
الدكتور ريسان خريبط مجيد:من تاسيس المؤسسات الرياضية إلى بناء جسور المعرفة العلمية العربية والعالمية
تمثّل مسيرة الأستاذ الدكتور ريسان خريبط مجيد تجربة علمية ورياضية ثرية، امتدت عبر بلدان ومؤسسات متعددة، وجمعت بين الإنجاز الرياضي والبحث العلمي والتدريس الجامعي وتأسيس المؤسسات الأكاديمية والمجلات العلمية.

وقد أسهم، على امتداد مسيرته، في تطوير علوم الرياضة، وتكوين الباحثين، وإثراء المعرفة العلمية من خلال التأليف والترجمة والإشراف على البحوث الجامعية، فضلًا عن تعزيز التعاون العلمي على المستويين العربي والدولي. كما ارتبط اسمه بمشروع المجمع العلمي العربي للعلوم الرياضية، الذي يمثّل إطارًا للتعاون بين المؤسسات والجمعيات العلمية المتخصصة في الوطن العربي.

وتتيح لنا استعادة هذه التجربة الاقتراب من مسيرة أكاديمية كرّست سنوات طويلة لخدمة علوم الرياضة، واستكشاف ما راكمته من خبرات ودروس في بناء المؤسسات وتطوير البحث العلمي، وتعزيز العلاقة بين الجامعة والممارسة الرياضية، ودور المؤسسات العلمية في إنتاج المعرفة وإعداد الأجيال.

في هذا الحوار، نستعيد أبرز محطات هذه المسيرة، ونتعرّف إلى رؤية ضيفنا لمستقبل علوم الرياضة، ونتوقف عند مشروع التعاون العلمي العربي الذي يتجسد في المجمع العلمي العربي للعلوم الرياضية، وآفاقه في تعزيز التواصل بين المؤسسات والجمعيات العلمية المتخصصة.

السؤال الأول: كيف بدأت رحلتكم مع الرياضة؟
بدأت رحلتي مع الرياضة في بيئة ريفية بسيطة بضواحي مدينة العمارة، جنوب العراق، حيث عشت طفولتي الأولى في ظروف حياتية صعبة تركت أثرًا عميقًا في تكويني البدني والنفسي. ففي عام 1956، عندما بدأت تعليمي الابتدائي، كنت أقطع، مع أبناء قريتي، مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة سيرًا على الأقدام وركضًا، ونعبر الأنهار المتفرعة من نهر دجلة سباحةً، حاملين كتبنا وملابسنا البسيطة. وكنا نواجه الأمطار والبرد القارس، حتى إن ملابسنا كانت تبتل وتثقل بالماء، وكانت مدارسنا البسيطة، المبنية من القصب والطين، لا توفر لنا الكثير من الحماية من قسوة الشتاء.

لم أكن أدرك آنذاك أن تلك الظروف القاسية كانت تسهم، بصورة غير مباشرة، في بناء قدرتي على التحمل والصبر والمثابرة، وهي صفات أصبحت لاحقًا من الركائز المهمة في مسيرتي الرياضية والعلمية.
وفي عام 1958، انتقلت عائلتي إلى مركز مدينة العمارة، وهناك بدأت موهبتي الرياضية تظهر بوضوح. ففي المرحلة الابتدائية، تفوقت على أقراني في سباقات المسافات الطويلة، وحققت نتائج متميزة في سباقي 1500 متر و3000 متر على مستوى مدارس المحافظة

.
السؤال الثاني: كيف انتقلتم من المنافسة الرياضية إلى البحث العلمي والتخصص الأكاديمي؟
تطور شغفي بالرياضة تدريجيًا، وانتقل من الممارسة والمنافسة الرياضية إلى التخصص الأكاديمي والبحث العلمي. ومع مرور السنوات، أصبحت الرياضة بالنسبة إليّ مجالًا علميًا يستحق البحث والتحليل والفهم العميق.
ومن هنا تبلور اهتمامي بعلوم التدريب الرياضي والعلوم المرتبطة بالأداء الرياضي، والعوامل الفسيولوجية والبيولوجية والنفسية التي تسهم في تطوير قدرات الرياضيين. وقد قادني هذا الاهتمام إلى مواصلة دراساتي العليا، والعمل الأكاديمي والبحثي، والإسهام في إعداد الباحثين وتأليف الكتب العلمية وترجمة المعارف الرياضية.

