خزعل الماجدي يسقط قناعه

 

د.علي أحمد جديد كاتب وباحث أكاديمي سوري مقيم في لندن.

يقول (ويليام جيمس) ، الخبير بعلم
النفس الحديث :
“لا يوجد شيءٌ سخيفٌ لدرجةِ أنك إذا كَرَّرتَه كثيراً بما فيه الكفاية سيصدِّقه الناس” ..
وهكذا ، فإن وجهة النظر السخيفة القائلة بأن الفوضىٰ ستُنتج نظاماً إذا ما أُعطِيَتْ وقتاً كافياً لتستحوذ علىٰ الوجدان خاصة ، إذا كانت تستهدف هدم العقول وتشويه المقدَّسات من خلال التشكيك فيها باستخدام الاشارة إلىٰ أن الرَبَّ خلق كل التصميم المعقَّد حولنا ، ولكن هذا لابد وأن يجعل من المستحيل منطقياً تصديق كلمة القداسة الإلـٰهية كما هي في حقيقتها .
ومن هذا المنهج ينطلق (خزعل الماجدي) بالقول :
* إن الإسلام هو تجميع بشري متأخر لأساطير الأولين !..
أنتم تظنون أن محمداً جاء بشيء جديد . الحقيقة الصادمة التي أثبتها في (كل كتبي) عن تاريخ الأديان هي أن لا شيء في الإسلام جديد .
ـ(أي الانتقاص من مكانة محمّد عليه وآله الصلاة والسلام . لكن المؤكد أن النبي صلوات الله عليه وآله لم يقل أنه أتىٰ بشيء جديد لأنه كان خاتم الأنبياء وكانت رسالته آخر الرسالات السماوية ، أي أن الرسالة التي حملها كانت خاتمة الرسالات السماوية السابقة ، بمعنىٰ أنها كانت تكمل ماجاء قبلها في الإسلام الموسوي والإسلام المسيحي وأن الرسالة السماوية أي دِين الإسلام بشرائعه الثلاث (الموسوية و المسيحية و المحمدية) هو دِينٌ واحد . ولهذا فإن مراجع الماجدي التي يعتمدها في حديثه عن تاريخ ((الأديان)) هي كتبه هو لوحده ، ويريد أن يُقنِع المتلقي بفكرته دون أن يتيح له الرجوع إلىٰ مصادر تاريخية علمية تؤيد قوله سوىٰ كتبه ، بينما أن العقل والمنطق ، كما هو الدين ، يقول أن الدين واحد مهما اختلفت الديانات (الشرائع) ، لأن الربّ واحد ، ولأنه لو تعدَّدت الأديان لتعددت الأرباب أو الآلهة كما يريد الماجدي أن يزرعه في وجدان المتلَقي) .

