
العراق وطن لايموت وآن اثقلته المآسي
يسرى غسّان عبد الله العنزي كاتبة واديبة| عراقية
ليس العراقُ مجرّدَ وطنٍ نُشيرُ إليه على خارطة العالم، ولا اسماً تتناقله نشرات الأخبار، ولا أرضاً تختصرها حدودٌ وجوازات سفر؛ العراق حكايةُ حضارةٍ بدأت قبل أن تتعلّم البشرية كيف تكتب تاريخها، وذاكرةُ أرضٍ علّمت العالم معنى الحرف، وأهدته أولى خطوات المعرفة، ثم وجدت نفسها ذات يومٍ تبحث عن أبنائها بين ركام الحروب، وتفتّش عن ملامحها في وجوه المتعبين.
كان العراق…
كان دجلةُ والفراتُ ينسابان كأنهما قصيدتان من ماء، وكانت بغدادُ عاصمةً للحرف والعلم، ومنارةً للفكر والفلسفة، وكانت البصرةُ بوّابةَ الشعر واللغة، وكان العلماء والأدباء والمفكرون يحملون اسم العراق إلى العالم كما يحمل الأبُ اسمَ أبنائه بفخر.
كان للكتاب هيبة، وللمعلّم مكانة، وللجامعة رسالة، وللشارع ذاكرة، وللبيوت أبوابٌ مفتوحة على المحبة والجيرة والطمأنينة. كان العراقيُّ يختلف مع أخيه، لكنه يعرف أن بينهما خبزاً وملحاً ونسباً وتاريخاً لا تمحوه العواصف.
ثم توالت المحن…
وجاءت الحروب بما لا تستطيع الكلمات حمله، وأخذت من العراق أعماراً لا تُعوَّض، وأحلاماً لم تبلغ مواسمها، وأمهاتٍ ظللن ينتظرن أبناءهن عند النوافذ، وآباءً رحلوا وفي قلوبهم أمنيةٌ واحدة: أن يروا أبناءهم يعيشون بسلام.
كم من طفلٍ كبر قبل أوانه؟
وكم من أمٍّ دفنت قطعةً من قلبها ولم تدفن وجعها؟
وكم من بيتٍ أُطفئت أنواره، لا لأن الليل حلّ، بل لأن صاحبه لم يعد؟
وكم من شابٍّ حمل شهادته بيد، وحمل حقيبته باليد الأخرى، ورحل يبحث عن فرصةٍ لم يجدها في وطنه؟
يا عراق…
أيُّ وجعٍ هذا الذي يسكن أرضاً كانت تُعلّم الدنيا كيف تنهض، ثم صار أبناؤها يسألونها عن موعد النهوض؟
أين ذهبت تلك الطمأنينة التي كانت تسكن تفاصيل الحياة؟ أين دفء البيوت القديمة، وأحاديث الجيران، ورائحة الخبز في الصباح، وضحكات الأطفال في الأزقة؟ كيف صار الحصول على حياةٍ كريمة حلماً كبيراً في أرضٍ عظيمة؟
إن مأساة العراق ليست في الحروب وحدها، ولا في الفقر وحده، ولا في تعاقب الأزمات فحسب؛ إن المأساة الأعمق أن يتعب الإنسان من كثرة الانتظار، وأن يضطر إلى تأجيل أحلامه مرةً بعد مرة، وأن يشعر بالغربة وهو واقفٌ على أرض وطنه.
لا أكتب لأحاكم زمناً باسم زمن، ولا لأمنح صكوك البراءة أو الإدانة لأحد، فالتاريخ أوسع من الأسماء، والوطن أكبر من الأشخاص، والشعوب ليست صفحاتٍ في دفاتر السلطة؛ إنها أرواحٌ تستحق أن تعيش بكرامة، وأن تنام مطمئنة، وأن ترى مستقبل أبنائها واضحاً كضوء الشمس.
إننا لا نريد وطناً يتغنّى بماضيه فقط، بل وطناً يصنع مستقبله. لا نريد أن يبقى تاريخ الحضارة عزاءً لأجيالٍ تبحث عن حاضرٍ يليق بها. نريد مدرسةً لا ينكسر سقفها فوق أحلام الصغار، ومستشفىً يحفظ كرامة المريض، وجامعةً تفتح أبوابها للعقول، وعملاً يصون تعب الإنسان، وعدالةً يشعر في ظلها الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات.
نريد أن يعود العراق إلى أبنائه، لا بوصفه شعاراً يُرفع في المناسبات، بل واقعاً يُلمس في تفاصيل الحياة.
يا أبناء الرافدين…
لا تجعلوا وجعكم يسرق منكم حبّكم، ولا تسمحوا للمحن أن تقنعكم بأن العراق انتهى. فالأوطان العظيمة قد تنحني تحت ثقل العواصف، لكنها لا تفقد جذورها ما دام في أبنائها من يؤمن بها، وما دام في أرضها من يزرع سنبلةً، وفي مدارسها من يعلّم طفلاً، وفي مكتباتها من يكتب كلمةً، وفي قلوب أمهاتها من يدعو لها.
أنا لا أبكي العراق لأنه فقيرٌ إلى تاريخه؛ فتاريخه أغنى من أن يُختصر، بل أبكيه لأن تاريخه العظيم يستحق حاضراً أجمل، ولأن أبناءه يستحقون حياةً لا تكون فيها النجاة إنجازاً، ولا الأمان أمنيةً بعيدة، ولا الكرامة حلماً مؤجلاً.
وإذا سألني أحدهم: ماذا تريدين للعراق؟
سأقول:
أريده وطناً لا تضطر فيه الأم إلى الخوف على أبنائها كلما أُغلق الباب، ولا يهاجر فيه الشابّ كي يجد فرصةً للحياة، ولا ينحني فيه المعلّم من أجل لقمة عيش، ولا ينام فيه طفلٌ جائعاً بينما تتسع الأرض لخيراتٍ لا تُحصى.
أريده وطناً يُكرَم فيه الإنسان قبل أن يُسأل عن اسمه، وتُحترم فيه الكلمة قبل أن تُرفع الشعارات، ويكون فيه الانتماء فعلاً ومسؤوليةً لا مجرد هتاف.
يا عراق، يا وطن الأنبياء والحضارات، يا أرض النخيل والشعراء…
سامح أبناءك إن عجزوا عن حمايتك من كل ما مرّ بك، وسامح قلوبهم إن أرهقها الحنين، فهم لم ينسوك، وإن ابتعدوا عنك، ولم يتخلّوا عنك، وإن خذلتهم الظروف.
سيبقى فينا منك شيءٌ لا يموت؛ في لهجتنا، في أغانينا، في رائحة خبز أمهاتنا، في حنيننا إلى دجلة والفرات، وفي دمعةٍ تختبئ كلما ذُكر اسم بغداد.
فالعراق ليس وطناً نعيش فيه فحسب؛ العراق وطنٌ يعيش فينا.
وما أقسى أن يكون للإنسان وطنٌ بحجم البحر، ثم لا يجد فيه شاطئاً آمناً يحتمي إليه!







