سيدة الضباب”   للأدبية والاعلامية سليمة مليزي 

إصدار:

“سيدة الضباب”

للأدبية والاعلامية سليمة مليزي

 

مصطفى بوغازي/الجزائر

 

تحتفي لأديبة والصحفية سليمة مليزي بالطبعة الثالثة من كتابها “سيدة الضباب”، الصادرة عن منشورات القرن الواحد والعشرين للنشر والتوزيع والترجمة، لتضع القارئ العربي أمام نصوص أدبية تزاوج فيها بين ألم السرد القصصي والهمسات الوجدانية المستعادة من مهد الطفولة. ويُعدّ هذا العمل وثيقة إنسانية وفنية تتجاوز حدود السيرة الذاتية الضيقة لتنفتح على الذاكرة الجمعية والتاريخ الجزائري العميق، حيث يفتتح المجموعة القاص عبد الغني نائلي دواودة بـ “همسة كاتب”، تليها قراءة نقدية تحليلية عذبة للدكتورة والشاعرة السورية رشا السيد بعنوان “بين الذاكرة والحنين”، لتنطلق بعدها النصوص في فيض من الجمال اللغوي والسرد الواقعي الممزوج بعبق الذاكرة والأمل.

 

​تكشف لنا الكاتبة عالمها بإهداء مفعم بالحب والوفاء لقرائها ولروح والدها الشهيد “سي عمار مليزي ابن القاضي”، معتبرة إياه وطناً من نور، ولربوع مسقط رأسها “بني عزيز” المرابضة عند سفوح جبال بابور. وتتداخل الرسائل الوجدانية الحارقة لترسم ملامح طفولة تفتحت على التضحيات والكرامة والإصالة، قبل أن تنقلنا النصوص بين محطات ومواقف إنسانية واجتماعية ووطنية صيغت بأسلوب سردي جميل. ففي قصة “شبح الظلم” تحتفي الكاتبة بنضال الأم والأمومة واستبسالها لأجل حماية حقوق بناتها في تمازج مع مناظر الطبيعة القروية وعطر الورود، بينما ترسم في قصتها “حب عذري” الحائزة على التناول النقدي والاحتفاء ملهمة الحب العفيف الشفاف بين “حامة” و”خديجة” في خمسينيات القرن الماضي الملتحمة بأجواء الجبل وتضحية الشهداء.

 

​أما في القصة الرئيسة “سيدة الضباب”، الحائزة على الجائزة الأولى عربياً عن الاتحاد العربي للثقافة، فتتجسد شخصية “حورية” التي تتحدى العنف الأسري والجهل لتتحول من ضحية إلى صحفية ومبدعة تؤسس مراكز لتعليم الفتيات . وتتواصل التجربة السردية في “وعود الحياة” التي تستعرض غربة الآباء وتشتت الأسر ، إلى جانب ومضات مكثفة وقصص قصيرة جداً كـ “سوط الغدر”، و”غيث”، و”خبز تحت الحصار” المتضامنة مع غزة، و”كورونا والعراف” القاتمة عبر أبعاد الوباء والحياة. وفي القسم الأخير من المجموعة، تعود الأديبة روحياً إلى قريتها “بني عزيز”، لتعزف على أوتار “نوّار اللوز” الذي يزهر مبكراً متحدياً صقيع الشتاء، وتسرد تفاصيل شغفها الأول بالإعلام ومذياع الطفولة وسحر السينما في زمن البدايات الجميلة والبراءة الغابرة.

 

​تتسم لغة سليمة مليزي برهافة الشاعر ودقة الصحفي؛ حيث تزاوج بين الوصف الطبيعي الآسر والتكثيف الحكائي الممتع، متوجةً السرد بمفردات تراثية وقروية تسبغ على النصوص واقعية وعمقاً اجتماعياً متيناً. كما تزينت عتبات القصص بأقوال لكبار الفلاسفة والأدباء أمثال جبران خليل جبران، وابن خلدون، والإمام علي بن أبي طالب، ودوستويفسكي، وغسان كنفاني، وباولو كويلو، وأحلام مستغانمي، وجلال الدين الرومي، مما منح النصوص أبعاداً فلسفية وإنسانية راقية. إن “سيدة الضباب” نداء دافئ لاستعادة البراءة الأولى، وثيقة احتفاء بالمرأة الجزائرية المناضلة، وسيمفونية أمل تحول الضباب إلى نور ساطع على صفحات الأدب العربي المعاصر.