النبوءات التلمودية والعبرانية ل(الفوضى الخلاقة)

 

د.علي أحمد جديد كاتب وباحث أكاديمي| سوري

بداية ، من الممكن تعريف “الفوضىٰ الخلّاقة” بأنها إنتاج النظام أو الخلق من رحم الفوضىٰ ، والتي باتت اليوم
مصطلحاً وحالة سياسية ، أو إنسانية مريحة بعد مرحلة فوضىٰ مُتعمَّدَةٌ الإِحداث .
فقد اعتبر أحد أقطاب المحافظين الجدد وأهم مفكري صناعة القرار الأمريكي الذين ارتبط اسمهم بنظرية “الفوضىٰ الخلّاقة” عام 2003م (مايكل ليدن) ، وقام بإعداد مشروع “التغيير الكامل في الشرق الأوسط” المقرَّر تنفيذه خلال السنوات العشر اللاحقة من تاريخ صدور المشروع والذي يَنصُّ علىٰ إجراء تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في كافة أنحاء المنطقة وفقاً لاستراتيجية جديدة تقوم علىٰ أساس الهدم ثم إعادة البناء من جديد بما يخدم في ظاهره المصالح الصهـ.يو.أمريكية .
و”الفوضىٰ الخلّاقة” لم تُعرَف كمصطلحٍ لخطةٍ سياسية من قِبَل الأكاديميين وصناع القرار إلا مع وصول الرئيس (جورج بوش الابن) واليمين المسيحي المتطرّف ـ صهـ.يونـ.ياً ـ إلىٰ قلب البيت الأبيض ، حيث اعتُمِدَ ذلك المصطلح بأول تعاطٍ رسمي في العام 2003م بعد احتلال العراق من قِبَل وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) الذي علّق علىٰ أحداث شغب المواجهة والفوضىٰ التي شهدتها الساحة العراقية بتعدد التنظيمات المتأسلمة التي أوجدها الاحتلال الأمريكي كبالونات اختبار قبل توزيعها علىٰ دول المنطقة تحت مسميات الثورات والمقاومة ، حين أدلىٰ (رامسفيلد) بمقولته :
“إن العراقيين ليسوا معتادين علىٰ الحرية ، وإن هذه هي أول فرصة لهم للتعبير عما يختلج في نفوسهم ، وهذه العمليات الفوضوية إيجابية وخلّاقة وواعدة بعراق جديد” .
إلا أن مفهوم “الفوضىٰ الخلّاقة” ارتبط كمصطلحٍ بشكل أكبر بوزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) عام 2006م التي أعلنت عنها في تصريحاتها أثناء زيارة العاصمة اللبنانية (بيروت) والتي أكدت فيها علىٰ أن “الفوضى الخلّاقة” هي الأداة الرئيسة في صياغة مشروع “الشرق الأوسط الجديد” حيث قالت في معرض حديثها عن الاعتداء الإسرائيلي علىٰ لبنان في عام 2006م :
“ليس لدي أي استعداد للقيام بعملية دبلوماسية من أجل إعادة الوضع بين لبنان وإسرائيل إلىٰ ما كان عليه ، وأعتقد أن ذلك سيكون خطأ كبير ، لأن ما نراه الآن هو آلام المخاض لشرق أوسط جديد . ومهما كنا فاعلين فإنه يتعين علينا التأكد من أننا نتجه إلىٰ الشرق الأوسط الجديد” .
وفي حديث أسبق لها لصحيفة “الواشنطن بوست” في شهر نيسان/أبريل 2005م قالت مُعلِّقةً علىٰ حالة الفوضىٰ وعدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة :
“إن الوضع الحالي ليس مستقراً ، وإن الفوضىٰ التي تفرزها عملية التحوّل الديمقراطي في البداية هي من نوع (الفوضىٰ الخلّاقة) التي ربما تنتج في النهاية وضعاً أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً” .
ولكن الدافع الأساس لتعميم تلك “الفوضىٰ الخلّاقة” كان تنفيذ ما قاله (دايفيد بن غوريون) كأول رئيس لوزراء الكيان المحتل عام 1948م :
“لايمكن ضمان أمن إسـ.راىـ.يل كدولة يهـ.ود.ية في المنطقة مالم يتم القضاء علىٰ ثلاثة جيوش عربية وهي الجيش السوري ، والعراقي ، والمصري” .
