
وداعاً يا راعي الشجر:
وداعاً يا راعي الشجر:
“كن جميلاً ترى الوجود جميلاً”
فراس حج محمد| فلسطين
أستعيد في هذه القراءة التي تجاوز عمرها أكثر من أحد عشر عاماً ذكرى شاعر فلسطيني، لم ألتقه إلا مرة واحدة، ولعلها كانت أيام مؤتمر أدب الأطفال الأول الذي عقدته جمعيتنا جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله ربيع عام 2015، واستمر ثلاثة أيام، برعاية وتنظيم ومواكبة الراحل الكبير شريف سمحان، كما كتبنا معاً في مجلتي الزيزفونة شعرا وقصصا للأطفال.
بقي راعي الشجر خالد الجبور، بسمرته ولهجته المحببة لديّ في ذهني وخاطري، وإن لم نلتقِ، وإن صدفته بين الحين والحين على صفحات الفيسبوك، دون أن نجد فرصة للحديث أو الحوار أو تبادل الأفكار والكتب، حتى صدمني خبر رحيله الذي عرفت به مساء الجمعة 18/9/2026، فعاد إليّ حيّا حراً يرنّ صوته في ذاكرتي كأننا التقينا منذ بضع دقائق.
وجاءت تلك القراءة على هذا النحو:
[“كنْ جميلا ترَ الوجود جميلاً” هذا هو الانطباع بعد القراءة الذي تركته المجموعة الشعرية “عصافير الندى” للشاعر خالد الجبور، الموجهة للأطفال، والصادرة عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله، لتفتتح بها الجمعية الموسم التربوي للعمل مع الأطفال وطلاب المدارس للعام الدراسي 2015/ 2016.
تتألف المجموعة من (16) نصا شعريا راقصاً وصاحبتها رسومات الفنانة الفلسطينية ندى مصلح، يتخذ الشاعر من النص الثالث “عصافير الندى” اسما للمجموعة، وكان سبق لذلك العنوان الشاعر الأردني “محمود محمد الشلبي” إذ أصدر عام 1988 ديوانا شعريا للأطفال بالعنوان نفسه، ولعل ذلك من قبيل التناص العنواني الذي يقع بين الكتاب والمؤلفين بالصدفة المحضة، علما بأن الشاعر الجبور بحكم عمله في الزراعة وقضاء أغلب نهاره في حقوله، حارثا وزارعا وحاصدا وقاطف ثمر، وما يمارسه من طقوس، سيكون مثل هذا العنوان وهذه القصائد تعبيرا حقيقيا وجماليا وإنسانيا عن انتمائه للأرض والشجر حتى لقب نفسه براعي الشجر! فليس بحاجة لأن يستجلب عناوين قصائده ومجموعاته من تجارب غيره.
جسّد خالد الجبور في قصائد المجموعة وأناشيدها حقيقة نفس الشاعر الجميلة التي ترى الأشياء بعين الحبّ والرضا، فتصف وتغوص وتستخرج كل جميل، مسكوب بلحن راقص منساب ناعم كأنه رذاذ المطر الربيعيّ، فيداعب نفس الطفل سامعا أو قارئا، لينتشي بجمال اللغة والموسيقى والإحساس بالمعاني والصور، التي جاءت في متناول الخيال، فتربط الطفل فيما حوله من موجودات بدءا من الطبيعة الكلية، كما في أنشودة “أرضنا البديعة” و”فصل السرور”. أو تركيز العدسة الشعرية على موجودات خاصة من هذه الطبيعة كالعصافير والبحر والسحابة والريح والمطر والصباح وشجرة الزيتون وشجيرات البلوط.
ويلتفت الشاعر كذلك إلى ما يعتري بعض مخلوقات الطبيعة من تشويه، يفقدها روحها وجمالها، كما في قصيدة “نمر في الحديقة”، ذلك المخلوق الذي لم يكن سوى صورة مشوهة محاطة بالأسلاك في حديقة الحيوان، فلم نعد نرى منه غير الصورة الخارجية البعيدة عن الحقيقة؛ خاملا كسولا يتجمع بين شدقيه الذباب، إنها صورة تثير مشاعر الإشفاق والتحسر لدى القارئ والشاعر على حدّ سواء! وكأنّ الشاعر يريد أن يلفت نظر الأطفال وطلاب المدارس وزائري حدائق الحيوانات إلى أن هذا الحيوان- وبالضرورة كل الحيوانات الأخرى التي تسكن هذه الحديقة- ليست هذه حقيقتها، ثمة ما هو غير طبيعي في هذا المكان.
ولا ينسى الشاعر أن يدخل إلى عالم الطفل الأسري، فيكتب عن الجد والأسرة قصيدتين؛ يقدم في قصيدة “جدي” صورة للجد وحكاياته وملاطفاته للحفيد، معبرا الشاعر عن تلك العلاقة الخاصة جدا ما بين الجدّ وحفيده. وأما في “نشيد الأسرة” فيكتب الجبور عن عيش الطفل في أسرته متناغما حرا يعيش في أجواء من الألفة يغمره الحب والحنان والشعور بالأمان.
وتعرّج “عصافير الندى” في محور آخر على ما أصاب الفلسطيني من بلاء الاحتلال، فيكتب ذلك في قصيدتين؛ جاءت الأولى بعنوان “أنا الولد الفلسطيني” حيث برز التركيز على روح المقاومة والتحدي والمجابهة، باقيا على العهد، مستندا إلى ما لديه من تاريخ وحب الملايين له ولشعبه وأرضه، وينعت في القصيدة الثانية المحتلين بوصف منفر “سرّاق”، إذ بدا المحتل سارقا ومشوها تلك الطبيعة الجميلة تفوح منه رائحة البارود؛ هذه الرائحة النقيض المضادة لعبق الأرض وعطرها وحنائها.
ويخصّ الشاعر العِلْم بقصيدة “سنابل الآمال”، وتدور حول أهمية العلم للأطفال، فوحده الكفيل بإنبات الثمر سنابلَ من الآمال.
وبهذا تتكامل موضوعات “عصافير الندى”، فتتحدث عن الطفل وآفاقه، والمحيط الذي يعيش فيه، عبر تأكيد مجموعة من القيم المجتمعية والأخلاقية والوطنية والإنسانية، التي تعبر عن شخصية الطفل وتنمي ذوقه، وتلبي احتياجاته الموسيقية والتعبير عن ذاته وحبه للغناء بالدرجة نفسها التي يحب فيها القصص والحكايات وسردها، وربما أكثر، لاسيما إن جاءت القصائد كمشاهد قصصية سردية، ترسم صورا واقعية تشد الطفل وتهدهده، كقصائد هذه المجموعة].
رحم الله الشاعر، خالد الجبور، وعزاؤنا في بقاء شعره وسمرته التي خلفها عرقا حياً في أنساغ أشجاره وعصافير حقوله الممتدة بأسباب لا أرى أنها ستنقطع بين جنتي الأرض وجنة السماء. ولتشدو له الروح النقية هناك:
يا عصافير الندى*** يا عصافير الصباحْ
أرضنا أرض الكرام*** شمسنا شمس الوفاء
فاركبي ظهر الرياحْ
واخفقي فوق الغمام*** يا عصافير الندى







