هجرة الرياضيين :من تشخيص الظاهرة إلى بناء الحلول الاستراتيجية

الدكتور أحمد بوسكرة كاتب وباحث جزائري

في الجزء الأول من هذه السلسلة المستمدة من الحوار الذي نشرته جريدة بولا مع الصحفية المتألقة حليمة خطوف، تناولنا مفهوم هجرة الرياضيين وطبيعة هذه الظاهرة، وانتقلنا إلى الكشف عن أبرز الأسباب والعوامل التي تقف وراءها.

وفي الجزء الثاني، توقفنا عند غياب الأفق المهني للرياضي، وما يترتب عليه من تساؤلات حول قدرة المنظومة الرياضية على توفير بيئة محفزة تضمن استمراره وتطوره بعد سنوات من التكوين والإعداد.

أما في الجزء الثالث، فقد تناولنا خصوصية دوافع الرياضي مقارنة بالمهاجر العادي، وما تتيحه له موهبته ومهارته ومشاركاته الدولية من فرص للتطور والاحتراف وبناء مستقبل مهني في بيئات رياضية مختلفة.

ونصل اليوم إلى الجانب العملي من هذا النقاش، من خلال البحث في كيفية معالجة جذور الظاهرة، والانتقال من تشخيص أسبابها إلى وضع سياسات واستراتيجيات قادرة على الحد من العوامل التي تدفع الرياضي إلى الرحيل، وتعزيز قدرته على تحقيق طموحاته داخل وطنه.

السؤال الخامس: من منظورك، كيف يمكن للمنظومات الرياضية أن تعالج جذور الظاهرة، بدل الاكتفاء بمحاولة منع حدوثها داخل البعثات؟

تبدأ معالجة الظاهرة بدراسة ميدانية وبحثية دقيقة تكشف الأسباب الحقيقية التي تدفع الرياضي إلى التفكير في الرحيل. وبعد تشخيص هذه الأسباب، تأتي مرحلة المعالجة من خلال رؤية استراتيجية واضحة تقوم على بناء بيئة رياضية محفزة، تتسم بالكفاءة وتكافؤ الفرص، وتحد من البيروقراطية، وتوفر للرياضي مستقبلًا واضحًا ومحفزًا.

وتحقيق ذلك يتطلب وجود مشروع رياضي واضح يقوم على رسالة محددة، ورؤية بعيدة المدى، وأهداف استراتيجية قابلة للتحقيق والقياس. وينبغي أن يشارك الرياضي في إعداد هذا المشروع، وأن يتبنى أهدافه ويؤمن بها ويعمل على تحقيقها. ويضع هذا المشروع الرياضي في قلب المنظومة، مع توفير ظروف تدريب عالية المستوى، ومنافسة ذات جودة، وتكوين مستمر، وإمكانيات وتجهيزات حديثة، والاستفادة من التكنولوجيا والتحول الرقمي في التدريب والتأطير والمتابعة.

كما يجب أن يتضمن المشروع أهدافًا استراتيجية تتعلق بالرعاية الاجتماعية والمهنية للرياضي، وتوفير آفاق واضحة للاحتراف والتطور، والتخطيط الاستباقي لمساره الرياضي والمهني حتى مرحلة ما بعد الاعتزال. والهدف هو توفير الظروف التي تجعل الرياضي مطمئنًا إلى مستقبله، ومتفرغًا لتطوير مستواه وتحقيق الإنجازات وتحطيم الأرقام والتتويج بالألقاب والميداليات.

وهذا يتطلب الانتقال من إدارة الرياضي داخل القطاعات والملاعب وأثناء المنافسات إلى إدارة مساره كاملًا، ومتابعة محيطه الاجتماعي والمهني، منذ اكتشاف الموهبة وتكوينها إلى مرحلة المستوى العالي وما بعد الاعتزال. فالرياضي يحتاج إلى مرافقة متكاملة تراعي مختلف مراحل مسيرته، وتستشرف احتياجاته وتحدياته المهنية والاجتماعية، وتساعده على بناء مستقبل مستقر.

وهنا تبرز أهمية اعتماد نظام الحوكمة الرياضية داخل المنظومات الرياضية، بما يضمن تكافؤ الفرص، والشفافية، والكفاءة، وتقليص البيروقراطية، وربط القرارات الرياضية بالتخطيط والنتائج. كما تقتضي الحوكمة تحديد المسؤوليات، وتقييم الأداء، ومتابعة تنفيذ الأهداف، والتأكد من أن السياسات المعتمدة تستجيب فعلًا لاحتياجات الرياضيين وتطلعاتهم.

وفي النهاية، فإن معالجة الظاهرة تبدأ من بناء منظومة تجعل الرياضي يشعر بأن مستقبله يمكن أن يتحقق داخل وطنه. وعندما نوفر له المشروع والبيئة والفرصة والتقدير، فإننا لا نحافظ على الرياضي فقط، وإنما نحافظ على الاستثمار الوطني في الموهبة، ونبني منظومة قادرة على صناعة الأبطال والاستمرار في صناعة أبطال جدد.

معالجة هجرة الرياضيين تبدأ من معالجة أسبابها، وبناء منظومة رياضية قادرة على صناعة البطل وضمان مستقبله.

#هجرة_الرياضيين #الإدارة_الرياضية #الحوكمة_الرياضية #الرياضة_الجزائرية #التسيير_الرياضي