* ويقول : قصة الخلق من طين؟ سومرية . والطوفان ونوح بابلية من ملحمة جلجامش .
ـ(كل المصادر والمراجع والكتب السماوية بدءاً من التوراة التي يؤمن بها نفسه وينطلق بأفكاره منها ككتاب إلـٰهي وحيد في أول أسفارها الذي هو التكوين ، كل المصادر التاريخية والكتب السماوية تتفق علىٰ أن البشرية التي نجت من الطوفان كانت برفقة النبي نوح عليه السلام الذي هو أول الأنبياء بعد آدم ، ومن بعد الطوفان تفرَّق أصحاب نوح الذين كانوا على متن سفينته إلىٰ شعوب وقبائل تختلف في اللغات :
“وكانت كل لغة الأرض لغة واحدة وخطاباً واحداً ، وكان عند رحيلهم من الشرق وجدوا بقعة في أرض شِنعار … فبدَّدهم الربّ من هناك علىٰ وجه كل الأرض فكفّوا عن بنيان المدينة . لذلك دُعي اسمها بابل . لأن الربّ بَلبَل لسان كل الأرض ، ومن هناك شتتهم الربّ علىٰ وجه كل الأرض” تك 11. 1-9 .
أي أن طوفان نوح النبي كان قبل أن توجد بابل نفسها وقبل ملحمة جلجامش التي يعتمدها الماجدي مصدره الأساسي ، وهذا يعني أن أساطيره وملحمة جلجامش التي يتحدث عنها هي التي أخذت من وقائع التاريخ الذي أثبتته الكتب السماوية وقامت بتسجيلها وليس العكس) .
* ويتابع : إبليس ورفضه السجود؟ زرادشتية . والجنة والنار والصراط والميزان ، فارسية بامتياز . حتى كلمة “دين” و “جنة” و “صلاة” هي كلمات آرامية وفارسية دخلت العربية .
ـ( تاريخياً ، كان إدريس وهود ـ عليهما السلام ـ هما من أوائل الأنبياء وفي زمنٍ مُبكِّرٍ جداً من تاريخ البشرية التي بعد آدم وشيث . وقد عاش إدريس في فترة سحيقة قبل الطوفان ، وتبعه نوح ثم هود في الألفية الثالثة أو الرابعة قبل الميلاد . وكان يعقوب ويوسف ـ عليهما السلام ـ في فترة دخول بني إسرائيل إلىٰ مصر ، وتحديداً بين القرنين الـ18 والـ17 قبل الميلاد ، حوالي 1700 – 1800 ق.م . أما زرادشت ، الذي يعتمده الماجدي أصلاً لكل الديانات ويَدَّعي أن الرسالات السماوية قد سَرقَتْ شرائعه ، فإن الدراسات اللغوية وحتىٰ التاريخية (الحديثة) تشير إلىٰ أنه كان بين القرنين 1500 و 1000 قبل الميلاد كحَدٍّ أقصىٰ ، وفي الروايات الفارسية واليونانية القديمة يُؤرَّخ وجوده في القرن السادس قبل الميلاد ، أي حوالي 660 ق.م . أي أن زرادشت كان بعد الأنبياء الذين كانوا قبل موسىٰ عليه السلام بقرونٍ طويلة ، وذلك ما يرجّح اقتباس زرادشت لشرائعه من رسالة التوحيد السماوية التي كانت لدىٰ يعقوب و يوسف عليهما السلام لأنهما الأقرب إلىٰ تاريخ وجوده) .

* ويقول : حتى كلمة “دين” و “جنة” و “صلاة” هي كلمات آرامية وفارسية دخلت العربية .
ـ(تُشير الدراسات اللغوية والتاريخية التي يستند إليها الماجدي ، تشير إلىٰ أن كلمة “دين” في اللغات القديمة الأكدية والآرامية والسريانية تعني القانون والقضاء . وقد وردت في اللغة الفارسية القديمة بلفظ (دَينا) بمعنىٰ التبصر ، أو الضمير ، حيث تعود كما سبق ذِكره بجذورها الأولىٰ للغة الفارسية القديمة (الآبستية أو الآفستية) بلفظة (dēna) أو (daēnā) ، وأنها استُخدِمت بمعنىٰ التبصر أو الإيمان التي اعتمدتها الشريعة الزرادشتية . وانتقلت إلىٰ الاستخدام باللغات الأخرىٰ للشعوب المجاورة عبر العصور ، فكانت باللغة البهلوية الساسانية (dēn) . ودخلت إلىٰ استخدامها باللغة العربية من خلال التواصل بالثقافات المجاورة لتعني الطاعة والانقياد .
وكلمة الصلاة في الآرامية والبابلية والآشورية والسريانية (صلاوات/صلوات א كارابو) تعني التمجيد ، وقد انتقلت عبر التداخل الحضاري واللساني بين قبائل الجزيرة العربية وبين السوريين القدامىٰ في سورية الطبيعية التي كانت قبل تفتيتها من جبال آرارات إلىٰ الرافدين وكيليكيا والشام القديمة . أما كلمة “جنة أو Paradise” في التاريخ القديم فإن أصلها اللغوي يعود إلىٰ الفارسية القديمة Pairidaeza والتي تعني حرفياً “المكان المحاط بسور” أو “البستان المسوَّر” . وقد استخدمها الفرس في القرن السادس قبل الميلاد في عهد الإمبراطورية الأخمينية في عهد قورش الكبير ، أي بعد إبراهيم واستحق ويعقوب ويوسف ، للدلالة علىٰ الحدائق الملكية الفسيحة والمسوَّرة، التي كانت تُصمَّم ببراعة وتُقسَّم إلىٰ أربع قنوات مائية “تشهار باغ” لتحميها من الجفاف والذبول . وفي السومرية تعود أقدم أوصاف “الحدائق الفردوسية” إلىٰ ألواح الطلع السومرية التي وصفت “دلمون” بالأرض الطاهرة والنقية التي لا تعرف المرض أو العنف ، وتتوافر فيها المياة والأنهار بعطاء الآلهة . وقد انتقلت كلمة “جنة أو Paradise” إلىٰ الإغريقة واليونانية القديمة بصيغة “Paradeisos باراديسوس” لوصف الحدائق الجميلة ومناطق الاستجمام الملكية إلىٰ أن تُرجمت في العهد القديم (التوراة العبرانية) للإشارة إلىٰ “جنة عدن” في سفر التكوين . وبعد انتقالها إلىٰ اللاتينية بصيغة Paradisus تحوّلت إلىٰ اللغات الأوروبية الحديثة المعروفة اليوم .
ومع مرور الوقت وتأثر الثقافات بالديانات والمعتقدات كالرسالات السماوية والكونفوشيوسية والبوذية والزرادشية تطوّر المعنىٰ من “بستان أرضي مسوَّر” إلىٰ مفهوم روحي وديني يدل علىٰ دار النعيم الأبدي في الآخرة ، أو المكان المثالي الذي يسكنه الأبرار الصالحون بعد الموت .
وجاء مفهوم الجنة في حضارات بلاد الرافدين بعد الرسالات السماوية التي كانت قبل الموسوية في تصوير البساتين بدلالة واقعية ملموسة أقرب إلىٰ الوجدان البشري ، تماماً كما كان تصوير الآلهة بصورة بشرية في إنشاء الأصنام والتماثيل .
و ورد مفهوم الجنة في النصوص الدينية القديمة المقارنة وفي السياقات الأخروية ، بحيث تمَّ تصوير الجنة علىٰ أنها مسكن الأموات الذين كانوا فاضلين والحين في حياتهم . أما في الموسوية والتي أخذتها اليهودية عنها ، كما في المسيحية والمحمّدية ، فإن الجنة عقيدة فردوسية ومكافأة إلـٰهية لعباد الله الصالحين . بينما جاءت في الهندوسية والبوذية ، بأنها السماء ، أوالفردوس الذي أعدّه الربّ للإنسان قبل موته ، ويقصد عادة في السياق العام “تلك الجنة التي وعد الله عباده بالغيب” وهي نقيض النار كدلالة علىٰ المكان الذي فيه الرخاء والنعيم والحياة الأبدية التي لا موت فيها ولا انتهاء) .

