االأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة: من التكوين الأكاديمي التقليدي إلى بناء الرؤية في الإدارة والتخطيط الأستراتيجي للمؤسسات والدولة

 

هناك مسارات علمية تبدأ من حلم واضح، ومسارات أخرى تتشكل عبر محطات الحياة والاختيارات الصعبة والإصرار على مواصلة الطريق. وتنتمي مسيرة الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة إلى هذا النوع من التجارب التي تجمع بين التكوين الذاتي، والتفوق الدراسي، والعمل الأكاديمي، والممارسة الإدارية، والانشغال بقضايا تطوير الرياضة والجامعة والمجتمع.

من قرية الدريعات ببلدية حمام الضلعة في ولاية المسيلة، بدأ مشوار ارتبط منذ الطفولة بحفظ القرآن الكريم، ثم بالتفوق الدراسي، وصولًا إلى الدراسات العليا والبحث العلمي والتدريس الجامعي والإدارة الرياضية. وقد تميزت تجربته بالجمع بين المعرفة النظرية والاحتكاك الميداني، مع اهتمام خاص بالإدارة والتسيير الرياضي، والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، والإعلام الرياضي، والتحول الرقمي.

في هذا الحوار مع مجلة «إضاءات»، نقترب من الإنسان والأستاذ والباحث وصاحب الرؤية، ونتوقف عند أبرز محطات مسيرته، والقيم التي شكلت شخصيته، والمشاريع التي يتطلع إلى تحقيقها.

—

السؤال الأول: الإنسان والبدايات والتكوين الشخصي

أستاذنا الفاضل، نود أن نبدأ معكم من الجانب الإنساني والشخصي. من هو أحمد بوسكرة بعيدًا عن الألقاب والمناصب؟ حدثونا عن الميلاد والنشأة في قرية الدريعات، والأسرة والبيئة التي ترعرعتم فيها، وتجربة حفظ القرآن الكريم منذ الطفولة، ثم مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، وأهم المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيتكم العلمية والإنسانية.

الإجابة:

في البداية، أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وعلى اهتمامكم بتقديم مسيرتي من جوانبها الإنسانية والعلمية والمهنية. يسعدني أن أشارك قراء مجلة «إضاءات» بعض المحطات التي رافقتني منذ الطفولة، وأن أسترجع مراحل كان لها أثر عميق في بناء شخصيتي وتحديد مساري.

أنا أحمد بوسكرة، من مواليد 16 أوت 1970 بمنطقة الدريعات، المجاهدة وهي قرية تابعة لبلدية حمام الضلعة بولاية المسيلة.
نشأت في أسرة بسيطة ومحافظة، وكان للبيئة الاجتماعية والثقافية التي عشت فيها دور مهم في ترسيخ قيم العمل والاحترام والتعلم وتحمل المسؤولية. ، وكانت الأسرة سندًا أساسيًا في مسيرتي الإنسانية والمهنية.

بدأت علاقتي بالتعلم منذ سن مبكرة جدًا. التحقت بمسجد قرية الدريعات، وكان عمري آنذاك ثلاث سنوات، وبدأت حفظ القرآن الكريم وتلاوته. كان والدي، رحمه الله، حريصًا على تعليمي القرآن الكريم، وقد حفظت في سن العاشرة نحو خمسة عشر حزبًا.

كانت هذه التجربة من أهم المحطات التي أسهمت في تكوين شخصيتي. فقد ساعدني حفظ القرآن الكريم على تطوير القدرة على التركيز والاستيعاب والحفظ، ورسخ لديّ قيم الانضباط والصبر والمواظبة. وأرى أن التربية الأولى تترك أثرًا طويلًا في شخصية الإنسان، وأن ما يتعلمه الطفل في سنواته الأولى يمكن أن يرافقه في مراحل حياته اللاحقة.

التحقت بعد ذلك بمدرسة الدار الصغيرة في التعليم الابتدائي، وسُجلت في السنة الأولى. وبعد فترة قصيرة من الدراسة، انتبه المعلم إلى قدرتي الكبيرة على الحفظ والقراءة. كنت، عندما أقرأ صفحات من كتاب القراءة، أحفظها عن ظهر قلب، فدعا المعلم عددًا من معلمي المدرسة لاختبار هذه القدرة.

