جيش الجزائر ابن الشعب ونيف الجزائر لايشترى

الدكتورة نور الهدى قرباز كاتبة واكاديمية| جزائرية

يا ابن الجزائر، ارفع رأسك؛ فأنت ابن أرضٍ علّمت العالم أن الأوطان لا تُشترى بالمال، وأن الرجال لا تُصنع بطاولات الطعام، وأن الجيش الذي لا يسكن شعبه في قلبه، لا تصنع منه الأوسمة جيشًا ولا تصنع منه الثروات أمّةً منيعة! قوة الدولة من قوة جيشها، وقوة الجيش من عقيدته وانضباطه واحتضانه لشعبه؛ وجيش الجزائر ابن الشعب، من رحمه خرج، ومن تضحياته استمدّ نيفه، ومن تاريخ ثورته ورث معنى الوقوف شامخًا. ليس جيشًا استُورد من وراء البحار، ولا مرتزقةً تُستأجر بنفطٍ أو مال، ولا رجالًا يقاتلون لأن فاتورةً دُفعت لهم؛ إنّه امتداد شعبٍ ذاق الاستعمار، ودفن شهداءه، وأقسم ألّا يسمح للتاريخ أن يعيد إليه أغلاله. هناك من أنفق الثروات على صفقات الحماية، وراهن على قواعد الأجنبي ووعوده، حتى ظنّ أن الأمن يُشترى وأن السيادة بندٌ في عقد. وهناك من انشغل بالمظاهر والولائم، بينما تُقاس الجيوش الحقيقية بقدرتها على التحمّل والتدريب والانضباط والجاهزية، لا بحجم الموائد ولا بانتفاخ البطون. الكبسة والخروف المحشي لا يصنعان جيشًا، والكرش لا يحمل وطنًا، والبدلة العسكرية ليست زينةً للصور؛ الجيش عرقٌ في ميادين التدريب، وعقلٌ يعرف واجبه، وقلبٌ لا يساوم على سيادة بلاده. أمّا القرينتا الحقيقية، فهي إرادةٌ لا تنكسر أمام التهديد، وشجاعةٌ لا تتحوّل إلى تهوّر، وجنديٌّ يعرف أن حماية شعبه شرفٌ ومسؤولية. والأقسى أن بعض الدول دفعت الأموال لشراء الحماية، وفتحت أبوابها للنفوذ الأجنبي، ثم اكتشفت أن المصالح لا تعرف الوفاء، وأن القوى الكبرى لا تتحرّك بدافع العاطفة. الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية تتحرّك وفق حسابات مصالحها؛ فلا يجوز لأي دولة أن تجعل أمنها رهينةً لوعدٍ خارجي، ولا أن تبيع قرارها السياسي ثم تنتظر من الآخرين أن يصونوا كرامتها. من يسلّم مفتاح داره للغريب، لا يملك أن يلومه إن قرّر يومًا ألّا يحرس الباب! أمّا الجزائر، فحكايتها مختلفة؛ جيشها لم يولد في فنادق الرفاه، وإنما خرج من رحم ثورةٍ أذهلت الاستعمار، من رجالٍ عرفوا الجوع والجبال والبرد، ومن شعبٍ قدّم أبناءه كي يستعيد قراره فوق أرضه. لهذا لا يُقاس نيف الرجل الجزائري بصوته المرتفع، وإنما بثباته ساعة الامتحان؛ لا يبيع ضميره، ولا يساوم على سيادة وطنه، ولا يخلط بين الحكمة والذلّ، ولا بين السلام والاستسلام. الجزائري قد يختلف مع أخيه في الرأي، وقد يخاصمه في تفاصيل الحياة، لكن الوطن أكبر من خلافاتهما، وسيادته ليست سلعةً على طاولة المساومة. يا شباب الجزائر، افهموا معنى هذه الأمانة: الالتحاق بالجيش ليس استعراضًا ولا بحثًا عن صورةٍ جميلة؛ إنّه انضباطٌ وتدريبٌ وتضحيةٌ ومسؤولية، واختيارٌ يستحق الوعي والاستعداد. والوطن يحتاجكم في الثكنات والمصانع والجامعات والمستشفيات والحقول ومختبرات العلم؛ يحتاج سلاحًا يحمي حدوده، وعقلًا يحمي اقتصاده، وضميرًا يحمي أمواله، وقلمًا يدافع عن الحقيقة. لا تسمحوا لأحد أن يجعل الوطنية كراهيةً للشعوب، أو أن يحوّل الشجاعة إلى اندفاعٍ أعمى؛ أحبّوا الجزائر بقوة، واحموها بعقولكم قبل أيديكم. ويا شباب الغربة، حذارِ أن تبيعوا أحلامكم لبريق أوروبا! لا تنسوا كيف وُصم بعض المهاجرين بالإرهاب، وكيف تحوّلوا في خطاباتٍ سياسية إلى متهمين ومحلّ تشكيك؛ واليوم، مع تصاعد المخاوف من الحروب وأزمات المعيشة، انتبهوا إلى ما قد تفرضه القوانين من التزامات عسكرية على بعض الفئات بحسب جنسياتها وأوضاعها القانونية. لا تسمحوا لأحد أن يحوّلكم إلى وقود حربٍ لا تعرفون أسبابها، ولا أن يزجّ بكم في صراعاتٍ دفاعًا عن أرضٍ ليست أرضكم وقضايا لم تختاروها. يا أبناء الجزائر، لا تجعلوا حلم الغربة ينتهي ببدلة عسكرية ونعشٍ بعيد، ولا تجعلوا البحث عن لقمة العيش طريقًا إلى موتٍ لم تحسبوا حسابه! افهموا حقوقكم، واقرؤوا التزاماتكم، ولا توقّعوا على ما لا تدركون عواقبه؛ فأرواحكم ليست ثمنًا لمصالح الآخرين، ومستقبلكم ليس ورقةً في حسابات الدول. الجزائر وطنكم، وأرضها تنتظر عقولكم وأيديكم وأحلامكم؛ ابنوا فيها حياةً تليق بكم، ولا تسمحوا لأحد أن ينتزع منكم حقّ الاختيار. يا أمّ الجزائر، حين تجهّزين حقيبة ابنك الملتحق بالجيش، ضعي فيها دعاءك ووصيتك وحبّك، وقولي له: «يا وليدي، احفظ نفسك ورفاقك، تعلّم، انضبط، وكن أهلًا للثقة؛ أريدك أن تعود إليّ، وأريد لبلادي أن تبقى آمنةً عزيزة». ويا أب الجزائر، حين تتعلّق ابنتك بيدك وتقول: «لا تذهب، أخاف أن أفقدك»، قل لها إنك تريدها أن تكبر في وطنٍ يحمي أبناءه، وإن واجبنا جميعًا أن نبنيه حتى تكون الحياة فيه جديرةً بأحلامها. لقد ودّعت أمهات الجزائر أبناءهنّ في الثورة، واستقبل بعضهنّ جثامينهم بالزغاريد والدموع، لا لأن الموت أمنية، وإنما لأن الحرية التي وُلدت من التضحيات لا تُصان بالإهمال. وما زال العلم الذي غطّى نعوش الشهداء يسأل الأحياء: ماذا فعلتم بالأمانة؟ يا جزائر، يا أرض المليون ونصف المليون شهيد، قوتك ليست في السلاح وحده، وإنما في جيشٍ وطنيٍّ محترف، وشعبٍ متماسك، ودولةٍ عادلة، واقتصادٍ مستقل، وشبابٍ يؤمن أن كرامته لا تُستورد من الخارج. نحن أبناء الجزائر؛ لا نشتري نيفنا بالأوسمة، ولا نقيس الرجال بانتفاخ الجيوب، ولا نبيع سيادتنا مقابل وعود الحماية. نريد جيشًا قويًّا لأن شعبنا يستحق الأمان، ودولةً قويةً لأن أبناءها يستحقون الكرامة، ووطنًا لا يضطر فيه شبابه إلى الاختيار بين أحلامهم ومستقبلهم. تحيا الجزائر؛ تحيا بجيشها الوطني، بشعبها الأبيّ، بشهدائها الذين فتحوا لنا باب الحرية، وبأبنائها الذين سيصونونها بالعلم والعمل والجاهزية والوحدة. الجزائر أمانةٌ في أعناقنا؛ لا نبيعها، لا نفرّط فيها، ولا نتركها وحيدةً ما دام فينا قلبٌ ينبض باسمها! وإن دعت الحرب، فنحن لها؛ بقلوبٍ لا ترتجف، وعزائم لا تنحني، ونيفٍ جزائريٍّ لا يُشترى ولا يُكسر، خلف جيشنا الوطني، صفًّا واحدًا، يدًا واحدة، وقسمًا واحدًا: الجزائر حرّةٌ عزيزةٌ أبدًا، والمجد لشهدائنا الأبرار.