* وهنا يقول : ما فعله الإسلام بذكاء هو أنه أخذ كل هذه الأساطير المتناثرة ووضعها في كتاب واحد وقال : هذا من عند الله وما قبله كان تحريفاً . هذه ليست نبوة ، هذه عملية تدوين نهائية للميثولوجيا القديمة .
(هذا الافتراء علىٰ الإسلام المحمدي الذي يدّعي الماجدي بأن الإسلام رفض كل ما قبله ، رغم أن الآيات القرآنية تؤكد الاعتراف صراحة بكل الأنبياء وبالكتب السماوية التوراة والإنجيل “آمن الرسول بما أُنزِلةإليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورُسُلِه لا نُفَرِّقُ أحداً من رُسُلِه” البقرة ـ 285).

* ثم يستطرد : لماذا أقول أن الإسلام جمّد العقل العربي؟
لأنه حوّل الإنسان من كائن أسطوري ينتج الأسطورة ، إلى كائن حارس للأسطورة .
(كيف يكون الإسلام قد جمَّد العقل وأولىٰ كلماته النبي كانت كلمة “إقرأ” أي اعرِفْ وتَعلَّمْ ، وآياته تقول : “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون و ، أفلا يتفكرون ، و ، أفلا يعقلون ، و ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ” . وهذا يدل علىٰ أن الدين لم يجمِّد العقل ولايجمِّده ، وإنما مَنْ جَمَّد العقل ومازال يجمِّده هم القائمون علىٰ الدين والذين يسمّون أنفسهم رجال الدين والحكماء والعلماء ويحتكرون الحكمة والعلم إلىٰ أنفسهم ومكانتهم رغم علمهم بأنهم أجهل الناس ، وأن الله تعالىٰ في كل رسالاته لم يُنَصِّبْ وسيطاً بينه وبين عباده . إلا أنَّ دافع الهيمنة والسيطرة علىٰ الناس جعل البعض يُنَصِّبون أنفسهم قائمين علىٰ الدين ، ويَدَّعون أن لديهم التفويض الإلـٰهي في فرز الناس إلىٰ مؤمن وكافر رغم قوله تعالىٰ لنبيِّه الذي هو أقدس وأقرب الناس والعباد إلىٰ الله تعالىٰ : “لستَ عليهم بمسيطر ، إن إلينا إيابَهم ثم إن علينا حسابَهم”) .