وهكذا، فإن رحلتي من طرقات القرية وأنهارها إلى ميادين المنافسة ومؤسسات البحث العلمي كانت امتدادًا لشغف واحد: فهم الإنسان، واكتشاف قدراته، والبحث عن أفضل السبل لتنميتها وتطويرها بالعلم والمعرفة.

السؤال الثالث: أسهمتم في تأسيس كليات وأقسام ومجلات وأكاديميات ومجالس علمية في العراق والإمارات وليبيا واليمن والسويد وأستراليا وروسيا وألمانيا وبريطانيا، وتوليتم مسؤوليات إدارية وأكاديمية متعددة. ما أبرز التحديات التي واجهتكم في هذه التجارب؟
لقد كانت مشاركتي في تأسيس الكليات والأقسام والمجلات والأكاديميات والمجالس العلمية، وتولي المسؤوليات الإدارية والأكاديمية في عدد من الدول، تجربة واسعة ومتنوعة. وقد اختلفت ظروف هذه التجارب من بلد إلى آخر، لكنها اشتركت جميعًا في هدف أساسي، هو بناء مؤسسات علمية راسخة تخدم علوم الرياضة وتدعم البحث والتعليم والتطوير.

ومن أبرز التحديات التي واجهتني تحدي الانتقال من الفكرة إلى المؤسسة. فالفكرة العلمية قد تكون واضحة ومقنعة، لكن تحويلها إلى كلية أو قسم أو مجلة أو أكاديمية يحتاج إلى تخطيط طويل، وإجراءات إدارية وقانونية، وموارد مالية وبشرية، فضلًا عن القدرة على إقناع الجهات المعنية بأهمية المشروع وجدواه العلمية والمجتمعية.

كما واجهت تحدي بناء الكوادر العلمية والإدارية القادرة على تحمل مسؤولية المؤسسة وضمان استمرارها. فالمؤسسة لا تقوم على شخص واحد، مهما كانت خبرته أو جهوده، وإنما تحتاج إلى فريق متكامل من الأساتذة والباحثين والإداريين، وإلى نظام واضح لتوزيع المسؤوليات وتطوير الأداء وإعداد قيادات جديدة قادرة على مواصلة المسيرة.

وكان اختلاف البيئات الأكاديمية والثقافية والإدارية بين الدول من التحديات المهمة أيضًا. فقد عملت في بيئات عربية وأوروبية، لكل منها أنظمتها وتقاليدها وأساليبها في الإدارة والتعليم والبحث العلمي. لذلك، كان من الضروري فهم خصوصية كل مجتمع، واحترام أنظمته، والتكيف مع متطلباته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المعايير العلمية والمهنية التي ينبغي أن تحكم العمل الأكاديمي.
ومن التحديات التي واجهتها كذلك محدودية الموارد أحيانًا، وصعوبة توفير التجهيزات والمختبرات والمراجع العلمية، فضلًا عن ضعف التواصل بين المؤسسات العلمية في بعض المراحل. وقد تطلب ذلك البحث عن بدائل عملية، وبناء علاقات تعاون مع الجامعات والمراكز البحثية، والاستفادة من الخبرات الدولية، وتشجيع التبادل العلمي والمؤتمرات والمشروعات المشتركة.
أما تأسيس المجلات العلمية والمجالس والأكاديميات، فقد واجه تحديات خاصة، من أهمها ضمان الرصانة العلمية، واستقطاب الباحثين، وتنظيم التحكيم العلمي، والالتزام بأخلاقيات النشر، وتحقيق الاستمرارية والانتظام. فالمجلة العلمية لا تنجح بمجرد إصدار أعدادها الأولى، بل تحتاج إلى سياسة تحريرية واضحة، وهيئة علمية متخصصة، ونظام تحكيم نزيه، وحرص دائم على جودة البحوث وموضوعيتها. السؤال الرابع: ما أهم الدروس التي خرجتم بها من التجارب السابقة في المجال الرياضي؟
لقد تعلمت من هذه التجارب أن بناء المؤسسات العلمية يحتاج إلى الصبر والنفس الطويل، لأن النتائج لا تظهر دائمًا بسرعة، وأن النجاح الحقيقي يتحقق بالحوار والعمل الجماعي وتوزيع الأدوار. كما أدركت أن المؤسسة الناجحة هي التي تستطيع الاستمرار بعد مغادرة مؤسسها أو تغير المسؤولين عنها، ولذلك ينبغي منذ البداية بناء الأنظمة واللوائح والكوادر التي تضمن ديمومتها.