قرأت لهم بعض الصفحات من كتاب القراءة ، وبعد ذلك قرر المدير والمعلمين ترقيتي إلى السنة الثالثة ابتدائي بدلًا من السنة الأولى. كانت تلك الفترة، خلال الموسم الدراسي 1976-1977، تشهد نقصًا في عدد المعلمين، وكانت المدرسة تجمع السنة الأولى والثانية في قسم واحد، والسنة الثالثة والرابعة في قسم واحد، والخامسة والسادسة في قسم واحد. وفي هذا السياق، انتقلت مباشرة إلى السنة الثالثة.

واصلت دراستي بتفوق، وكنت أحتل المراتب الأولى. ثم انتقلت إلى متوسطة عمر بن الخطاب ببلدية حمام الضلعة، حيث واصلت اهتمامي بالدراسة، إلى جانب اهتمامي بالممارسة الرياضية. كنت أمارس مختلف الألعاب الرياضية، وخاصة كرة القدم، وشاركت في البطولات المدرسية للعدو الريفي، كما لعبت في فريق نجم الدريعات لكرة القدم ضمن بطولات ما بين الأحياء.

انتقلت بعد ذلك إلى التعليم الثانوي، وتوجهت إلى شعبة الرياضيات التي كانت تستقطب الطلبة المتفوقين والمتمكنين في المواد العلمية. كنت مهتمًا بالرياضيات والفيزياء والعلوم، وكنت معروفًا لدى أساتذتي بقدراتي في هذه المواد.

حصلت على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات سنة 1990، وأتذكر أنني كنت الناجح الوحيد على مستوى بلدية حمام الضلعة في هذه الشعبة. كانت تلك المرحلة محطة مهمة في حياتي؛ لأنها فتحت أمامي خيارات متعددة، وأدخلتني في مرحلة اتخاذ قرار سيؤثر في مستقبلي العلمي والمهني.


السؤال الثاني: المسار الدراسي واختيار علوم الرياضة

كنتم من المتفوقين في الرياضيات والعلوم، وكان المحيط التعليمي ينتظر منكم مسارًا أكاديميًا في الرياضيات. كيف اتخذتم قرار اختيار التربية البدنية والرياضية بجامعة الجزائر؟ وما الصعوبات التي واجهتموها في ذلك الوقت؟ وكيف انتقلتم من مرحلة الليسانس إلى الماجستير والدكتوراه والتأهيل الجامعي، وصولًا إلى بناء مساركم الأكاديمي والمهني؟

الإجابة:

بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات سنة 1990، وجدت نفسي أمام اختيار مهم. كان أساتذتي وزملائي يتوقعون أن أواصل دراستي في الرياضيات، خاصة أنني كنت متمكنًا من الرياضيات والفيزياء والعلوم. وكان عدد من زملائي الذين سبقوني يتوجهون إلى المدرسة العليا للأساتذة بالقبة في شعبتي الرياضيات.والفيزياء

لكنني اخترت مسارًا مختلفًا، والتحقت بمعهد التربية البدنية والرياضية بجامعة الجزائر، بدالي إبراهيم. لم يكن هذا القرار متوقعًا من المحيطين بي، وواجهت انتقادات من بعض الأساتذة والأصدقاء الذين كانوا يرون أن قدراتي العلمية تؤهلني لمسار آخر.

كان القرار صعبًا من الناحية النفسية؛ لأن الإنسان عندما يختار طريقًا مختلفًا عن توقعات المحيط، يحتاج إلى قناعة داخلية قوية. كنت مقتنعًا بأن التفوق في المواد العلمية يمثل قدرة يمكن توظيفها في مجالات مختلفة، وأن التربية البدنية والرياضية مجال علمي ومهني واسع، يتيح للإنسان أن يجمع بين المعرفة والتطبيق وخدمة المجتمع.