وقد تم تفعيل إستراتيجية “الفوضىٰ الخلاقة” كونها نسخة أمريكية مطوَّرَة من الإستراتيجية البريطانية الاستعمارية المعروفة تاريخياً بـ”فَرِّق تَسُد” التي انتهجتها القوىٰ الغربية المسيحية المتطرفة بالفكر الصهـ.يو.ني بعد الحرب العالمية الأولىٰ كإستراتيجية رئيسة لتقطيع أوصال العالم العربي في تلك الفترة ، وتم تتويجها باتفاقية “سايكس بيكو” ، والتي يبدو أن الغرب لم يعد مقتنعاً بها في اليوم بعد نجاح التخلّص من الجيشين العراقي والسوري ، لأن الغرب وعلىٰ رأسهم الأمريكيون يدركون جيداً أن السبيل إلىٰ الهيمنة الاستعمارية هو بث روح الفُرقة والصراعات الطائفية والعرقية والثقافية فيما بين أبناء الوطن الواحد ، وكأن التاريخ يُعيد نفسه من جديد في ظل ما يجري اليوم في السودان ودارفور بعد انفصال الجنوب ، وما يجري في العراق وإقليم كردستان ، وفي اليمن والحراك الجنوبي ، كما في سوريا بين السوريين والكرد ، وفي المغرب وصراع الصحراء المفتعل ، والجزائر والقبائل ، والصراع السِنّي الشيعي .
وبذلك ، لايتبقىٰ سوىٰ تنفيذ الجزء الثالث من وصية (دايفيد بن غوريون) التي هي القضاء علىٰ الجيش المصري الوحيد الذي بقي كمؤسسة رسمية وأَمنية متماسكة رغم كل ما واجهته الساحة المصرية منذ أيام (محمد علي و أحمد عرابي) وحتىٰ اليوم .
وعلىٰ الرغم من هذا القِدَم والشعبية الكبيرة التي حظيت بها نظرية “الفوضىٰ الخلّاقة” في الدراسات والأدبيات العربية ، فإنه لم يتم تناول تلك الخطة علىٰ اعتبار أنها فكرة يهـ.ود.ية تمتد في جذورها إلىٰ (التلمود) اليهودي المقدّس والأسفار المضافة إلىٰ التوراة العبرانية حصراً ، وهذا يعود إلىٰ تَعمُّدِ إقصاء وتهميش الجانب الديني كمدخل تحليلي في الدراسات والأدبيات السياسية المعنية بالدراسات وبالتحليلات العربية لسياسة الغرب الاستعماري الخارجية بشكل عام ، وللسياسة الخارجية الأمريكية علىٰ وجه التحديد ، وهو ما أدىٰ إلىٰ إبقاء المحددات والعوامل الدينية آليات غير معترف بها في كثيرٍ من الأحيان من قبل الباحثين والمختصين في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية .
إن “الفوضىٰ الخلاقة” من أهم المفاهيم المرتبطة بشكل وثيق بالعقيدة التلمودية وتكتسب صفة القدسية لأنها تتعلّق بأمن ومستقبل الكيان الإسـ.راىـ.يلي ، وبالالتزام الأمريكي نحوها كما ذكر الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) أثناء ولايته ، كما تتعلق بأسطورة عودة (المِسيّا) مُخلِّص اليـ.ـهـ.ود المنتظَر الذي لن يعود إلا بعد أن يعمَّ الخراب والفوضىٰ منطقة الشرق الأوسط ، كما جاء في النبوءات التلمودية التي يؤمن بها الإنجيليون الأمريكيون إيماناً راسخاً وقوياً ، ويعتقدون أن الالتزام بتحقيقها واجب مقدس لأنه يندرج تحت تنفيذ إرادة الربّ في الأرض ، وتحقيق عودته المشروطة باندثار حكم الشعوب الكنعانية الخارجة عن سطوة (شعب الربّ المختار) ، إذ يقول (ديف فليمنغ) راعي كنيسة المجتمع المسيحي بمدينة بتيسبرغ في بنسلفانيا :
“إن الإنجيل يؤكد لنا أن الكون خُلِق من فوضىٰ ، وأن الربَّ قد اختار الفوضىٰ ليخلق منها الكون ، وعلىٰ الرغم من عدم معرفتنا لكيفية هذا الأمر ، إلا أننا متيقنون أن الفوضىٰ كانت خطوة مهمة في عملية الخلق” .
والحقيقة أن ما ذكره الروائي الأمريكي الشهير (دان براون) مؤلف “شيفرة دافنشي ، وملائكة وشياطين” وإشاراته إلىٰ مصطلح “الفوضىٰ الخلاقة” لم يكن عشوائياً حين تطرّق في رواياته إلىٰ الرموز والأفكار التاريخية ، وتطرّق إلىٰ الشعار الماسوني القديم (Ordo ab Chao) الذي يعني “النظام من رحم الفوضىٰ” . إذ أن بعض الباحثين اقتبسوا تلك الإشارات الفلسفية والأدبية من (دان براون) لربطها بـ”نظرية الفوضىٰ الخلّاقة” (أو التدمير البنّاء) التي برزت كإستراتيجية سياسية أمريكية في الشرق الأوسط مطلع الألفية الحالية ، لأن (براون) وبما يتعلقُ في إشاراته إلىٰ “الفوضىٰ الخلّاقة” كان يمثّل جزءاً من الحقيقة الموجودة في كتبه وفي رواياته المقدَّسة التي يؤكد فيها بأن الفوضىٰ هي الوسيلة الناجعة من وسائل عقاب (يهـ.وذا) أو (السيد ربّ الجنود) لأعدائه وأعداء أبنائه من بني إسـ.راىـ يل في الوقت نفسه ، وهي غالباً ما تعيد الأمور إلىٰ نصابها الصحيح وبشكل أفضل من الحالة القديمة ، لأنها في الأساس “فوضٰى خلّاقة” بحسب الكتاب المقدّس أيضاً ، وإن لم يتم الإشارة إلىٰ لفظة “الفوضىٰ الخلّاقة” نصياً في الكتاب المقدّس ، إلا أنه صوَّر أبعادها في كثيرٍ من نصوصه . ولعل ما جاء في الإصحاح التاسع عشر من “سِفر اشعيا” تأكيدٌ للتركيز علىٰ مصر وعلىٰ الجيش المصري تحديداً في هذه المرحلة ، وهو الإصحاح المتضمن نبوءة خراب الأرض قبل نهاية التاريخ ، والذي لجأ الكثير من الإنجيليين إلىٰ إسقاطه علىٰ ماشهدته الجمهوريات العربية في أحداث ما أطلقوا عليه زوراً تَسميةَ “الربيع العربي” .
حيث جاء في هذا الإصحاح :
“وَحيٌ من جهة مصر . وهذا الربُّ راكب علىٰ سحابةٍ سريعة أُقدِم إلىٰ مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر داخلها . وأُهيِّجُ المصريين علىٰ المصريين فيحاربون كل واحد أخاه ، و كل واحد صاحبه ، مدينة مدينة ، ومملكة مملكة ، وتهراق روح مصر داخلها ، وأفني مشورتها ، فيسألون الأوثان والعازفين وأصحاب التوابع والعرّافين . وأُغلق علىٰ المصريين في يد مَولىً قاسٍ فيتسلّط عليهم ملِكٌ عزيز يقول السيِّد ربُّ الجنود” .
كما جاء في نفس الإصحاح :
“فليخبروكَ ليعرفوا ماذا قضىٰ به ربُّ الجنود علىٰ مصر . رؤساء صوعن صاروا أغبياء . رؤساء نوف انخدعوا وأضلَّ مصرَ وجوهُ أسباطِها . مَزجَ الربُّ في وسطها روحَ غِيٍّ فأضلوا مصر في كل عملها كترنّح السكران في قيئه . فلا يكون لمصر عملٌ يعمله رأسٌ أو ذَنَبٌ نخلة أو أسلة . في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء فترتعد وترجف من هزَّةِ ربِّ الجنود التي يهزُّها عليها . وتكون أرض يهوذا رُعباً لمصر . كل مَن تذَكَّرَها يرتعب من أمام قضاء ربِّ الجنود الذي يقضي به عليها” اشعيا 19(1 – 17) .
وفي نبوءة (العهد القديم) بتقسيم مصر التي يعملون علىٰ تحقيقها اليوم ، جاء في سِفر اشعيا نفسه :
“في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مُدُنٍ تتكلّم بلغةِ كنعان وتخلف لربِّ الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس . في ذلك اليوم يكون مذبحٌ للربِّ في وسط أرض مصر وعمودٌ للربِّ عند تخمها . فيكون علامةً وشهادةً لربِّ الجنود في أرض مصر . لأنهم يصرخون إلىٰ للربِّ بسبب المضايقين فيرسلُ لهم مُخَلِّصاً ومحامياً وينقذهم” اشعيا 19(18 ـ 20) .
ويتضح من تلك النصوص ، مدىٰ الفوضىٰ التي تتنبأ النصوص التوراتية العبرانية والتلمودية أن تشهدها منطقة الشرق الأوسط في آخر الزمان وفقاً لمنظور العهد القديم (التوراة العبرانية) من الكتاب المقدَّس ، وهي فوضىٰ وتَفرُّقٌ علىٰ المستويين الشعبي والسياسي ، وفسادٌ ، وبَطالة ، ونُضوبٌ للموارد الطبيعية والاقتصادية . إلا أنه علىٰ الرغم من ذلك فإن كل هذه الفوضىٰ هي الـ”فوضىٰ الخلّاقة” التي تجعل الأرض أرضاً جديدة تزدهر فيها الحياة بشتىٰ أنواعها ، لأن الربَّ يضربها لتزدهر ، كما يشير كتاب “الشرق الأوسط الجديد” ، وتنقلب إلىٰ حالٍ أفضل من ذي قبل تحت قيادة (ربّ الجنود) الجديد من “شعب الربّ المختار” .