ومن أهم الدروس التي خرجت بها أن الإدارة الأكاديمية ليست منصبًا إداريًا فحسب، بل هي مسؤولية علمية وأخلاقية. فالمسؤول الأكاديمي مطالب بالموازنة بين متطلبات الإدارة وحقوق العاملين واحتياجات الطلبة وأهداف المؤسسة، واتخاذ قراراته على أساس المصلحة العلمية العامة، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الضيقة.
كما تعلمت أن التعاون الدولي لا يعني نقل النماذج الجاهزة من بلد إلى آخر، بل يقوم على تبادل الخبرات وتكييف التجارب بما يتناسب مع خصوصية المجتمع واحتياجاته. وقد أفادتني خبرتي في روسيا وألمانيا وبريطانيا والسويد وأستراليا، إلى جانب تجاربي في العراق والإمارات وليبيا واليمن، في إدراك أهمية الجمع بين الأصالة والانفتاح، والاستفادة من التجارب العالمية مع الحفاظ على الأولويات المحلية.
وأدركت كذلك أن تأسيس الكليات والأقسام والمجلات والأكاديميات ينبغي أن يرتبط بمشروع علمي واضح، يحدد طبيعة التخصصات وأولويات البحث واحتياجات المجتمع وسبل إعداد الطلبة والباحثين. فالمؤسسة العلمية تُقاس بما تنتجه من معرفة، وما تؤهله من كفاءات، وما تقدمه من حلول، لا بمجرد وجودها الإداري.
وخلاصة تجربتي أن بناء المؤسسات العلمية عمل تراكمي تشترك فيه أجيال متعددة، وأن أعظم نجاح يمكن أن يحققه الأكاديمي هو وضع أساس يستفيد منه الآخرون ويطورونه. فالتأسيس قد يبدأ بجهد فرد، لكنه لا ينجح إلا بإرادة جماعية تضمن استمرار المؤسسة وتجددها وخدمة المجتمع.
السؤال الخامس: من واقع خبرتكم الدولية، ما الشروط التي تجعل المؤسسة الجامعية قادرة على تطوير التكوين والبحث العلمي وإعداد أجيال تواصل مسيرة التطور بعد مؤسسيها؟
من واقع تجربتي الأكاديمية والمؤسسية في عدد من البيئات العربية والدولية، أرى أن نجاح المؤسسة الجامعية واستمرارها يرتبطان بمجموعة من الشروط العلمية والإدارية والإنسانية التي ينبغي أن تتكامل فيما بينها.
أول هذه الشروط امتلاك المؤسسة رؤية علمية واضحة، لا تقتصر على تسيير شؤون التعليم، بل تحدد أهدافها المستقبلية في تطوير المناهج، والارتقاء بمستوى التكوين، وتعزيز البحث العلمي، والاستجابة للتحولات المعرفية والتكنولوجية واحتياجات المجتمع.
وثانيها اختيار الكفاءات العلمية والإدارية على أساس الخبرة والجدارة والنزاهة، مع توفير بيئة جامعية تشجع التفكير النقدي والإبداع والمبادرة، وتحترم حرية البحث العلمي، وتتيح للأساتذة والباحثين والطلبة فرصًا حقيقية للتعلم والتطوير والمشاركة في إنتاج المعرفة.
أما الشرط الثالث، فيتمثل في بناء منظومة متكاملة للبحث العلمي، توفر المختبرات والتجهيزات والمراجع والموارد اللازمة، وتشجع التعاون بين التخصصات، وتربط البحث بالتطبيق العملي. فالتكوين الجامعي المتطور لا يقوم على نقل المعلومات وحدها، بل على إعداد باحثين قادرين على طرح الأسئلة العلمية، وتحليل المشكلات، واختبار الأفكار، والوصول إلى نتائج موثوقة.
ومن الشروط المهمة أيضًا الانفتاح على الجامعات ومراكز البحث العلمي في العالم، وتبادل الخبرات، وتنظيم المؤتمرات والمشروعات المشتركة، والاستفادة من التطورات العلمية والتكنولوجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، مع توظيفها بصورة مسؤولة تخدم جودة التعليم والبحث العلمي.
وأعتقد أن الشرط الأكثر أهمية لضمان استمرار المؤسسة بعد مؤسسيها هو بناء نظام مؤسسي لا يعتمد على فرد واحد، مهما بلغت خبرته ومكانته العلمية. ويتطلب ذلك وضع لوائح واضحة، وتوزيع المسؤوليات، وإعداد قيادات أكاديمية بديلة، ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي والمساءلة والتقييم المستمر.
فالمؤسس الناجح هو من يضع الأسس التي تمكّن المؤسسة من مواصلة رسالتها وتطوير أدائها بعد انتهاء دوره. ومن هنا تأتي أهمية إعداد الصف الثاني والثالث من القيادات العلمية، ومنح الشباب فرصًا حقيقية لتحمل المسؤولية، وتطوير أفكارهم، والمشاركة في اتخاذ القرارات.
كما أن الاستقرار المالي والإداري، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، والتقييم الدوري لجودة التعليم والبحث العلمي، تمثل عناصر ضرورية لحماية المؤسسة من التراجع أو التوقف عند تغير القيادات أو الظروف المحيطة بها.
وخلاصة تجربتي أن الجامعة منظومة متكاملة لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان وإعداد الأجيال. وتقاس قوتها بقدرتها على تجديد نفسها، واكتشاف الكفاءات، وتطوير برامجها، والمحافظة على رسالتها العلمية مع مواكبة المتغيرات.
وأؤمن بأن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه مؤسس مؤسسة جامعية هو إعداد قيادات علمية قادرة على مواصلة رسالتها وتطويرها، وإضافة معرفة جديدة وآفاق أوسع إلى ما أنجزه الجيل السابق. السؤال السادس: كيف أسهم التأليف والترجمة والإشراف العلمي وتأسيس المجلات الأكاديمية في دعم الباحثين العرب؟ وما الذي تحتاج إليه المجلات العلمية العربية اليوم؟
أرى أن التأليف والترجمة والإشراف العلمي وتأسيس المجلات الأكاديمية تمثل حلقات متكاملة في بناء المعرفة وتطوير البحث العلمي. فمنذ بداية مسيرتي الأكاديمية، كنت أؤمن بأن تطور علوم الرياضة لا يتحقق بالممارسة والخبرة وحدهما، بل يحتاج إلى قاعدة معرفية راسخة، ومصادر علمية موثوقة، وفرص حقيقية أمام الباحثين للوصول إلى المعرفة وإنتاجها ونشرها.
ومن هذا المنطلق، حرصت على التأليف في مجالات متعددة من علوم الرياضة، وترجمة الكتب والمراجع العلمية، والإشراف على طلبة الدراسات العليا والباحثين. وقد بلغ إنتاجي العلمي 102 كتاب، منها 20 كتابًا مترجمًا، إلى جانب الإشراف على 104 رسائل وأطروحات علمية. ولم يكن الهدف من هذه الأعمال زيادة عدد المنشورات فحسب، بل الإسهام في توفير المعرفة المتخصصة، وتبسيط المفاهيم العلمية، وربط الأسس النظرية بالتطبيقات العملية في التدريب الرياضي والعلوم المرتبطة به.
وقد أسهمت الترجمة، على وجه الخصوص، في نقل معارف علمية من مدارس بحثية دولية، ولا سيما الروسية والإنجليزية، إلى القارئ العربي، بما يساعد الباحثين والمدربين وطلبة الجامعات على الاطلاع على الاتجاهات العلمية المختلفة والاستفادة منها في دراساتهم وممارساتهم. أما الإشراف العلمي، فقد أتاح لي فرصة المشاركة في إعداد أجيال من الباحثين، وتعزيز قدرتهم على التفكير المنهجي، وتصميم البحوث، وتحليل النتائج، والالتزام بأخلاقيات البحث العلمي.
وبالتوازي مع ذلك، جاء الاهتمام بتأسيس المجلات العلمية والأكاديميات انطلاقًا من قناعتي بأن الباحث يحتاج إلى أكثر من مصدر يقرأ منه؛ فهو يحتاج أيضًا إلى منبر علمي رصين ينشر من خلاله نتائج أبحاثه، ويتيح للآخرين مناقشتها وتقويمها والبناء عليها. فالمجلة العلمية ليست مجرد وسيلة لنشر المقالات، بل هي جزء من البنية التحتية للبحث العلمي، وعنصر أساسي في التواصل بين الباحثين والمؤسسات الأكاديمية.
أما المجلات العلمية العربية اليوم، فإن تطويرها يتطلب، في تقديري، مجموعة من الشروط الأساسية. أولها الالتزام الصارم بجودة البحوث وأصالتها، وتطبيق نظام تحكيم علمي مستقل وشفاف يقوم على الكفاءة والتخصص، مع تجنب تضارب المصالح وضمان العدالة بين الباحثين. وثانيها اختيار هيئات تحرير تمتلك الخبرة العلمية، وتضم باحثين من مؤسسات ودول متعددة، وتعمل وفق سياسات تحريرية واضحة ومعايير معلنة.