كان اهتمامي بالرياضة حاضرًا منذ الصغر، ولذلك لم يكن اختياري للتربية البدنية والرياضية قرارًا منفصلًا عن ميولي واهتماماتي. لقد كان انتقالًا من ممارسة الرياضة إلى دراستها وفهم أسسها العلمية والتربوية.

حصلت على شهادة الليسانس في التربية البدنية والرياضية سنة 1994. وبعد التخرج، عملت أستاذًا للتعليم الثانوي في مادة التربية البدنية والرياضية. وقد شكلت هذه التجربة الميدانية مرحلة مهمة في تكويني؛ لأنها جعلتني أعيش واقع التعليم، وأتعرف إلى احتياجات المدرسين والتلاميذ، وأفهم الفجوة الموجودة أحيانًا بين المناهج النظرية ومتطلبات الممارسة.

واصلت دراستي في مرحلة ما بعد التدرج، فحصلت على شهادة الماجستير في نظرية ومنهجية التربية البدنية والرياضية من جامعة الجزائر سنة 2002، ثم شهادة الدكتوراه سنة 2008، وشهادة التأهيل الجامعي سنة 2009. ورُقيت إلى رتبة أستاذ تعليم عالي سنة 2014.

أعتبر هذا المسار نتيجة طبيعية للعمل المتواصل، والرغبة في التعلم، والإيمان بأن التكوين العلمي لا يتوقف عند الحصول على شهادة. فكل مرحلة أكاديمية تفتح أسئلة جديدة، وتفرض مسؤوليات أكبر، وتدفع الباحث إلى تطوير أدواته ومراجعة أفكاره.

لقد تعلمت من هذه الرحلة أن الاختيار المهني يحتاج إلى قناعة، وأن النجاح يرتبط بقدرة الإنسان على تطوير نفسه داخل المجال الذي اختاره. كما تعلمت أن المسار العلمي لا يُبنى في وقت قصير، بل يتطلب الصبر والاستمرارية والالتزام.


السؤال الثالث: التجربة العلمية والمهنية والإنجازات

تجمع تجربتكم بين التدريس في التعليم الثانوي، والبحث العلمي، والتكوين الجامعي، والإدارة الأكاديمية، والتأطير العلمي. كيف تصفون أهم محطات هذه المسيرة؟ وما أبرز إنجازاتكم في مجال الإدارة والتسيير الرياضي، وتأسيس الأقسام والمعاهد، والتأطير والبحث العلمي، وتنظيم المؤتمرات، والتعاون الأكاديمي الوطني والدولي؟

الإجابة:

أرى أن المسيرة العلمية والمهنية تتشكل من تراكم التجارب. كل محطة تضيف معرفة جديدة، وكل مسؤولية تفرض على الإنسان أن يطور أدواته وأن يتحمل نتائج قراراته. وقد انتقلت في مساري من التدريس في التعليم الثانوي إلى التعليم الجامعي والبحث العلمي والإدارة الأكاديمية، وكانت كل مرحلة مرتبطة بالمرحلة التي سبقتها.

بعد حصولي على الليسانس سنة 1994، عملت أستاذًا للتعليم الثانوي في مادة التربية البدنية والرياضية. ومن خلال هذه التجربة، لمست حاجة المدرسين إلى مناهج وأدوات تساعدهم على أداء مهامهم، خاصة في مرحلة الانتقال من التدريس بالأهداف إلى التدريس بالكفاءات. ومن هنا جاء اهتمامي بإعداد كتاب حول مناهج التربية البدنية والرياضية للتعليم الثانوي والتقني.سنة 2005

وواصلت التكوين والبحث والتدريس والتأطير. وقد ارتبط اهتمامي العلمي بصورة خاصة بالإدارة والتسيير الرياضي؛ لأنني كنت أرى أن تطوير الرياضة يحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة في الإدارة والتنظيم والتخطيط، إلى جانب الكفاءات الموجودة في التدريب والأداء الرياضي.

في سنة 2003، كنت من بين مؤسسي قسم الإدارة والتسيير الرياضي، الذي كان أول فرع على المستوى العربي والإفريقي يختص بالتسيير الرياضي. وقد شغلت رئاسة القسم خلال الفترة الممتدة من سنة 2003 إلى سنة 2010. جاء تأسيس هذا القسم انطلاقًا من قراءة لواقع الرياضة الجزائرية والحاجة إلى تكوين إطارات متخصصة في إدارة الأندية والاتحاديات والرابطات والمؤسسات الرياضية. كان الهدف هو ربط التكوين الجامعي بالحاجات الحقيقية للميدان، وإعداد خريجين يمتلكون المعارف والمهارات اللازمة للتسيير والقيادة والتنظيم.

ومع دخول الجامعة الجزائرية مرحلة الإصلاحات والانتقال من النظام الكلاسيكي إلى نظام «أل. أم. دي»، ساهمنا كذلك في تأسيس ميدان علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية. وخلال الفترة الممتدة من سنة 2003 إلى سنة 2009، شاركت في إعداد البرامج والمناهج الدراسية المتخصصة في هذا الميدان، ضمن أعمال اللجنة البيداغوجية الوطنية للتربية البدنية والرياضية.

وفي سنة 2010، أسست أول معهد وطني متخصص في علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية على مستوى الجزائر. وقد مثل هذا المعهد خطوة مهمة في تنظيم التكوين المتخصص، وتطوير التخصصات، وربط التعليم الجامعي باحتياجات القطاع الرياضي والمجتمع.

ثم تطورت التجربة لاحقًا إلى تأسيس خمس اقسام يضم شعبا و تخصصات متعددة. وقد كان العمل داخل المؤسسة الجامعية قائمًا على التكوين، والبحث العلمي، والتأطير، وتنظيم النشاطات العلمية، والانفتاح على المحيط الوطني والدولي.

كما انتُخبت لاحقًا رئيسًا للندوة الوطنية لعمداء ميدان علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية، وهو ما أتاح لي مواصلة اقتراح البرامج والمناهج على مستوى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والإسهام في تطوير هذا الميدان على المستوى الوطني.

وفي إطار هذه المسؤولية، كمدير للمعهد عملت كذلك على تأسيس فروع وتخصصات أخرى على مستوى الماستر والدراسات العليا، كما قمت باستحداث خمسة فروع على مستوى الدكتوراه، إلى اعتماد شهادة التاهيل الحامعي لترقية الأساتذة والباحثين، بما أسهم في توسيع التكوين وفتح آفاق جديدة أمام الطلبة والباحثين. وقد سمح ذلك للمعهد باستقطاب آلاف الطلبة من مختلف مناطق الوطن، وكذلك طلبة من خارج الجزائر.

ومن بين المبادرات التي أعتز بها أيضًا أنني كنت من الأوائل في إدخال الفكر المقاولاتي إلى الوسط الجامعي، انطلاقًا من رؤية استباقية تقوم على البحث عن منصات جديدة لتوظيف الطلبة خارج الإطار التقليدي للوظيفة العمومية، وذلك من خلال تشجيع إنشاء المؤسسات المصغرة والمؤسسات الناشئة. وقد بدأ هذا التوجه، بصورة أولية، على مستوى معهد العلوم والتقنيات والنشاطات البدنية والرياضية بجامعة مسيلة ، خلال الفترة التي كنت فيها مديرًا للمعهد.

ومنذ سنة 2014، شرعنا في إدماج مقاييس وتكوينات مرتبطة بالمقاولاتية لفائدة طلبة الماستر، بهدف تعريفهم بثقافة المبادرة، ومساعدتهم على تحويل أفكارهم إلى مشاريع، وتنمية قدراتهم على الابتكار وإنشاء المؤسسات. ولم يقتصر دور المعهد على إدراج هذه المقاييس، بل نظم كذلك دورات علمية وتكوينية متميزة حول المقاولاتية، والجودة، ونظام الإيزو، وتنمية النشاط، كما ساهمنا في إعداد الطلبة وتأهيلهم في هذه المجالات.

وكانت لنا تجربة فريدة من نوعها تمثلت في تأسيس أول تخصص على المستوى العربي في مجال الإعلام والاتصال الرياضي، وهو تخصص جمع بين علوم الرياضة وعلوم الإعلام والاتصال، واستجاب لحاجة متزايدة إلى تكوين كفاءات قادرة على مواكبة التطور الإعلامي والرقمي في المجال الرياضي.

كما نظمت أكثر من عشرة ملتقيات دولية، ساهمت في استقطاب أساتذة وباحثين وعلماء من مختلف الدول العربية الشقيقة والدول الأوروبية الصديقة. وقد فتحت هذه الملتقيات مجالًا للتكوين الجيد، وتبادل الخبرات، وبناء علاقات التعاون العلمي، كما أسهمت في تعزيز سمعة المؤسسة، ولا سيما الجامعة، التي أصبحت معروفة على المستويين العربي والإفريقي، واحتلت مراتب متقدمة بفضل النشاطات العلمية والتكوينية والحركية اليومية التي كان المعهد يضطلع بها.

أما في مجال التأطير العلمي، فقد شاركت في الإشراف والمناقشة والتأطير لعدد كبير من مذكرات الماستر وأطروحات الدكتوراه، إلى جانب المشاركة في المؤتمرات العلمية والملتقيات الوطنية والدولية. وأعتبر تأطير الطلبة والباحثين مسؤولية علمية وأخلاقية؛ لأن الأستاذ الجامعي يساهم في تكوين أجيال جديدة من الباحثين والممارسين.

وتوجت هذه المسيرة بعدد من شهادات التميز والتكريم، من بينها شهادة التميز العلمي العربي في علوم الرياضة سنة 2016، التي منحتها الأكاديمية العلمية للبحث والتدريب في لندن. حيث تم اختياري أحسن عميد كلية تربية رياضية في الوطن العربي.

وبصفتي مديرًا للمعهد، حصلت كذلك على المرتبة الثانية في تصنيف أحسن كلية تربية رياضية في الوطن العربي، وذلك خلال التقييم الذي نظمته جامعة البصرة في العراق.

كما تحصلت على شهادة التميز العلمي العربي الفئة -أ- من المجمع العلمي العربي العلوم الرياضة سنة 2018

كما شاركت في نشاطات علمية وتكوينية داخل الجزائر وخارجها، وأسهمت في مشاريع وأعمال تتصل بتطوير التكوين الجامعي والإدارة الرياضية.

وبعد انتهاء مهامي من ادارة المعهد توجهت إلى ميدان البحث العلمي وخثصت وقتي وجهدي في دراسة قضايا معاصرة في الإدارة الرياضية كللت بابتكار نموذج بوسفو في التخطيط الاستراتيجي للمؤسسات والدول وكذا اقتراح مخطط استراتيجي لعصرنة قطاعي الشباب والرياضة رؤوبة 2030

لكنني أؤكد دائمًا أن قيمة الإنجاز العلمي لا تتحدد بالشهادة أو التكريم وحدهما. القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول المعرفة إلى أثر، وعندما يستفيد منها الطالب والمؤسسة والمجتمع. ولهذا أحرص على ربط البحث العلمي بالمشكلات الواقعية، وعلى تشجيع الجامعة على الانفتاح على محيطها الاجتماعي والاقتصادي والرياضي.


 

السؤال الرابع: الرؤية الفكرية وقضايا الإدارة والحوكمة الرياضية

من خلال خبرتكم العلمية والميدانية، كيف تقرؤون واقع الرياضة الجزائرية والعربية؟ وما تصوركم لتطوير الإدارة الرياضية، والحوكمة، والتخطيط الاستراتيجي، وتأهيل الموارد البشرية، وربط الجامعة بالميدان؟ وكيف تنظرون إلى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ودورهما في بناء نموذج رياضي حديث يخدم الإنسان والمؤسسة والمجتمع؟

الإجابة:

تطوير الرياضة يحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة مؤهلة، وتخطيط استراتيجي، وحوكمة تقوم على الشفافية والمساءلة وتحديد المسؤوليات. فالرياضة منظومة متكاملة تشمل الرياضي والمدرب والإداري والطبيب والباحث والإعلامي والمنشأة والمؤسسة والاتحاد والوزارة والجامعة.

من خلال تجربتي العلمية والميدانية، أرى أن أحد التحديات الأساسية يتمثل في ضعف الربط بين الإمكانيات المتاحة وطريقة إدارتها وتوظيفها. قد تتوفر المنشآت والموارد المالية والكفاءات الرياضية، لكن النتائج تحتاج إلى منظومة إدارية وتنظيمية قادرة على توجيه هذه الإمكانيات وفق أهداف محددة ومؤشرات قابلة للقياس.

الإدارة الرياضية الحديثة تقوم على التخصص. فالنادي الرياضي أو الاتحاد أو المؤسسة الرياضية يحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة في الإدارة والمالية والقانون والتسويق والإعلام والاتصال والطب الرياضي وتحليل البيانات. كما يحتاج إلى هياكل تنظيمية واضحة، وتوزيع دقيق للمهام، وآليات للمتابعة والتقييم والمساءلة.

أؤمن بأن التخطيط الاستراتيجي يمثل أساسًا في بناء المؤسسات الرياضية. يجب أن نبدأ بتشخيص الواقع، وتحديد المشكلات والاحتياجات، ثم صياغة الرسالة والرؤية والقيم، وتحديد الميادين والأهداف والإجراءات، ووضع مؤشرات قياس وجدول زمني للإنجاز والمتابعة والتقييم.

هذه الرؤية ترتبط بالمقاربة التي أعمل عليها في مجال التخطيط والإدارة، والتي تقوم على الانتقال من الفكرة إلى التشخيص، ثم إلى الرؤية والأهداف والإجراءات ومؤشرات الأداء. وقد سعيت إلى توظيف هذه المقاربة في مشاريع تتعلق بالمؤسسات الجامعية والرياضية، مع مراعاة خصوصية البيئة الجزائرية والعربية.

أما الحوكمة الرياضية، فهي تحتاج إلى الشفافية في اتخاذ القرار، وضبط العلاقة بين المسؤوليات والصلاحيات، ونشر المعلومات الأساسية، ومراقبة التسيير المالي والإداري، وإشراك الكفاءات في صناعة القرار. كما تحتاج إلى ثقافة مؤسسية تجعل المصلحة العامة واستمرارية المشروع فوق الاعتبارات الشخصية.

في هذا السياق، أرى أن الجامعة مطالبة بتقديم حلول علمية للميدان. الأبحاث والتوصيات لا تحقق أثرها الكامل عندما تبقى بعيدة عن المؤسسات المستفيدة. لذلك يجب بناء شراكات حقيقية بين الجامعات والوزارات والاتحاديات والأندية والمؤسسات الاقتصادية، وتحويل المنتجات العلمية إلى مشاريع قابلة للتطبيق والتقييم.

أما التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فأراهما من أهم المجالات التي ستؤثر في مستقبل الرياضة. يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء، واكتشاف المواهب، ومتابعة الأحمال التدريبية، والوقاية من الإصابات، وإدارة المنشآت، وتحليل البيانات، ودعم اتخاذ القرار.

لكنني أؤكد مبدأً أساسيًا: الذكاء الاصطناعي مساعد للإنسان، وليس بديلًا عنه. فالإنسان هو الذي يحدد الرؤية والقيم والأهداف والمسؤوليات. والتكنولوجيا تقدم أدوات للتحليل والتوقع والدعم، لكن القرار الرياضي يحتاج إلى مسؤولية أخلاقية ومهنية وإنسانية.

أطمح إلى الإسهام في بناء نموذج وطني للحوكمة الرياضية الذكية في الجزائر، يقوم على الإدارة الرشيدة، والتحول الرقمي، والشفافية، وتأهيل الموارد البشرية، وتطوير صناعة البطل الرياضي، وربط البحث العلمي باحتياجات الميدان. هذا المشروع يحتاج إلى تعاون المؤسسات الجامعية والرياضية والإدارية والاقتصادية، وإلى رؤية وطنية طويلة المدى.


 

السؤال الخامس: فلسفة الحياة والطموحات المستقبلية والرسالة

بعد مسيرة علمية ومهنية طويلة، كيف تشكلت فلسفتكم في الحياة والعمل والنجاح؟ وكيف توفقون بين المسؤوليات المهنية والعائلية والبحث العلمي؟ وما المشاريع والطموحات التي تسعون إلى تحقيقها مستقبلًا؟ وما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الطلبة والباحثين والشباب، وإلى كل من يسعى إلى بناء مسار علمي ومهني قائم على العمل والإخلاص والمسؤولية؟

الإجابة:

أؤمن بأن النجاح الحقيقي يقوم على العمل والجهد والإخلاص والأمانة والتفاني. هذه القيم رافقتني منذ طفولتي، وترسخت من خلال التربية الأسرية والتكوين الديني والتجربة الدراسية والمهنية. وقد تعلمت أن الإنسان لا يستطيع تحقيق أهدافه بالاعتماد على الرغبة وحدها، وإنما يحتاج إلى الانضباط والاستمرارية والقدرة على تجاوز الصعوبات.

المسيرة الطويلة تجعل الإنسان يدرك أن الإنجازات لا تأتي دفعة واحدة. كل شهادة، وكل بحث، وكل مسؤولية، وكل مشروع، وكل تجربة ميدانية تمثل جزءًا من بناء متواصل. لذلك أحرص على التعامل مع كل مرحلة باعتبارها مسؤولية جديدة، وأحاول أن أتعلم من النجاحات والأخطاء على حد سواء.

التوفيق بين الحياة المهنية والعائلية يمثل تحديًا دائمًا. العمل الأكاديمي والإداري يحتاج إلى وقت وجهد، والبحث العلمي يتطلب تركيزًا واستمرارية، لكن الأسرة تبقى عنصرًا أساسيًا في الاستقرار والدعم. أحرص على أن أكون حاضرًا في محيطي العائلي، وأن أوازن قدر الإمكان بين الالتزامات المهنية والمسؤوليات الأسرية.

أما طموحاتي المستقبلية، فترتبط بمواصلة البحث العلمي، وتطوير الإدارة والتسيير الرياضي، ودعم الحوكمة الرياضية، والمساهمة في بناء مشاريع علمية ومؤسسية تخدم الجزائر والجامعة والمجتمع. أهتم بصورة خاصة بمستقبل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الرياضة، وبإعداد الكفاءات القادرة على إدارة المؤسسات الرياضية وفق أسس علمية حديثة.

كما أطمح إلى مواصلة العمل على المشاريع المرتبطة بالتخطيط الاستراتيجي والحوكمة الرياضية الذكية، وتطوير العلاقة بين الجامعة والميدان، وتشجيع الطلبة والباحثين على الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها وتوظيفها في معالجة المشكلات الواقعية.

رسالتي إلى الطلبة والشباب هي أن يؤمنوا بقدراتهم، وأن يختاروا مساراتهم بوعي، وأن يحترموا العلم والعمل. قد يواجه الإنسان اعتراضات أو صعوبات أو ظروفًا لا تتوافق مع طموحاته، لكن عليه أن يمتلك رؤية واضحة، وأن يطور نفسه باستمرار، وأن يحافظ على قيمه.

أقول دائمًا إن الشهادة العلمية تفتح الباب، لكن العمل الجاد هو الذي يبني المسار. والنجاح يحتاج إلى المعرفة والأخلاق والانضباط والمسؤولية. كما أن خدمة الوطن لا ترتبط بالمناصب وحدها، وإنما تظهر في كل عمل يؤديه الإنسان بإخلاص، وفي كل طالب يساعده، وكل فكرة يطورها، وكل مشروع يسهم في تحقيقه.

أشكر مجلة «إضاءات» على هذه المساحة الحوارية، وأتمنى أن يكون هذا اللقاء فرصة للتأكيد على أهمية العلم والعمل وبناء المؤسسات، وعلى ضرورة الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس أي مشروع تنموي ورياضي وأكاديمي مستدام.

شكرًا لكم، وكل التوفيق لمجلة «إضاءات» وطاقمها وقرائها.