*حتىٰ يصل بالقول إلىٰ : السومري كان يخترع أسطورة ليفسر المطر . المسلم اليوم ممنوع عليه أن يفسر المطر إلا بما قالته الأسطورة .
لقد قتلتم الخيال الخلاق . بدلاً من أن ننتج أدباً وعلوماً ، أصبحنا ننتج تفسيراً لابن كثير وشرحاً للبخاري . ألف وأربعمائة سنة ونحن نشرح كتاباً واحداً ولا نكتب كتاباً جديداً عن الكون .
-(وهل في كل الديانات تعاليم أو وصايا تمنع علىٰ الإنسان البحث والفَهم أوالعلم والتفسير ؟!) .

* ويصل الىٰ ماريه بقوله : هذا هو الفرق بين دين حي ودين ميت . الدين الحي يلهمك لتكتب ملحمتك الخاصة ، الدين الميت يجبرك أن تعيش داخل ملحمة غيرك .
ـ(وهنا بيت القصيد الذي يريد الماجدي الوصول إليه ، والذي هو أن دين الرسالات السماوية هو دين ميت ودين قديم ، لأن الإبراهيمية اليوم هي الدين الجديد وأن اليهودية هي الدين الحيّ الذي لا يموت) !!.

* ويقول : المواجهة الحقيقية ليست مع الغرب ، بل مع وهم الأفضلية .
الإسلام أقنعكم أنكم خير أمة أخرجت للناس . وهذا أخطر وهم .
كيف تكون خير أمة وأنت لا تنتج دواءً ولا تكنولوجيا ولا فلسفة؟ كيف تكون خير أمة وتاريخك كله غزوات وفتوحات وسبي وجواري؟.
ـ(لم يرَ الماجدي في الدين سوىٰ مايقوم به أدعياء الدين ليحكم علىٰ الدين من أساسه وينكر رسالته الإنسانية متجاهلاً أن العلوم الحالية من الطب والهندسة والفلسفة كلها علوم إنسانية انتجتها شخصيات إسلامية في الزمن الذي لم تتسلط علىٰ الدين رجالات تهدف إلىٰ تشويه الدين وهدمه ، وإلا لماذا لا يقول ماذا كانت ديانات الرازي وابن الهيثم وابن خلدون علىٰ سبيل المثال لا الحصر . ولماذا لا يذكر الخوارزمي صاحب النظرية التي يعتمدها الغرب -الخوارزمية- في علوم الفضاء والمعلوماتية حتىٰ اليوم . فقط لأنه يريد أن يقنع المتلقي بأن الدِين في رسالاته السماوية دِين تَخلُّف وأن التقدُّم والحضارة في دِينه الحيّ والجديد الذي هو الإبراهيمية) .

* أنا درست أديان المنطقة كلها ، وأقول لكم : لا يوجد دين في المنطقة ادعى أنه يملك الحقيقة المطلقة النهائية مثل الإسلام . وهذا الادعاء هو سبب عنفه. من يملك الحقيقة المطلقة ، يرى كل مختلف عنه باطلاً يجب إزالته..

* أنا لا أدعوكم أن تكرهوا دينكم ، أنا أدعوكم أن تضعوه في مكانه الصحيح : في متحف الميثولوجيا، بجانب أساطير بابل وأشور ، لا في البرلمان والمدرسة والمختبر ..

والآن أسألكم وأريد جواباً بلا تقية ولا خوف :
إذا نزعنا عن الإسلام هالة القداسة، وثبت أنه مجرد أسطورة بشرية مثل باقي الأساطير … هل ستظل متمسكاً به لأنه حقيقة ، أم لأنك خائف من التفكير خارجه؟..
(وهنا ، طالما أنه أفصح عن هدفه فمن غير المجدي أي تعليق ، خاصة لايرىٰ سوىٰ نفسه ونرجسيته حين يفترض بأنه القيِّم علىٰ وجدان الناس لأنه كما يقول “أنا درست أديان المنطقة كلها” ولأنه يفترض نفسه العارف الوحيد في الدِين كما هم حاخاماته وحكمائه الذين يقتدي بهم) .