالله.
إننا في حاجة اليوم إلى خطاب ديني يعيد للإنسان توازنه: لا يرعبه من ربه حتى ييأس،ولا يطمئنه إلى رحمته حتى يأمن الحساب؛،خطاب يقول له إن الله رحمن رحيم،وإن رحمته ليست بابا لإلغاء المسؤولية،كما أن عدله ليس ذريعة لإغلاق باب الأمل.
والأجمل في هذا النقاش أن نختلف ونحن نحفظ لبعضنا حرمة العقل وكرامة الإنسان وقداسة البحث عن الحقيقة؛ فليس كل ما ورثناه مقدسا،وليس كل ما انتقدناه باطلا.
وفي النهاية،تبقى رحمة الله أوسع من تصوراتنا جميعا،ويبقى الإنسان بين يدي رب كتب على نفسه الرحمة،ولا يملك أمام عظمة الغيب إلا أن يعمل صالحا،ويحسن الظن بربه،ويترك ما وراء ذلك لعدل الله ورحمته.