كما تحتاج هذه المجلات إلى تطوير بنيتها الرقمية، من خلال أنظمة إلكترونية متكاملة لاستقبال البحوث وإدارة التحكيم ومتابعة مراحل النشر، واعتماد المعرفات الرقمية للمقالات، وتحسين قابلية اكتشاف الأبحاث والوصول إليها. السؤال الثامن: من خلال خبرتكم الدولية، ما أهم الدروس التي يمكن للمنظومات الرياضية العربية الاستفادة منها في اكتشاف المواهب وتطوير التدريب وربط الجامعات بالأندية والاتحادات الرياضية؟
من خلال تجاربي العلمية والأكاديمية في عدد من الدول، توصلت إلى قناعة أساسية، وهي أن التطور الرياضي يحتاج إلى منظومة متكاملة تتعاون فيها المؤسسات التعليمية والبحثية والأندية والاتحادات الرياضية، وتعمل وفق رؤية واضحة وأهداف طويلة الأمد.
الدرس الأول هو أن اكتشاف المواهب ينبغي أن يستند إلى أسس علمية، لا إلى الانطباعات الشخصية أو النتائج المبكرة وحدها. فالطفل الذي يحقق تفوقًا في مرحلة عمرية معينة ليس بالضرورة البطل المستقبلي، كما أن بعض المواهب قد لا تظهر بوضوح في سن مبكرة. لذلك، ينبغي اعتماد برامج علمية مستمرة تدرس الخصائص الجسمية والبدنية والفسيولوجية والنفسية والمهارية، مع مراعاة النمو والتطور الفردي، وتوجيه الناشئ إلى الفعالية الرياضية التي تتناسب مع إمكاناته وقابلياته، دون إهمال رغبته ودافعيته.
أما الدرس الثاني، فيتمثل في تطوير التدريب على أساس المعرفة العلمية والقياس الموضوعي. فالتدريب الحديث ينبغي أن يستفيد من علوم التدريب والفسيولوجيا والكيمياء الحيوية والبيوميكانيكا وعلم النفس وعلوم الأعصاب والتغذية والاستشفاء والطب الرياضي والقياس والتقويم، إلى جانب الخبرة العملية للمدرب. ويساعد تكامل هذه التخصصات على تحديد متطلبات كل فعالية، وتقنين الأحمال التدريبية، ومتابعة التكيف والتعب، والحد من الإصابات، وتحسين الأداء وفق الفروق الفردية بين الرياضيين.
والدرس الثالث هو بناء شراكة حقيقية بين الجامعات والأندية والاتحادات الرياضية. فالجامعة ليست مؤسسة تمنح الشهادات وتنتج البحوث فحسب، بل يمكن أن تكون شريكًا مباشرًا في تطوير الأداء الرياضي. إذ تستطيع إجراء الاختبارات والقياسات والتحاليل، وتقديم الاستشارات العلمية، وتأهيل الكوادر التدريبية، والمشاركة في تقييم البرامج، بينما توفر الأندية والاتحادات البيئة التطبيقية والرياضيين والمشكلات الواقعية التي تحتاج إلى حلول علمية. ومن هنا، ينبغي أن تتجه البحوث الجامعية إلى معالجة احتياجات الرياضة الفعلية، وأن تتحول نتائجها إلى برامج تدريبية وإجراءات قابلة للتطبيق والتقييم.
أما الدرس الرابع، فهو الاستثمار في الإنسان واستدامة المشروع الرياضي. فإعداد البطل يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، ومدربين مؤهلين، ومراكز متخصصة، ورعاية صحية ونفسية واجتماعية، وتمويل مستقر، ونظام دقيق لمتابعة المواهب منذ المراحل الأولى حتى المستويات العليا. كما ينبغي أن تُبنى البرامج على أسس مؤسسية وقواعد علمية تضمن استمرار العمل وتطويره.
وفي المرحلة الراهنة، يمكن للمنظومات الرياضية العربية الاستفادة أيضًا من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في متابعة تطور الرياضيين، وتحليل الأداء، وتحديد المؤشرات المبكرة للتعب والإصابة، بشرط استخدام هذه التقنيات ضمن منهج علمي وتحت إشراف متخصصين، دون أن تحل محل الخبرة الإنسانية والحكم العلمي.
