مذكرات رجل مشاغب الولد الشڤي سابقا حكايتي مع صاحبة الظل الطويل

فايل المطاعني كاتب وروائي| عماني
هكذا هي الحياة… لا تمنحنا دائمًا البدايات التي نتوقعها، ولا النهايات التي نريدها. وبين البداية والنهاية حكايات كثيرة؛ بعضها نعيشه، وبعضها نكتبه، وبعضها يظل مختبئًا خلف اسم مستعار.
أما حكايتنا اليوم، فهي مع امرأة اختارت أن تختبئ خلف شاشة، وترسل حكايتها إلى رجل لا تعرفه إلا من خلال ما يكتبه.
سمّيتها علياء.
ولا تسألوني لماذا اخترت هذا الاسم تحديدًا… فالحكواتي أحيانًا يختار أسماء شخصياته كما يختار كوب الشاي؛ أول اسم يخطر في البال، ثم يكتشف بعد ذلك أنه أصبح مسؤولًا عنه!
وقبل أن نبدأ، أقول للقارئ العزيز: هذه الحكاية حقيقية، لكن الاسم وبعض التفاصيل التعريفية قد تم تغييرها حفاظًا على خصوصية صاحبة الحكاية.
كان مساءً قائظًا من أمسيات عُمان، وكنت أمارس رياضتي المفضلة، ركوب الدراجة الهوائية.
وبعد جولة لا بأس بها، قررت أن أتوقف قليلًا لأحتسي كوبًا من الشاي بالنعناع في أحد المقاهي.
كنت أظن أنني جئت لأشرب الشاي فقط…
لكن يبدو أن للحكواتي مواعيد أخرى مع الحكايات!
فما إن جلست حتى وصلتني رسالة عبر «الإنستغرام»، تقول:
«أستاذ فايل، كيف حالك؟ هل لديك وقت؟ أريدك أن تكتب قصتي.»
ابتسمت.
هذه الجملة تحديدًا أعرفها جيدًا!
فالجنس اللطيف، في كثير من الأحيان، لا يحب المقدمات الطويلة.
تدخل صاحبة الحكاية مباشرة إلى صلب الموضوع، وكأنها تقول لك:
خذ الحكاية… والباقي عليك!
فأجبتها:
«لا، أنا الآن أمارس الرياضة، وليس لدي متسع من الوقت.»
ولم تتردد كثيرًا، فقد جاء ردها سريعًا:
«ما رأيك أن أتواصل معك الساعة الثانية فجرًا؟»
هنا توقفت قليلًا، وقلت لها:
«سيدتي، أنا كاتب ولست موظفًا في قسم الطوارئ!»
فجاء ردها:
«هههههههههه»
وطبعًا لم أسمع ضحكتها، لأن حديثنا كان كتابةً.
لكنني فهمت الرسالة.
لقد ابتسمت.
وأنا أيضًا ابتسمت.
ثم وافقت… على مضض!
والحقيقة، بيني وبينكم، لا أحد يرفض طلب حسناء بسهولة… إلا إذا كان مجنونًا.
وطبعًا…
أنا لست مجنونًا!
حلّت الساعة الثانية فجرًا.
وكما وعدتني، وصلتني رسالة أخرى عبر «الإنستغرام».
بدأت بالسلام والتحية، ثم قالت:
«أريد أن أحكي لك قصتي.»
قلت لها:
«تفضلي.»
لكنها فاجأتني بجملة لم أتوقعها:
«سمّني أنت… اختر لي الاسم الذي تحبه، لأنني لن أخبرك باسمي، ولن تسمع صوتي، ولن ترى شكلي. سيكون تواصلنا عبر الرسائل فقط.»
قلت في نفسي:
يا ساتر!
هذه ليست حكاية فقط…
هذه عملية أمنية كاملة!
لا اسم.
لا صوت.
لا صورة.
وبقي أن ترسل لي الحكاية عبر جهاز مشفّر!
وفي تلك اللحظة تذكرت كلمات الأمير بدر بن عبدالمحسن:
«لا تردين الرسائل…»
لكنني عدت إلى الواقع وقلت لها:
«انتظري… الحقيقة أنني لا أحب أن أتحدث مع شخص لا أعرف اسمه ولا ملامحه. ولكن لماذا كل هذه السرية؟»
ظهر لي أنها تكتب…
ثم تتوقف…
ثم تعود إلى الكتابة.
وكان واضحًا أن هناك ترددًا خلف تلك الكلمات.
ثم جاء ردها:
«لا يهم أن ترى وجهي… المهم أن تسمع قصتي. وأنا متأكدة أنها ستثير فيك شغف الكتابة.»
قلت:
«حسنًا… ألقي ما لديك من حكاية.»
ثم أضفت:
«وسوف أسميك علياء صاحبة الظل الطويل .»
لماذا علياء؟
لا أعرف!
ربما لأن الاسم جاء في رأسي في تلك اللحظة، وربما لأن الحكواتي أحيانًا لا يحتاج إلى اجتماع لجنة لاختيار أسماء شخصياته!
وأما صاحبة الظل الطويل ذلك لأنني كنت منذ الصغر مغرما بالمسلسل الكرتوني صاحب الظل الطويل، وكان لا يتحدث الا عبر ظل طبعا في تلك الأيام لما تكن تطبيقات الواتس موجودة .
