ٱنية الذهب الأوغاريتية| حين تحول الصيد إلى حكاية منقوشة على الذهب

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في مدينة أوغاريت حيث كان البحر يفتح ذراعيه للتجّار وكانت القصور والمعابد تحفظ أسرار مملكةٍ بلغت مكانةً مرموقة في شرق البحر المتوسط لم يكن الذهب مجرّد معدنٍ نفيس بل كان مساحةً يسكب فيها الصانع القديم مهارته ويترك لنا عبرها مشاهد من الحياة ومظاهر السلطة والفن.
ومن بين كنوز هذه المدينة السورية العريقة تبرز آنية الصيد الذهبية المحفوظة في متحف اللوفر بباريس والمسجّلة بالرقم AO 17208. ورقم التنقيب RS 5.031. عُثر عليها عام 1933 في أكروبول أوغاريت بالقرب من معبد بعل وهي إناء دائري مسطّح يبلغ قطره نحو 18.8 سم يعود إلى العصر البرونزي المتأخر بين نحو 1400 و1200 قبل الميلاد.
تأمّلوا هذه القطعة الذهبية وكأنّها نافذة صغيرة انفتحت فجأةً على عالمٍ مضى منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام . عالمٍ كان فيه الحصان يندفع بعربته الخفيفة والقوس مشدودًا في يد الصيّاد والثيران البرية تحاول الإفلات من مطاردةٍ لا تعرف الهدوء.
على حافتها الخارجية نُفّذ مشهد صيدٍ ملكيّ بأسلوب الطرق البارز على الذهب. يظهر رجلٌ على عربة تجرّها الخيول، يشدّ قوسه باتجاه الحيوانات المطاردة فيما يشارك كلب الصيد في المشهد وتندفع الحيوانات في حركةٍ حيوية توحي بأنّ الفنان أراد أن يجعل المطاردة مستمرّة أمام عين الناظر. أمّا في الحزام الداخلي، فتظهر حيوانات من فصيلة الوعول مرتّبة ضمن تكوين دائري ينسجم مع شكل الإناء.
ولعلّ ما يزيد هذا العمل سحرًا أنّه لا يقدّم لنا صورةً جامدة بل حركةً متكاملة فالخيول والعربة والصيّاد والحيوانات تتداخل في تكوين فنيّ دقيق تتعاقب فيه القوة والسرعة والترقّب. لقد استطاع الحرفي الأوغاريتي أن يحوّل مساحةً صغيرة من الذهب إلى مشهدٍ نابض بالحياة يشهد على براعةٍ فنية لا تقلّ أهميةً عن قيمة المادة التي صُنع منها.
وليس اختيار الصيد موضوعًا لهذا الإناء أمرًا عابرًا فمشاهد الصيد الملكي في فنون الشرق القديم ارتبطت بإظهار المكانة والقدرة والسيطرة وربما عبّرت عن صورة الحاكم بوصفه صاحب القوة والهيبة. ومع ذلك لا نستطيع الجزم بهوية الرجل المصوّر وإن كان تفسيره بوصفه شخصية ملكية أو رفيعة المكانة احتمالًا تدعمه طبيعة المشهد. ”
وفي تفاصيل هذا العمل نلمح أيضًا حوارًا فنيًا بين حضارات شرق المتوسط فالقوس يحمل سمات شرقية والعربة تنتمي إلى تقاليد المنطقة السورية ـ الأناضولية بينما تكشف طريقة تصوير الحيوانات عن أساليب فنية انتشرت في حوض المتوسط خلال العصر البرونزي المتأخر. وهذا التنوّع لا يعني أنّ أوغاريت كانت مجرّد ناقلٍ لفنون الآخرين بل يذكّرنا بمكانتها مدينةً منفتحةً تفاعلت مع ثقافات عصرها وصاغت من هذا التفاعل أعمالًا تحمل شخصيتها الفنية الخاصة.
وحين نقف أمام هذه الآنية اليوم لا نرى الذهب وحده بل نرى يدًا ماهرةً عملت قبل آلاف السنين وعينًا أدركت كيف توزّع الأشكال وفنانًا استطاع أن يمنح المعدن الصلب روح الحركة. ونستحضر أوغاريت التي لم تترك لنا الألواح المسمارية والأبجدية فحسب، بل تركت أيضًا شواهد مادية تروي شيئًا من ذوق أهلها ومهارات صُنّاعها وصلاتهم بالعالم المحيط بهم.
هذه الآنية ليست مجرّد تحفةٍ ذهبية في متحف بعيد إنّها رسالةٌ صغيرة من قلب أوغاريت تقول إنّ الحضارة لا تُقاس بما تملكه من ذهب بل بما تستطيع أن تصنعه من جمالٍ يبقى شاهدًا عليها عبر القرون.
عاشقةً للبحر متجذّرةً في الأرض ومنفتحةً على العالم.. هكذا تظلّ أوغاريت حاضرةً في ذاكرتنا لا بوصفها أطلالًا صامتة بل حكايةً سوريةً عريقة ما زالت آثارها تنطق بإبداع الإنسان.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

المصدر التوثيقي الأساسي: متحف اللوفر سجلّ آنية الصيد الذهبية AO 17208 / RS 5.031 المكتشفة عام 1933 في أكروبول أوغاريت قرب معبد بعل. .