وأعتقد أن أمام الدول العربية فرصة مهمة لبناء شبكات تعاون بين الجامعات والأكاديميات والأندية والاتحادات، وتبادل الخبرات والبيانات البحثية وفق ضوابط مهنية وأخلاقية، وتنسيق الجهود بدلًا من تكرارها أو عمل المؤسسات بصورة منفصلة. ويمكن أن يشكل هذا التعاون أساسًا لمشروعات عربية مشتركة في اكتشاف المواهب، وتطوير التدريب، وإعداد الأبطال.
وخلاصة تجربتي أن الموهبة هي نقطة البداية، والعلم أداة التطوير، والتكامل المؤسسي ضمان الاستمرار. وإذا نجحنا في تحويل نتائج البحوث إلى ممارسة يومية في الملاعب، وربطنا الجامعة بالمدرب والرياضي وصانع القرار، فسنتمكن من بناء منظومة رياضية عربية أكثر قدرة على التطور والاستقلال والإبداع، وتحقيق إنجازات قائمة على أسس علمية مستدامة.
السؤال التاسع: ما الرؤية التي انطلقتم منها في تأسيس المجمع العلمي العربي لعلوم الرياضة، وكيف يمكن جمع الجمعيات العلمية واللجان المتخصصة ضمن إطار يعزز التعاون والتكامل بين الباحثين العرب؟
انطلقت رؤيتي في تأسيس المجمع العلمي العربي لعلوم الرياضة من إيمان راسخ بأن الوطن العربي يمتلك طاقات علمية وخبرات أكاديمية متميزة في مختلف مجالات علوم الرياضة، إلا أن الاستفادة من هذه الطاقات تظل محدودة عندما تعمل المؤسسات والباحثون بصورة منفصلة، أو عندما لا تتوافر آليات مستدامة لتبادل الخبرات وتنسيق الجهود البحثية.
ومن هنا جاءت فكرة المجمع بوصفه إطارًا علميًا عربيًا يسعى إلى جمع الكفاءات، وتوحيد الجهود، وتشجيع البحث العلمي المشترك، وتوسيع فرص التواصل بين الباحثين والمؤسسات الأكاديمية في مختلف الدول العربية. ولم تكن الغاية إنشاء مؤسسة إضافية فحسب، بل الإسهام في بناء بيئة علمية عربية تتكامل فيها الخبرات، وتُتاح فيها الفرص أمام العلماء والباحثين لتقديم أعمالهم، وتطوير مشروعاتهم، ونقل معارفهم إلى الأجيال الجديدة.
وأرى أن الخطوة الأساسية لتحقيق هذه الرؤية تتمثل في بناء علاقة تعاون مؤسسية بين الجمعيات العلمية العربية واللجان المتخصصة والجامعات والأكاديميات والمجلات العلمية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال آليات عملية، في مقدمتها تشكيل لجان علمية مشتركة في التخصصات المختلفة، وتنظيم مؤتمرات وندوات دورية، وإطلاق مشروعات بحثية عربية مشتركة، وتبادل الباحثين والخبراء، وتطوير برامج للتدريب والتأهيل العلمي، فضلًا عن دعم نشر الكتب والبحوث الرصينة وتكريم العلماء الذين يقدمون إسهامات نوعية في تطور علوم الرياضة.
كما أرى أهمية إنشاء شبكة عربية للتكامل البحثي في علوم الرياضة، تكون مساحة للتواصل بين الباحثين والمؤسسات، وتساعد على تحديد الأولويات البحثية المشتركة، وتبادل الخبرات والنتائج العلمية، وربط البحوث بالمشكلات الواقعية التي تواجه الرياضة العربية. ويمكن أن تشمل هذه الشبكة مجالات حديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والطب الرياضي والبيوميكانيكا وعلم النفس الرياضي واكتشاف المواهب وصناعة البطل، إلى جانب بقية تخصصات علوم الرياضة.
لكن نجاح هذا التعاون يتطلب احترام استقلالية الجمعيات العلمية وتخصصاتها، وتوزيع الأدوار بوضوح، واعتماد معايير علمية ومهنية في اختيار المشاركين وإدارة المشروعات، مع توفير الشفافية والاستمرارية في العمل. فالتكامل لا يعني أن تفقد المؤسسات هويتها، بل أن تحتفظ كل مؤسسة بخصوصيتها، وتضع خبرتها في خدمة أهداف علمية مشتركة.
وأؤمن بأن المجمع ينبغي أن يكون مساحة جامعة للعلماء، لا منافسًا للجمعيات القائمة؛ ومنصة للتعاون، لا إطارًا للمركزية؛ ومبادرة تسهم في تحويل العلاقات العلمية من لقاءات موسمية إلى شراكات مستمرة ذات نتائج قابلة للقياس والتقويم.
إن طموحنا هو أن ننتقل بعلوم الرياضة العربية من الجهود المتفرقة إلى منظومة علمية متعاونة، ومن تبادل المعرفة إلى إنتاجها بصورة مشتركة، ومن المبادرات الفردية إلى مشروعات مؤسسية مستدامة. فحين تتكامل جهود العلماء والجمعيات والجامعات واللجان المتخصصة، تصبح قدرتنا أكبر على تطوير المعرفة، وإعداد الباحثين، وخدمة الرياضة العربية، وتعزيز حضورها في المجتمع العلمي الدولي. السؤال العاشر: كيف ترون مستقبل علوم الرياضة في ظل الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي وتكامل التخصصات، وما النصيحة التي تقدمونها إلى الباحثين الشباب لبناء مسارات علمية مؤثرة؟
أعتقد أن علوم الرياضة تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التطور، تتزايد فيها أهمية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتقنيات الرقمية، إلى جانب التكامل بين التخصصات المختلفة. فهذه الأدوات لا تساهم فقط في فهم الأداء الرياضي بدقة أكبر، بل تساعد أيضًا في اكتشاف المواهب، وتطوير البرامج التدريبية، والحد من الإصابات، وتحسين عمليات الاستشفاء والتعافي.
وأرى أن البحوث المستقبلية ستتجه نحو دراسة الظواهر الرياضية ضمن منظومة متكاملة، لأن الإنجاز الرياضي هو حصيلة تفاعل عوامل بدنية ومهارية وفسيولوجية ونفسية وعصبية وغذائية وبيئية. ومن هنا تبرز أهمية التعاون بين المتخصصين، بحيث يسهم كل منهم في تفسير جانب من الأداء للوصول إلى فهم أكثر شمولاً.
كما سيفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة لمعالجة البيانات واكتشاف الأنماط ودعم القرارات التدريبية، لكن نجاح ذلك يظل مرهونًا بجودة البيانات وسلامة التصميم البحثي والالتزام بالأخلاقيات العلمية.
أما نصيحتي للباحثين الشباب فهي أن يجعلوا العلم مشروع حياة، وأن يحرصوا على إتقان تخصصاتهم ومناهج البحث والإحصاء وتحليل البيانات، ومتابعة الإنتاج العلمي العالمي بعقل نقدي. كما أدعوهم إلى اختيار مشكلات بحثية حقيقية تسهم في تطوير التدريب واكتشاف المواهب والوقاية من الإصابات، وإلى الانفتاح على التخصصات الأخرى والعمل ضمن فرق بحثية وشراكات علمية واسعة.
وأخيرًا، لا تستعجلوا النتائج، ولا تجعلوا النشر غاية في حد ذاته، بل احرصوا على الأمانة العلمية وبناء رصيد معرفي متين. فمستقبل علوم الرياضة سيصنعه الباحث القادر على الجمع بين المعرفة العميقة والتفكير النقدي والابتكار والتعاون.
السؤال الحادي عشر: بعد مسيرة طويلة امتدت عبر الرياضة والجامعة والتأليف والترجمة والتأسيس المؤسسي، ما الإنجاز الذي تعتز به أكثر من غيره؟
عندما أنظر إلى مسيرتي العلمية والمهنية، أجد أن من الصعب حصرها في إنجاز واحد، لأن لكل مرحلة قيمتها وأثرها. ومع ذلك، فإن أكثر ما أعتز به هو الإسهام في بناء المعرفة الرياضية العربية من خلال التأليف والترجمة، وإعداد الباحثين، وتأسيس المؤسسات والمنابر العلمية التي تخدم الأجيال اللاحقة.
ومن أبرز المحطات في هذا المسار إصدار مجلة «الثقافة الرياضية» عام 1984، التي أسهمت في دعم البحث العلمي الرياضي في العراق والوطن العربي، ووفرت منبرًا أكاديميًا لنشر البحوث في مرحلة كانت المجلات المتخصصة فيها محدودة. وعندما توقفت عن الصدور عام 1987، واصل المشروع العلمي مسيرته من خلال تأسيس مجلة «دراسات وبحوث التربية الرياضية» لخدمة الباحثين وتعزيز حركة النشر العلمي المتخصص.