بدأت علياء حديثها:
«حسنا .انا سوف أطلق على نفسي اسم علياء ،أقترب من نهاية دراستي الجامعية في تخصص تقنية المعلومات…»
ثم توقفت.
انتظرت قليلًا.
ولما لم تكمل، كتبت لها:
«ماذا بعد الواو؟»
لم تجب عن سؤالي، وكأنها قررت أن تتجاهل ملاحظتي اللغوية تمامًا!
وأكملت:
«تعرفت على شاب اسمه سامر… أحببنا بعضنا.»
توقفت قليلًا.
قلت في نفسي:
بدأنا!
فتاة تعرفت إلى شاب…
أحبته…
ثم يأتي الأب الرافض…
ثم الزواج…
ثم النهاية!
قلت لنفسي:
هذه الحكاية تبدو كأنها فيلم هندي!
كل ما ينقصنا موسيقى حزينة، وبطل يركض تحت المطر، وراقصون يرقصون في الخلفية…
مع ملاحظة مهمة جدًا:
المطر في الأفلام الهندية يبلل شعر الراقصين، لكنه بطريقة عجيبة لا يفسد تسريحة البطل!
لكنني سرعان ما توقفت عن المزاح عندما وصلتني رسالة منها:
«لقد أعطيت سامر أغلى ما أملك، على أمل أنه بعد تخرجه سيتقدم لي.»
هنا تغيرت نبرة الحكاية تمامًا.
وأكملت:
«سامر أكبر مني، وكان سيتخرج قبلي. لكن بعد تخرجه بدأ يتهرب مني، وعندما تقدم لي شخص من عائلتي، بدأ يهددني… وقد علم بخطبتي.»
هنا لم تعد المسألة قصة حب عابرة.
ولم تعد حكاية فتاة وشاب.
أصبحت أمام إنسانة تحمل خوفًا حقيقيًا، وندمًا حقيقيًا، ومستقبلًا لا تعرف كيف سيكون.
قرأت رسائلها أكثر من مرة.
وفي تلك اللحظة اختفت مشاغبة الحكواتي قليلًا، وحضر الكاتب.
تعاطفت معها.
ليس لأن ما حدث كان صحيحًا، ولا لأن الخطأ يمكن تجاهله، ولكن لأن الإنسان أحيانًا لا يدرك حجم بعض قراراته إلا بعد أن يجد نفسه أمام نتائجها.
قالت لي علياء:
«أنا أكتب قصتي لكي تُنشر. وأعرف أنني سأتعرض لانتقاد شديد، ولكنها غلطة، ويجب أن أتحمل ثمنها.»
كانت تعرف مسبقًا أن نشر الحكاية لن يكون سهلًا.
كانت تعرف أن البعض سيحكم عليها، وربما لن يحاول البعض الآخر حتى معرفة ما عاشته.
لكنها، رغم ذلك، أرادت أن تقول شيئًا واحدًا:
تعلموا من خطئي.
وهنا قررت أن أكتب قصتها.
ليس بحثًا عن إدانتها، ولا رغبة في كشفها، وإنما لتكون تجربتها رسالة إلى فتيات أخريات بأن الثقة العمياء قد تكون مكلفة، وأن الإنسان يجب أن يعرف حدود العلاقة التي يدخلها، وأن بعض الوعود الجميلة قد تخفي وراءها نوايا لا تشبه الكلمات التي قيلت.
بعد تلك المراسلة…
اختفت علياء.
لم تعد تكتب.
ثم اختفت صفحتها من «الإنستغرام» أيضًا.
كتبت قصتها، ونشرتها في عدد من الصحف المحلية والعربية، ونجحت الحكاية بفضل الله في الوصول إلى القراء.
لكن علياء نفسها…
لم تظهر.
ولا أعرف حتى اليوم أين ذهبت.
وربما كان هذا هو الجزء الأكثر غرابة في قصتها.
دخلت حياتي برسالة…
ورحلت برسالة لم تكتبها!
علياء…
إن كنت تقرئين هذه الكلمات يومًا ما، فأنا أقول لك:
شكرًا.
شكرًا لأنك امتلكت شجاعة الاعتراف.
وشكرًا لأنك وثقتِ بالحكواتي، رغم أنك لم تعرفي عنه سوى ما تقرئينه، ولم تري وجهه، وربما كنتِ أكثر غموضًا منه!
أما لكل فتاة تقرأ هذه الحكاية، فأقول:
احفظي قلبك، واحفظي ثقتك، ولا تجعلي الكلام الجميل وحده دليلًا على صدق صاحبه.
فالإنسان لا يُقاس بما يقوله عندما يريد الوصول إليك، وإنما بما يفعله عندما يصبح قادرًا على الرحيل.
وأنتِ…
لستِ مجرد حكاية عابرة.
أنتِ إنسانة لها كرامتها، وقيمتها، ومستقبلها.
والخطأ، مهما كان مؤلمًا، لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية للحياة.
بل ربما يكون بداية لفهم أعمق لها.
أما علياء…
فقد بقيت في ذاكرتي كما بدأت:
فتاة غامضة، جاءتني من خلف شاشة، تركت حكايتها، ثم أغلقت الباب خلفها ورحلت.
وبقي السؤال معلّقًا:
هل كانت علياء تبحث عن كاتب يروي قصتها… أم كانت تبحث عن فرصة أخيرة لتقول: لقد أخطأت، فتعلموا من خطئي؟
وربما…
لن أعرف الإجابة أبدًا.
مع تحيات الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا