«محطة دوستويفسكي الصغيرة»

إصدار:

 

«محطة دوستويفسكي الصغيرة»

مجموعة قصصية للأديب والاعلامي عبد العزيز غرمول.

 

مصطفى بوغازي/ الجزائر

 

تعد المجموعة القصصية «محطة دوستويفسكي الصغيرة» منجزا باذخا وتجربة سردية راسخة تتجاوز حدود الحكي المباشر لتشيد عمرانها الأدبي في أصفى تجلياته، مجسدةً قمة الوعي الإبداعي التأسيسي الذي امتاز به جيل السبعينيات والثمانينيات الأدبي في الجزائر. لقد استطاع القاص بحرفية معرفية وجمالية أن يجعل من مجموعته القصصية مختبرا حيا لإعادة صياغة الواقع وتجاوز رعبه وقسوته بسخرية شفافة وبلاغة آثرة تتأرجح بحذق بين لغة السرد الكثيفة والتدفق الشعري الدافئ.

 

تتبدى مكامن الجمال في هذا العمل من خلال استغوار أعماق الذات الإنسانية والقبض على اللحظات الهاربة التي تحول العادي والمألوف إلى دهشة فلسفية قائمة بذاتها؛ ففي القصة التي تحمل المجموعة اسمها، «محطة دوستويفسكي الصغيرة»، ينفتح الفضاء السردي على أروقة الميترو وعوالم العزلة والانتظار، حيث تغدو المصادفة اليومية لقاءً تسكنه ظلال الألفة وتخبو فيه عذابات الشوق. تتجلى الفلسفة الفكرية هنا عبر استحضار روح الرومانسية الكلاسيكية واستعادة المناخات الدوستويفسكية ذات النزعة الإنسانية العملاقة، لتصير صفحة كتاب أو نظرة خاطفة على رصيف القطار بمثابة جسر يربط بين واقع ضئيل خشن وعالم مشبع بالأمل والشاعرية.

 

وفي امتداد السرد نحو قضايا الوجود والزمن والخسارات الشفيفة، تتشكل الصور الفنية برصانة أسلوبية باذخة لا تجاري التقليعات السطحية؛ إذ نطالع قصصا تتخذ من البعد النفسي والاجتماعي عمقا لمعالجة أزمات الذات المعاصرة. من قبيل «ممتلكات الرجل» و«العودة إلى هناك»، هنا يتوارى الزمان الحاضر ليفسح المجال لأطياف الماضي والذاكرة، حيث يتجسد الاغتراب وحس الحنين بلاغة بصرية دقيقة تلامس الأواني والمصابيح والأبواب المحايدة والصمت الثقيل الذي يستحيل كائناً يشارك الشخصيات حيرتها وفقدها. إن الكاتب عبد العزيز غرمول في هذا المنجز يحيلنا إلى شخصية مبدع يمتلك عين الفنان و كفاءة الباحث النفسي، متتبعاً انكسارات الروح وتلاشي اللحظات الهنيئة تحت غبار الزمن المتراكم.

 

لغة غرمول في هذه النصوص السردية تتمتع بثراء طافح و برسائل تنوع في المواضيع وتقلب المزاج القصصي بين الرقة الشاعرة والسخرية المرة، كما يظهر في اللوحات القصصية المسكونة بالتناقض الإنساني والصدمة؛ حيث تتجاور المفارقة الاجتماعية والحس المأساوي كما في «غرفة التوليد المظلمة» و«حادثة غير مرئية»، لتكشف عن قضايا الاغتصاب، والزيف، والانكسار الإنساني بلغة مكثفة، متجاوزة القشور الظاهرة نحو العمق الأليم للمأساة الإنسانية دون أن تفقد النص بوصلته الجمالية أو تسقطه في المباشرة والتقريرية.

 

يتسامى الأسلوب في هذه المجموعة بفضل المزاوجة بين الرؤية الفكرية الناقدة والبناء الفني المتقن، إذ يعتمد الكاتب تقنيات تركيز الحدث والارتقاء بالمفردة الناصعة التي تمتلك القدرة على التعبير عن غير المسموح به ومنح الواقع المتخيل مصداقية وسحراً خاصاً. إن غرمول ظل طوال مسيرته الابداعية يمارس الكتابة بوصفها اختباراً للحرية ، واكسبته التجربة امتلاكا للقواعد الذهبية للقصة القصيرة من خلال تكثيف الزمن نحو الداخل واقتناص جوهر اللحظة. وبذلك تقف «محطة دوستويفسكي الصغيرة» كشاهد إبداعي رفيع على نضج تجربة السرد الجزائري لدى أسماء صنعت التميز وشكلت حضورا لافتا في الساحة الأدبية الجزائرية والعربية من بينها عبد العزيز غرمول الذي ظل إصراره في الكتابة منصبا على حماية أصالة الفن الأدبي وجعله أداة متعة وفكر وتوق للحرية في رحاب الحرف، واستغوار جماليات الروح البشرية.