كما أعتز بجائزة العلماء العرب لأفضل كتاب في علوم الرياضة، وبتأسيس برامج الدراسات العليا في كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة بجامعة البصرة، والمساهمة في تأسيس الدراسات العليا بجامعة سبها، وكلية التربية البدنية في صنعاء، والمجمع العلمي العربي لعلوم الرياضة في أستراليا. وأعتز كذلك بإعداد موسوعة «المواهب وصناعة البطل الرياضي»، وابتكار مشروع «البصمة العلمية الشاملة للألعاب الرياضية» الذي يربط متطلبات الرياضات المختلفة بالتخصصات العلمية المتعددة.
وفي نهاية المطاف، يبقى أكثر ما يمنحني الرضا هو أن جهدي لم يتوقف عند حدود الإنجاز الشخصي، بل امتد إلى بناء مؤسسات علمية وإنتاج معرفة يمكن للأجيال القادمة أن تطورها وتبني عليها.
السؤال الثاني عشر: ما الدروس الأهم التي علّمتكم إياها هذه المسيرة العلمية الطويلة الممتدة عبر الأجيال؟
علّمتني هذه المسيرة أن الإنجاز العلمي يحتاج إلى الصبر والاستقلالية الفكرية والإيمان بالفكرة، حتى وإن استغرق تحقيقها سنوات طويلة. كما أدركت أن المعرفة لا تنمو بالعزلة، بل بالحوار العلمي والانفتاح على التجارب المختلفة، مع الحفاظ على التفكير النقدي وعدم الاكتفاء بتكرار ما ينتجه الآخرون.
وتعلّمت أيضًا أن بناء المؤسسات أكثر صعوبة من طرح الأفكار؛ لأنه يتطلب رؤية واضحة، وعملًا جماعيًا، ونزاهة، وقدرة على الاستمرار والتجدد. كما أن الطريق العلمي لا يخلو من التحديات، وأن النجاح لا يُقاس بسرعة النتائج، بل بصدق الجهد وقيمة الأثر. ولذلك فإن المحافظة على الأمانة العلمية، وتقبّل النقد الموضوعي، ومواصلة التعلم والتطوير، تبقى من أهم مقومات النجاح العلمي.
السؤال الثالث عشر: ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الأجيال العربية الجديدة؟
رسالتي إلى الأجيال العربية الجديدة أن تنظر إلى العلم بوصفه مسؤولية ورسالة، لا مجرد وسيلة للحصول على الشهادات والألقاب. أدعو الشباب إلى التخصص العميق، وإتقان مناهج البحث، وتعلم اللغات، والاستفادة الواعية من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، مع الانفتاح على المدارس العلمية العالمية.
كما أشجعهم على الثقة بقدرتهم على الإبداع، وطرح أسئلتهم الخاصة، والبحث عن حلول للمشكلات التي تواجه مجتمعاتهم. وأتمنى أن يتحول الباحث العربي من مستهلك للمعرفة إلى شريك في إنتاجها وتطويرها، من خلال مؤسسات بحثية ومشروعات علمية عربية قادرة على المنافسة والتعاون دوليًا. فالعلم لا يعرف الحدود، لكنه يحتاج إلى إرادة وعمل مؤسسي يهيئان بيئة حقيقية للإبداع والتميز.
السؤال الرابع عشر: ما الأثر الذي تأملون أن تتركه المؤسسات والمشروعات العلمية التي أسهمتم في تأسيسها؟
أتمنى أن تستمر المؤسسات والمشروعات العلمية التي أسهمت في تأسيسها في أداء رسالتها وتطويرها بعد مؤسسيها، وأن تصبح منصات دائمة لإنتاج المعرفة وتبادل الخبرات واكتشاف الكفاءات الشابة. كما آمل أن تواصل الكتب والمجلات والجوائز والمؤتمرات والبرامج العلمية التي شاركت في بنائها دعم الباحثين العرب وتعزيز التعاون العلمي بينهم.
فالمؤسسة العلمية الحقيقية لا تقاس بمجرد تأسيسها، بل بقدرتها على الاستمرار والتجدد وإعداد أجيال جديدة قادرة على تطوير ما أنجزه السابقون. وفي النهاية، أؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس المناصب أو الألقاب، بل المعرفة التي أسهم في بنائها، والأثر الذي تركه في عقول الآخرين، والفرص التي أتاحها لمن يأتي بعده. وإذا استطاعت الأجيال الجديدة أن تبني على ما أنجزناه وتطوره إلى آفاق أوسع، فسأعدّ ذلك من أثمن ثمار هذه المسيرة.







