الأوغاريتية والعربية حين حفظ الطين ملامح اللغة السامية القديمة

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
الجزء الثاني
“””””””””””””””””
حين بدأ علماء الآثار ينقبون في رأس شمرة حيث قامت مدينة أوغاريت لم يكونوا يعلمون أنهم لا يستعيدون مدينة منسية فحسب بل يفتحون أرشيفاً استثنائياً حفظ بين ألواحه الفخارية أصوات مجتمع عاش على الساحل السوري قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
كانت الألواح الأوغاريتية رسائل وعقوداً ووثائق اقتصادية وقانونية ونصوصاً دينية وأدبية ومعجمية كتبت في معظمها خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد. ومن خلالها أمكن التعرف إلى لغة سامية قديمة أصبحت من أهم الشواهد التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة تاريخ اللغات السامية.
تنتمي الأوغاريتية إلى اللغات السامية الشمالية الغربية وهي لغة مستقلة لها نظامها الصوتي والصرفي والنحوي الخاص. ولذلك فمن غير الدقيق القول إن العربية نشأت من الأوغاريتية أو إن الأوغاريتية كانت شكلاً مبكراً من العربية.
الأدق أن ننظر إليهما بوصفهما لغتين شقيقتين تنتميان إلى عائلة لغوية أوسع، وتعودان مع بقية اللغات السامية . إلى سلف لغوي مشترك افترضه علماء اللغة المقارن وأطلقوا عليه اصطلاح السامية الأم.
وهذه اللغة المشتركة لم تصلنا في نص مكتوب وإنما يحاول العلماء إعادة بناء بعض خصائصها من خلال المقارنة بين اللغات السامية المختلفة.
وهنا تكمن أهمية أوغاريت: فهي تقدم لنا شهادة مكتوبة مبكرة جداً على مرحلة من تاريخ هذه العائلة اللغوية.
قد يبدو التعبير بأن الأوغاريتية “طفولة العربية” جميلاً من الناحية الأدبية لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الحذر العلمي.
فالأوغاريتية ليست مرحلة من مراحل تطور العربية ولم تتحول إليها العربية فيما بعد. غير أن المقارنة بينهما تكشف لنا بعض السمات القديمة المشتركة التي تساعد الباحث على فهم التاريخ الأبعد للغات السامية.
فالتقارب يظهر في عدد من الجذور والمفردات والصيغ كما يظهر في بعض عناصر النظام الصرفي والنحوي، وفي التمييز بين المذكر والمؤنث والمفرد والجمع وفي أنظمة الضمائر وتصريف الأفعال.
لكن التشابه بين كلمتين لا يكفي وحده لإثبات القرابة . إذ يعتمد علم اللغة التاريخي على المقارنات المنتظمة في الأصوات والصيغ والمعاني وعلى مقارنة مجموعة واسعة من اللغات والشواهد.
ولهذا لا تُقرأ الأوغاريتية باعتبارها “أصل العربية” وإنما باعتبارها شاهداً مبكراً يساعد، مع غيره من الشواهد على إعادة بناء مراحل أقدم من التاريخ السامي.
من أكثر ما يلفت النظر في المقارنة بين الأوغاريتية والعربية حضور النظام الجذري السامي ولا سيما الجذور الصامتة التي تتفرع منها صيغ وكلمات متعددة.
وتكشف النصوص الأوغاريتية عن عدد كبير من الجذور والمفردات التي يمكن مقارنتها بنظائرها في العربية والعبرية والفينيقية واللغات السامية الأخرى.
ولا تقتصر هذه المفردات على الحياة اليومية، بل تشمل مجالات واسعة: القرابة والبيت والملك والزراعة والحرب والعبادة والاقتصاد، والمجتمع.
وهنا تتحول الكلمة من مجرد مفردة قديمة إلى وثيقة تاريخية لأنها تساعد الباحث على تتبع كيفية انتقال الجذور والمعاني والصيغ وتغيرها عبر الزمن.
ومن المفارقات الجميلة في أوغاريت أن أهلها كتبوا لغة سامية باستخدام أبجدية مسمارية قوامها نحو ثلاثين علامة في بيئة كان فيها نظام الكتابة المسمارية التقليدي يعتمد عدداً كبيراً من العلامات المقطعية والكلمية.
لم تكن الأبجدية الأوغاريتية نسخة من الأبجديات التي ظهرت بعدها لكنها تمثل واحدة من أهم التجارب الأبجدية المبكرة في الشرق الأدنى القديم.
وهكذا اجتمع في أوغاريت أمران لافتان:
لغة سامية قديمة وكتابة أبجدية تستخدم التقنية المسمارية.
وقد جعل ذلك ألواح أوغاريت مصدراً بالغ الأهمية ليس فقط لدراسة اللغة بل أيضاً لتاريخ الكتابة وتطور نظم التدوين في الشرق الأدنى.
من «أخي» و«صديقي» إلى الإنسان نفسه
وربما لا تكمن روعة اللغة الأوغاريتية في القواعد والجذور وحدها بل في اللحظة التي تجعلنا فيها نشعر بأن أصحاب هذه الألواح لم يكونوا بعيدين عنا كما توحي المسافة الزمنية.
فالرسائل تكشف عن المخاطبة والتحية والتمني والدعاء، وعن علاقات القرابة والصداقة والولاء
وحين نجد في نصوصها أمنيات بالحماية والسلامة والخير ندرك أن الإنسان الذي كتبها قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام كان يحمل في قلبه شيئاً يشبه ما نحمله نحن اليوم.
لكن ينبغي ألا نخلط بين النص الأوغاريتي وترجمته العربية الحديثة؛ فالترجمة تنقل المعنى إلى لغة أخرى ولا تعني بالضرورة أن التركيب الأوغاريتي مطابق للتركيب العربي.
ماذا أعطت أوغاريت للباحث في تاريخ العربية؟
إن القيمة الحقيقية للأوغاريتية لا تكمن في إثبات أن العربية خرجت منها وإنما في أنها تقدم شاهداً مبكراً يساعد على مقارنة عناصر اللغة السامية القديمة.
ومن خلال هذه المقارنة يستطيع الباحث دراسة:
الجذور والمفردات السامية.
تصريف الأفعال والأسماء.
الضمائر.
التذكير والتأنيث.
العدد.
بعض الظواهر الإعرابية.
التطورات الصوتية
المصطلحات الدينية والاجتماعية والاقتصادية.
تغير المعاني عبر الزمن.
وبذلك تصبح الأوغاريتية جزءاً من شبكة واسعة من الأدلة التي يستخدمها علم اللغة التاريخي لإعادة بناء المراحل الأقدم للغات السامية.
بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، لم يبقَ لنا صوت أهل أوغاريت كما كان يخرج من أفواههم ولا نعرف على وجه اليقين كل تفاصيل نطقهم اليومي.
لكنهم تركوا لنا الطين.
كتبوا عليه أسماءهم ورسائلهم وعقودهم وصلواتهم وأناشيدهم وأحزانهم وأمنياتهم.
ولهذا فإن ألواح أوغاريت ليست مجرد وثائق أثرية إنها شظايا من صوت إنساني عبر الزمن.
فالأوغاريتية ليست أمّ العربية والعربية ليست ابنة أوغاريت لكنهما تنتميان إلى عائلة لغوية عريقة وتساعدنا الأوغاريتية بما وصلنا منها من نصوص مبكرة على الاقتراب من فهم ذلك الماضي السحيق الذي سبق تفرع اللغات السامية وتطورها.
وربما لهذا تبدو أوغاريت مختلفة عن كثير من المدن القديمة.
فالحجر فيها لا يتكلم وحده..
الطين يتكلم.
وكلمة نقشها كاتب أوغاريتي على لوح قبل آلاف السنين استطاعت أن تعبر الزمن لتصبح اليوم مفتاحاً لفهم جانب من تاريخ اللغة والإنسان في المشرق.
لقد سقطت القصور وانتهت المملكة وغادرت السفن مرافئها ونامت المدينة تحت التراب..
لكن الكلمة بقيت.
ومن بين حروفها ما زلنا نرى ولو من بعيد ملامح ذلك العالم السامي القديم الذي كانت العربية والأوغاريتية وسائر شقيقاته فروعاً متباعدة على شجرته العريقة.
أوغاريت.. حيث لا تحفظ الحجارة ذاكرة المدينة وحدها بل يحفظ الطين شيئاً من ذاكرة اللغة نفسها.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

مراجع علمية أساسية للتوثيق:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
سيروس هـ. غوردون، كتاب الأوغاريتية المدرسي: قواعد اللغة والنصوص والمعجم، روما المعهد البابوي للكتاب المقدس 1965.
(Cyrus H. Gordon, Ugaritic Textbook)
بيير بودروي ودينيس باردي، دليل اللغة الأوغاريتية، وينونا ليك، إنديانا 2009.
(Pierre Bordreuil & Dennis Pardee, A Manual of Ugaritic)
دينيس باردي الطقوس والعبادة في أوغاريت، أتلانتا، 2002.
(Dennis Pardee, Ritual and Cult at Ugarit)
مارك س. سميث دورة بعل الأوغاريتية ليدن، دار بريل.
(Mark S. Smith, The Ugaritic Baal Cycle)
إدوارد ليبينسكي اللغات السامية مخطط لقواعد اللغة المقارنة لوفان، 1997.
(Edward Lipiński, Semitic Languages: Outline of a Comparative Grammar)
جون هوهنرغارد، مقدمة إلى اللغة الأوغاريتية، بيترز، 2012.
(John Huehnergard, An Introduction to Ugaritic)