سيرة الجبل تعتلي القمة: «الرفراف» لسارة محمد معريش تفتك الجائزة الكبرى لـلرواية «آسيا جبار»

سيرة الجبل تعتلي القمة: «الرفراف» لسارة محمد معريش تفتك الجائزة الكبرى لـلرواية «آسيا جبار»

 

​تغطية ثقافية: مصطفى بوغازي / الجزائر

 

 

 

​أُسدل الستار يوم أمس، السابع عشر من أكتوبر 2026، بقصر المؤتمرات، على المنافسة المحمومة للطبعة الثامنة من «الجائزة الكبرى آسيا جبار للرواية»، بتتويج الروائية سارة محمد معريش بالجائزة عن فئة اللغة العربية عن عملها الروائي «الرفراف: سيرة الجبل الأسطورية». ولم يكن هذا التتويج مجرد استحقاق إضافي يُضاف إلى سجل الأدب الجزائري المعاصر فحسب، بل جاء ليغوص في عمق المتن السردي وجدارته الفنية، متماهياً مع ما أكده رئيس لجنة التحكيم الدكتور حكيم ميلود من أن الفوز ينبع أولاً وأخيراً من روح النص وقدرته على معاقرة الجمال.

 

​كانت الإشارات التي ألمحت إلى تميز «الرفراف» واضحة منذ وصولها إلى القائمة القصيرة، إذ وُصفت بأنها نموذجٌ ناصع للتمفصل الذكي بين التخيل السردي والعمق التاريخي. في هذه الرواية، لا يقتصر “الجبل” على كونه جغرافيا صامتة أو خلفية للأحداث، بل يتحول إلى شخصية رئيسية وراوٍ ملحمي يتنفس الذاكرة ويستنطق المسكوت عنه. تتخذ الكاتبة من الجبل فضاءً رمزياً وأسطورياً، وتتعامل مع الوقائع التاريخية بطريقة تحولها إلى ملاحم إنسانية تعج بالدلالات والرموز، حيث تنسج ذاكرتنا الوطنية والمحلية بكبرياء كما يُنسج المنسج خيطاً بخيط.

 

​وقد تجلت القيمة الفنية للعمل في الشهادات والانطباعات النقدية والأدبية التي سبقت وتلت التتويج. فإلى جانب الشهادات الوازنة، جاءت انطباعات الكاتب إبراهيم ميزي لتلخص تجربة قراءة هذه الرواية الممتعة حين كتب:

 

​«قرأتُ رواية “الرفراف” وكأنني أتسلّق جبلًا شاهقًا، من مدينتنا إلى برج بوعريريج؛ رحلةٌ شاقّة، لكنها ممتعة بقدر ما فيها من علوّ المعنى ووعورة الدروب. كل صفحة حجر وكل فصل مغارة تحفظ سراً. سارة محمد معريش فعلت ما لا يفعله إلا الكبار: جعلت الجبل هو الراوي الصامت، ونحن مجرد عابرين في سيرته الأسطورية… الروائية الراقية سارة محمد معريش لا تكتب الحكايات فحسب، بل تنفخ في الحروف روحًا، وتمنح الخيال أجنحةً تحلّق بها الأرواح إلى ما وراء المألوف».

 

 

​هذا النفس الملحمي والقدرة على ضخ الروح في الحروف هما ما منحا «الرفراف» أجنحة الاستحقاق لترتفع فوق التوقعات وتحسم السباق الأدبي الأبرز في الساحة الوطنية.

 

​غير أن الطريق إلى المنصة لم تكن مفروشة بالورود، بل شهدت القائمة القصيرة منافسة شرسة عكسها حضور نصين لافتين استأثرا باهتمام واسع. الأول هو «أعراش الدم» للروائي حسين علام، والذي كانت التوقعات والترجيحات في الشارع الأدبي تميل بشكل كبير نحو تتويجه بالنظر إلى ثقله الدرامي وحضوره السردي المتماسك، قبل أن تواجه مشاركته جدلاً واسعاً وحملة نقاشات مكثفة عبر منصات التواصل الاجتماعي ركزت على مدى توفر شرط المادة الثانية من قانون المنافسة، والذي ينص بوضوح على ضرورة صدور الرواية عن دار نشر جزائرية في طبعتها الأولى؛ وهو اللغط التنظيمي الذي أثر على حظوظ العمل في الأنفاس الأخيرة للمنافسة. أمّا النص الثاني فهو «عام الرهمة» للروائي والكاتب الخير شوار، والذي خاض الحضور بمتن روائي يستند إلى تجربة سردية طويلة ورصينة تتكئ على الخبرة والاشتغال المعمق على التاريخ والتحولات الاجتماعية. وعلى الرغم من القيمة الأدبية والجمالية للتجربة التاريخية التي حفل بها النص، إلا أنه لم يصمد أمام خيارات لجنة التحكيم التي آثرت في هذه الدورة الانحياز للمغامرة اللغوية والبناء الأسطوري الطازج الذي تميزت به «الرفراف».

 

​إن اللحظة التي أُعلن فيها تتويج سارة محمد معريش لم تكن مجرد تكريم لكاتبة تنتمي إلى عمق الأدب الجزائري (برج بوعريريج)، بل كانت مؤشراً نقدياً ودلالياً بالغ الأهمية للمشهد الثقافي برمته. ومن جهة أخرى، أثبتت «الرفراف» أن الرواية عندما تتسلح باللغة الشاعرة، والرمزية العميقة، والوفاء الشغوف للذاكرة الوطنية والإنسانية، فإنها تفرض حضورها البهي وتقتطع مكانتها اللائقة في أعلى قمم الأدب الجزائري والعربي