
الشخصية اليهودية في التحليل النفسي( 1)
د.علي أحمد جديد كاتب وباحث أكاديمي سوري مقيم في لندن.
في البداية اقتصرت دراسة بناء المجتمعات البشرية علىٰ دراسة التنوع الإنساني ، وكان ذلك في فترة مبكرة من تاريخ عِلم الاجتماع الإنساني ، تلا ذلك فترة سيطرت فيها رغبة البحث عن عيوب ونقائص المجتمعات البشرية ، هذه السيطرة التي عكست تنامي حدّة الصراع بين المجتمعات ، ولعل في سخرية الجاحظ من أهل “مرو” وبخلهم كانت دليلاً علىٰ ذلك كما علىٰ قِدَم الاهتمام بدراسة المجتمعات وخصائصها المشتركة المميزة .
ومهما يكن ، فإن البداية العلمية للبحث في الموضوع يؤرَّخ لها بصدور كتاب “نماذج من الثقافة” الذي أصدرته الباحثة الأمريكية في عِلم الإنسان ـ الانثروبولوجيا (روث بنديكت Ruth Benedict) التي خلصت إلىٰ التأكيد علىٰ أن ثقافات المجتمعات التي درستها دمغت شخصيات الأفراد المنتمين إليها ، وهذا التأريخ يصح في حال الحديث عن الانثروبولوجيا الثقافية ، إلا أن التطورات اللاحقة حولت دراسة المجتمعات والشعوب إلىٰ توظيف سياسي ، وبصورة خاصة في مرحلة الحرب العالمية الثانية التي كانت حرباً عالمية بالمعنىٰ الحرفي لهذه الكلمة ، سواء بالمشاركة كطرف ، أو كمسرح للمعارك ، أو بالتأييد العلني أو الضمني .
وبما أن هذا الفرع قد شهد بدايته في الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تنخرط في الحرب العالمية الثانية إلا عام 1941م فقد كان من الطبيعي أن تُضاف هذه الدراسات مع تدفق هجرة علماء النفس الأوروبيين إلىٰ أمريكا هرباً من الحرب ، وأيضاً كان طابع انفتاح الدراسات الأمريكية بهدف البحث عن الدراية لا عن المعرفة ، وكان ذلك سبب الأسبقيات التي مازالت تمكِّن هذا البلد من تحقيقها . إلا أن تشعب الموضوع واختلاف منطلقاته البحثية يضيِّق المجال لعرضه ، لذا فإن الاقتصار في بدايته سيكون علىٰ التحليل النفسي للشخصية اليهودية .
وفي البدء ، فإن الحديث عن شخصية (إسرائيلية) قد يصطدم بجملة مخالفات للمنطق العِلمي لأن المجتمع الإسرائيلي اليوم هو خليط متنوّع من الثقافات كمجتمع مهاجرين ، أي أنه ممكن التقسيم بحسب تاريخ الهجرة إليه ، حيث يمكن البدء من طائفة “السابرا” الذين هم (اليهود المولودون في فلسطين) والإنتهاء بطائفتي اليهود الروس ـ الخزر واليهود الأثيوبيين ـ الفالاشا الجدد بوجودهم في إسرائيل ، ورغم محاولة الابتعاد عن الخوض في مسألة صراع الهوية الإسرائيلية إلا أن انعدام وجود هوية جامعة لهذا المجتمع ، أو أقله عدم توصل الإسرائيليين أنفسهم إلىٰ الاتفاق علىٰ هوية موحدة لمجتمعهم ، يدعو إلىٰ تسمية الكيان الإسرائيلي باتحاد الحارات اليهودية (الغيتو) ، فقد ترك اليهود حاراتهم في بلدانهم وجاؤوا يعيدون إقامة تلك الحارات في الكيان المح�







